أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن تناشد الأشعار في المسجد.
والتَّنَاشُدُ: مصدر تَنَاشَدَ. يقال: أنشد الشِّعْرَ: قرأه، ورفَعَه، وأشاد بذكره، كنَشَدَه، وأنشد بهم: هجاهم، وتناشدوا: أنشد بعضهم بعضًا. اهـ "ق" مع التاج جـ ٢ ص ٥١٤.
والشِّعْر -بكسر، فسكون- لغة: العلم، واصطلاحًا: كلام موزون قصدًا بوزن عربي، فخرج بموزون المنثورُ، وبقصدًا ما كان اتفاقيًا، أي لم يقصد وزنه، فلا يكون شعرًا، كآيات قرآنية، اتفق وزنها، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فإنها على وزن مَجْزُوِّ الرَّمَلِ المسبغ، فلا يسمى شعرًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، وكمركبات نبوية، اتفق وزنها، كقوله -ﷺ-:
هل أنت إِلا إِصبع دَمِيتِ … وَفِي سَبيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
فإنه على وزن الرجز المقطوع، فلا يسمى شعرًا، للنص المذكور.
انظر "حاشية الدمنهوري على متن الكافي في علمي العروض والقوافي" ص ١٤. والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ٣١ ]
٧١٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ تَنَاشُدِ الأَشْعَارِ فِي الْمَسْجِدِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
كلهم ذكروا في الباب الماضي إلا قتيبة، والليث، فذُكِرَا قبل بابين، والحديث قطعة من الحديث المذكور في الباب الماضي، كما سبقت الإشارة إليه.
تنبيه:
في هذا الحديث النهي عن تناشد الأشعار في المسجد، وهو محمول على الأشعار المشتملة على الهجاء والسباب ومدح الظلمة ونحو ذلك، وأما الأشعار التي تشتمل على الخير كمدح الله تعالى ومدح النبي -ﷺ- والقرآن والإِسلام ونحو ذلك، فيجوز إنشادها في المسجد، لحديث حسان ﵁ الآتي في الياب التالي، كما بينه المصنف رحمه الله تعالى بالترجمة التالية.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وأما إنشاد الأشعار في المسجد، فحديث الباب، وما في معناه يدل على عدم جوازه،
[ ٩ / ٣٢ ]
ويعارضه ما سيأتي من قصة عمر وحسان ﵄، وتصريح حسان بأنه كان ينشد الشعر بالمسجد، وفيه رسول الله -ﷺ-، وكذلك حديث جابر بن سمرة ﵁، قال: "شهدت النبي -ﷺ- أكثر من مائة مرة في المسجد، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم". رواه أحمد وأخرجه الترمذي، ولفظه: "جالست النبي -ﷺ- أكثر من مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت، فربما تبسم معهم"، وقال: هذا حديث صحيح.
وقد جُمِعَ بين الأحاديث بوجهين:
الأول: حمل النهي على التنزيه، والرخصة على بيان الجواز.
الثاني: حمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه، كهجاء حسان للمشركين، ومدحه -ﷺ-، وغير ذلك، ويحمل النهي على التفاخر، والهجاء، ونحو ذلك. ذكر هذين الوجهين العراقي في شرح الترمذي.
قال الجامع عفا الله عنه: والمسلك الثاني هو الأولى في الجمع، وهو الذي سلكه المصنف، حيث قال في الترجمة التالية: "الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد".
وقال الشافعي ﵀: الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح. وقد ورد هذا مرفوعًا في غير حديث، فأخرج أبو يعلى عن
[ ٩ / ٣٣ ]
عائشة ﵂ قالت: "سئل رسول الله -ﷺ- عن الشعر، فقال: "هو كلام، فحسنه حسن وقبيحه قبيح". قال العراقي: وإسناده حسن، رواه أيضًا البيهقي في سننه من طريق أبي يعلى، ثم قال: وصله جماعة، والصحيح عن النبي -ﷺ- مرسل.
وروى الطبراني في الأوسط من رواية إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، وحبان بن أبي جبلة، وبكر بن سوادة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام". قال الطبراني: لا يروى عن النبي -ﷺ- إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد الرحمن.
وقال الهيثمي في "المجمع" جـ ٦ ص ٢٠٩ - ٢١٠: وإسناده حسن. اهـ. وليس كما قال، بل إسناده ضعيف، لضعف عبد الرحمن بن زياد، لكن الحديث له شواهد، فهو حسن، وقال الشيخ الألباني: صحيح لغيره. انظر "صحيح الأدب المفرد" رقم ٦٦٤.
وقد جمع الحافظ ﵀ بين الأحاديث يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية، والمبطلين، وحمل المأذون فيه على ما سلم من ذلك، ولكن حديث جابر بن سمرة الماضي فيه التصريح بأنهم كانوا يتذاكرون الشعر، وأشياء من أمر الجاهلية.
قال الجامع: هذا لا ينافي النهي المذكور؛ لأن المراد بالمنهي عنه
[ ٩ / ٣٤ ]
هو ما كان على صفة أهل الجاهلية من التفاخر، والسباب، والطعون، وأما ما ذكر من تذاكر الصحابة الشعر الجاهلي، فالمراد به أنهم يتذاكرونه تحدثًا بنعمة الله عليهم حيث هداهم الله إلى الإِسلام عما كانوا عليه من أمور الجاهلية، وعوضهم من أشعارهم المشتملة على الخنا والفجور بالقرآن العظيم، لا أنهم يريدون إحياء ما كانوا عليه، وتجديد ما تابوا منه، فإن هذا لا يُظَنُّ بهم، ولا يقرهم النبي -ﷺ-. والله أعلم.
وقيل: المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه، وأبعد أبو عبد الله البوني، فأعمل أحاديث النهي، وادعى النسخ في حديث الإذن، ولم يُوافَقْ على ذلك. حكاه ابن التين عنه. انتهى.
قال الشوكاني ﵀: وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الجواب، وقد أمكن بلا تعسف كما عرفت.
قال ابن العربي ﵀: لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح الدين، وإقامة الشرع، وإن كان فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة، وحسن لون إلى غير ذلك مما يذكره من يعرفها. وقد مدح فيه كعب بن زهير رسول الله -ﷺ-، فقال (من البسيط):
بَانتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ … .. .. .. .. .. ..
[ ٩ / ٣٥ ]
إلى قوله في صفة ريقها:
… كَأَنَّهُ مَنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ
قال العراقي: وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع، وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب، وإنشادها بين يدي النبي -ﷺ- في المسجد، أو غيره، فليس فيها مدح خمر، وإنما فيها مدح ريقها، وتشبيهه بالراح، قال: ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يرفع به صوته بحيث يشوش بذلك على مصل، أو قارىء، أو منتظر للصلاة، فإن أدى إلى ذلك كره، ولو قيل بتحريمه لم يكن بعيدًا. اهـ. "نيل" جـ ٢ ص ٢٧٢ - ٢٧٣. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٣٦ ]