أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن البيع والشراء، والنهي عن التحلق؛ أي الجلوس حِلقًا قبل أداء صلاة الجمعة.
٧١٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ.
رجال هذا الأسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي ثم النيسابوري، ثقة حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة حافظ حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ﵁، توفي سنة ١٤٨، من [٥]، تقدم في ٣٦/ ٤٠.
[ ٩ / ٢٣ ]
٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من [٥]، مات سنة ١٢٨ تقدم في ١٠٥/ ١٤٠.
٥ - (شعيب) بن محمد، صدوق، ثبت سماعه من جده عبد الله، من [٣]، تقدم في ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم في ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله موثقون.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جده.
ومنها: أن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مما اختلف المحدثون فيه، فمنهم من صححه، ومنهم من ضعفه، والصحيح أنه سند حسن، وإلى ذلك أشار السيوطي ﵀ في ألفية الأثر بقوله:
وَمَا لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِهْ … عَنْ جَدِّهِ فَالأكْثَرُونَ احْتَجَّ بِهْ
حَمْلًا لِجَدِّهِ عَلَى الصَّحَابِي … وَقِيلَ بِالإِفْصَاحِ واسْتِيعَابِ
[ ٩ / ٢٤ ]
وقد تقدم تمام البحث فيه برقم (١٠٥/ ١٤٠)، فارجع إليه تزدد علمًا. والله أعلم، ومنه العون والتوفيق.
شرح الحديث
(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب (عن جده) الصحيح أن الضمير راجع إلى شعيب، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أو الضمير لعمرو، والمراد بجده جده الأعلى، وقد وقع التصريح بأنه عبد الله بن عمرو عند أحمد في مسنده من رواية أسامة بن زيد الليثي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، فالسند متصل، وقد أشبعت الكلام على هذا السند في الباب (١٠٥/ ١٤٠).
(أن النبي -ﷺ- نهى عن التَّحَلُّق) أي الجلوس على هيئة الحَلَقَة (يوم الجمعة قبل الصلاة) الظرفان متعلقان بالتحلق، وإنما نهى عنه لما يترتب عليه من قطع الصفوف مع كون الناس مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، والتراص في الصفوف الأُول، فالأول، ولأنه يخالف هيئة اجتماع المصلين، ولأن الاجتماع للجمعة خَطْب عظيم، لا يَسَعُ مَنْ حَضَرَهَا أن يشتغل بغيرها حتى يفرغ منها، والتحلق يوهم غفلتهم عن الأمر الذي نُدِبُوا إليه، ولأن الوقت وقت الاشتغال بالإنصات للخطبة.
والتحلق المنهي عنه أعم من أن يكون للعلم، أو للمذاكرة، أو المشاورة.
والتقييد بقبل الصلاة يدل على جوازه بعدها للعلم، ونحوه، والتقييد بيوم الجمعة يدل على جوازه في غيره، مطلقًا، لما أخرجه
[ ٩ / ٢٥ ]
الشيخان من حديث أبي واقد الليثي ﵁، قال: "بينما رسول الله -ﷺ- في المسجد، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله -ﷺ-، وذهب واحد، فأما أحدهما، فرأى فرجة في الحلقة، فجلس فيها، وأما الآخر، فجلس خلفهم … " الحديث.
ثم إن الجمهور حملوا النهي في الحديث على الكراهة.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكره الشوكاني ﵀ في نيله جـ ٢ ص ٢٧٣، ولم يتعقبه، ولم يذكروا مستندًا لصرف النهي عن التحريم، فالظاهر أنه للتحريم، لعدم وجود صارف، والله أعلم.
وقال الطحاوي ﵀: التعليق المنهي عنه قبل الصلاة إذا عَمَّ المسجد، وغلبه، فهو مكروه، وغير ذلك لا بأس به. اهـ.
قال الجامع: هذا الذي قاله الطحاوي من التفريق المذكور لا دليل عليه، فالظاهر أن النهي على عمومه. والله أعلم.
(و) نهى (عن الضراء والبيع في المسجد) فيه تحريم الشراء والبيع في المسجد.
قال الإِمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه: وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد، وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين رخصة في البيع والشراء في المسجد. اهـ جـ ١ ص ٢٠٢.
وقال أبو محمد بن حزم ﵀: والبيع جائز في المساجد، قال
[ ٩ / ٢٦ ]
الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولم يأت نهي عن ذلك إلا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي صحيفة. اهـ. المحلى جـ ٤ ص ٢٤٩.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت فيما سبق أن الراجح في عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه سند حسن إذا صح الطريق إليه، فحديث الباب حديث حسن، يحتج به، فيكون مخصصًا للآية المذكورة، فتبصر، والله أعلم.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى ما حاصله: ذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهة.
قال العراقي ﵀: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، وهكذا قال الماوردي.
قال الشوكاني: وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقةٌ في التحريم، وهو الحق، وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم، فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة.
وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد، والأحاديث ترد عليه، وفرق أصحاب أبي حنيفة بين أن يغلب ذلك، ويكثر، فيكره، أو يقل، فلا كراهة، وهو فرق لا دليل عليه.
[ ٩ / ٢٧ ]
اهـ. "نيل" جـ ٢ ص ٢٧١ - ٢٧٢.
قال الجامع عفا الله عنه: ما حققه الشوكاني رحمه الله تعالى هو الحق. وحاصله: أن البيع والشراء محرم في المسجد مطلقًا، قليلًا أو كثيرًا، للمعتكف أو غيره، للنهي المذكور في هذا الحديث، وهو للتحريم لعدم صارف له إلى الكراهة.
وأما كون البيع ينعقد مع التحريم، فيدل له ما أخرجه الترمذي وحسنه، وصححه ابن خزيمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك".
قال ابن خزيمة ﵀: وفيه ما دل على أن البيع ينعقد، وإن كانا عاصيين بفعلهما، قال: لو لم يكن البيع ينعقد لم يكن لقوله -ﷺ-: "لا أربح الله تجارتك" معنى. اهـ انظر صحيح ابن خزيمة جـ ٢ ص ٢٧٤ - ٢٧٥. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٢/ ٧١٤)، وفي "الكبرى" (٢٢/ ٧٩٣)، عن
[ ٩ / ٢٨ ]
إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وفي (٢٣/ ٧١٥) عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن ابن عجلان، به، في النهي عن تناشد الأشعار في المسجد، وفي "عمل اليوم والليلة" عن قتيبة، عن الليث، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسدد، عن يحيى القطان، به، بلفظ: " أن رسول الله -ﷺ- نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التعليق قبل الصلاة يوم الجمعة".
وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، عن الليث، به، نحوه، وليس فيه: إنشاد الضالة، وقال: حسن.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن عبد الله بن سعد الكندي، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان، به، بقصة البيع والشراء وتناشد الأشعار. وعن محمد بن رمح، عن عبد الله بن لهيعة، وعن أبي كريب، عن حاتم بن إسماعيل، كلاهما عن ابن عجلان به، بالنهي عن إنشاد الضالة. وفي موضع آخر، بالنهي عن التحلق.
[ ٩ / ٢٩ ]
وأخرجه أحمد جـ ٢ ص ١٧٩، جـ ٢ ص ٢١٢، وابن خزيمة برقم ١٣٠٦. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
تابع ابن عجلان في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن شعيب أسامةُ ابن زيد الليثي، فقد أخرجه أحمد في مسنده جـ ٢ ص ٢١٢، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك- قال: حدثني أسامة بن زيد، قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال. "نهى رسول الله -ﷺ- عن البيع والاشتراء في المسجد". والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٣٠ ]