أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على محل وقوف الإمام إذا كان المأموم صبيًّا.
وكان الأولى أن يقول: والمأموم واحد. ولعله نص على الصبي؛ لكونه وقع في الحديث؛ لأن ابن عباس كان صبيًا وقت ذاك، وتنبيهًا على أن الحكم لا يختلف بالصبا.
وقد ثبت أنه -ﷺ- أقام الواحد عن يمينه، فقد أخرج أحمد عن جابر ابن عبد الله ﵄، أنه قال: قام رسول الله -ﷺ-، يصلي المغرب، فجئته، فقمت إلى جنبه عن يساره، فنهاني، فجعلني عن يمينه، ثم جاء صاحب لي فصففنا خلفه، فصلى بنا رسول الله -ﷺ- في ثوب واحد مخالفًا بين طرفيه.
وأخرج مسلم، وأبو داود عن جابر أيضًا، أنه قال: قام رسول الله -ﷺ- ليصلي، فجئت، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فقام عن يسار رسول الله -ﷺ-، فأخذ بأيدينا جميعًا حتى أقامنا خلفه. والله تعالى أعلم.
٨٠٦ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ،
[ ١٠ / ١٩٥ ]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ بِي هَكَذَا، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدَّوْرَقي، أبو يوسف البغدادي، ثقة، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (ابن عُلَيّة) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بِشْر البصري، ثقة حافظ، مات سنة ١٩٣، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩. و"عُلَية" أمه، وكان يكره النسبة إليها.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كَيسان السَّخْتِياني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، مات سنة ١٣٢، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٨.
٤ - (عبد الله بن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة فاضل، من [٦].
قال النسائي: ثقة مأمون. وحكى الترمذي عن أيوب، قال: كانوا يعدونه أفضل من أبيه. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، وابن ماجه.
[ ١٠ / ١٩٦ ]
٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، قتله الحجاج سنة ٩٥، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) المذكور في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا عبد الله بن سعيد، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وفيه رواية الراوي عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄، أنه (قال: بت عند خالتي ميمونة) بدل من "خالتي" وهي ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوج النبي -ﷺ-، قيل: اسمها برّة، فسماها النبي -ﷺ- ميمونة، وتزوجها بسرف، سنة سبع، وماتت، ودفنت هناك سنة ٥١ على الصحيح. وتقدمت ترجمتها (١٣/ ٢٣٦).
(فقام رسول الله -ﷺ-، يصلي) جملة فعلية في محل نصب على الحال من الفاعل (من الليل) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض.
(فقمت عن شماله، فقال بي هكذا) أي مدّ يده إليّ، وفيه إطلاق القول على الفعل (فأخذ برأسي) وكان ذلك الأخذ من خلفه،
[ ١٠ / ١٩٧ ]
ففي رواية مسلم: "فأخذ بيدي من وراء ظهره، يَعْدِلُنِي كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن" … الحديث. واستُدِلّ به على أن مثل هذا العمل لا يفسد الصلاة.
(فأقامني عن يمينه) فيه بيان أن موقف المأموم الواحد يكون عن يمين الإمام مساويًا له. ففي رواية مخرمة، عن كريب، عن ابن عباس: "فقمت إلى جنبه" وظاهره المساواة. ورَوَى عبدُ الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس نحوًا من هذه القصة. وعن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شقه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصفّ معه، لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم.
وفي الموطأ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: دخلت على عمر ابن الخطاب بالهاجرة، فوجدته يسبح، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حِذَاءه عن يمينه. قاله في "الفتح" (^١). وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه، وأخرجه المصنف ﵀ مطولًا ومختصرًا في مواضع،
_________________
(١) جـ ٢ ص ٤٢٢.
[ ١٠ / ١٩٨ ]
فقد تقدم في (١/ ٢١٥) و(٢/ ٣٠)، وتقدم تخريجه هناك. ويأتي مطولًا (٢/ ٢١٨)، (٣/ ٢١٠) وسنتكلم أيضًا في تخريجه هناك إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ١٠ / ١٩٩ ]