أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز إنشاد الشعر الحسن، كمدح الله تعالى، ومدح النبي -ﷺ-، والقرآن، والدين، والزهد، والورع، ونحو ذلك.
وأراد المصنف رحمه الله تعالى أن النهي المذكور في حديث الباب الماضي محمول على ما إذا كان الشعر مذمومًا، كالهجاء، ومدح الظلمة، ووصف النساء، والخمر، ونحو ذلك، وهو حمل حسن، جمعًا بين الأدلة. والله أعلم.
٧١٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَهُوَ يُنْشِدُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ أَنْشَدْتُ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: أَجِبْ عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[ ٩ / ٣٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة فقيه، منه [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثقة حجة إمام، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن القرشي المخزومي، المدني، حجة فقيه ثقة إمام، من كبار [٢]، تقدم في ٩/ ٩.
٥ - (حسان بن ثابت) بن المنذر بن حرام بن عمرو الأنصاري النجاري، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو الحسام، ويقال: أبو الوليد المدني شاعر رسول الله -ﷺ-، وأمه الفريعة بنت خالد بن حبيش.
روى عن النبي -ﷺ-. وعنه البراء بن عازب، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الحسن مولى بني نوفل، وابنه عبد الرحمن بن حسان، وخارجة بن زيد بن ثابت، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. قال ابن سعد: كان قديم الإِسلام، ولم يشهد مع النبي -ﷺ- مشهدًا، كان يُجَبَّنُ، وكانت له سن عالية.
توفي في خلافة معاوية، وله ١٢٠ سنة. عاش ستين سنة في
[ ٩ / ٣٨ ]
الجاهلية، وستين سنة في الإِسلام.
وقال ابن سعد: قال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: عاش حرام عشرين ومائة سنة، وعاش ابنه المنذر كذلك، وعاش ابنه ثابت كذلك، وعاش ابنه حسان كذلك، قال: وكان عبد الرحمن إذا ذكر هذا استلقى على فراشه، وضحك، وتمدد، فمات وهو ابن ٤٨ سنة.
قال أبو نعيم: لا نعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد، اتفقت مدة عمرهم مائة وعشرين سنة غيرهم.
وإلى هذا أشار السيوطي في "ألفية الحديث" في تعداد من عاش من الصحابة مائة وعشرين سنة، فقال:
… ثُمَّةَ حَسَّانَ انْفَرَدْ … أنْ عَاشَ ذَا أبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ
وقال ابن إسحاق: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت، قال: إني والله لغلام يَفَعَة ابن سبع سنين، أو ثمان أعقل كل ما سمعت إذ سمعت يهوديًا يصرخ على أطم يثرب يا معشر يهود إذ اجتمعوا إليه، قالوا: ويلك مالك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث الليلة.
وقال لوين في جزئه المشهور: حدثنا حديج، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال: قيل لابن عباس: قدم حسان اللعين،
[ ٩ / ٣٩ ]
قال: فقال ابن عباس: ما هو بلعين، قد جاهد مع رسول الله -ﷺ- بنفسه ولسانه. قال أبو عبيدة: مات سنة ٥٤، وقال ابن حبان: ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة، وأربع سنين، أيام قتل علي. وقيل: إنه مات سنة ٥٥، وقال عمرو بن العلاء: أشعر أهل الحضر حسان بن ثابت. وقال الحطيئة: أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب. وقال ابن قتيبة في الطبقات: انقرض عقبه. أخرج له الجماعة، إلا الترمذي. اهـ. تت بزيادة. جـ ٢ ص ٢٤٧ - ٢٤٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفق الجماعة عليهم، إلا الصحابي، فما أخرج له الترمذي، كما مر آنفًا.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، وسفيان، فكوفي، ثم مكي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، الزهري عن سعيد.
ومنها: أن فيه سعيد بن المسيب، أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدم ذكرهم غير مرة.
ومنها: قال الخزرجي ﵀ في "الخلاصة" ص ٧٥ - ما حاصله: لحسان عند الجماعة فرد حديث، وليس له عن النبي -ﷺ- سواه، وكذا قال ابن الجوزي في "المجتبى" ص ٧٥. والله أعلم.
[ ٩ / ٤٠ ]
شرح الحديث
(عن الزهري، عن سعيد بن المسيب) وهكذا أخرجه البخاري في بدء الخلق، من رواية ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب. وتابعه معمر، عند مسلم، وإبراهيم بن سعد، وإسماعيل بن أمية عند المصنف. وأخرجه المصنفة في عمل اليوم والليلة من الكبرى (٤٣/ ١٠٠٠٠) عن عمران بن بكار، عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة، وهكذا عند البخاري في الصلاة عن أبي اليمان، قال الحافظ ﵀: وتابعه إسحاق بن راشد، عن الزهري. أخرجه النسائي.
وهذا من الاختلاف الذي لا يضر؛ لأن الزهري من أصحاب الحديث، فالراجح أنه عنده عنهما معًا، فكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا، وهذا من جنس الأحاديث التي يتعقبها الدارقطني على الشيخين، لكنه لم يذكره، فليُسْتَدْرَكْ عليه. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٢٠.
(قال: مر عمر بحسان بن ثابت) وهكذا رواية سعيد لهذه القصة بلفظ "مر عمر بحسان" الحديث. قال الحافظ ﵀: وهي عندهم مرسلة؛ لأنه لم يدرك زمن المرور، ولكن يحمل على أن سعيدًا سمع ذلك من أبي هريرة بعدُ، أو من حسان، أو وقع لحسان استشهاد أبي هريرة مرة أخرى، فحضر ذلك سعيد، ويقويه سياق حديث الباب -يعني رواية الزهري، عن أبي سلمة- فإن فيه أن أبا سلمة
[ ٩ / ٤١ ]
سمع حسان يستشهد أبا هريرة، وأبو سلمة لم يدرك زمن مرور عمر أيضًا، فإنه أصغر من سعيد، فدل على تعدد الاستشهاد، ويجوز أن يكون التفات حسان إلى أبي هريرة، واستشهاده به إنما وقع متأخرًا، لأن "ثم" لا تدل على الفورية، والأصل عدم التعدد، وغايته أن يكون سعيد أرسل قصة المرور، ثم سمع بعد ذلك استشهاد حسان لأبي هريرة، وهو المقصود؛ لأنه المرفوع، وهو مو صول بلا تردد. والله أعلم. اهـ. فتح جـ ٢ ص ١٢٠.
(وهو ينشد في المسجد) جملة في محل نصب على الحال من "حسان"، أي والحال أن حسان ﵁ يقرأ أشعاره في المسجد النبوي.
(فلحظ إِليه) يقال: لحظته بالعين، ولَحَظتُ إليه، لَحْظًا، من باب نَفَعَ: راقبته، ويقال: نظرت إليه بمُؤخِرِ العين عن يمين ويسار، وهو أشد التفاتًا من الشَّزْرِ. قاله في المصباح.
قال الجامع عفا الله عنه: المعنى الثاني هو المراد هنا، أي نظر عمر إلى حسان ﵄ بمؤخرِ عينه إنكارًا لإنشاده في المسجد (فقال) حسان ردًّا لإنكار عمر عليه: (قد أنشدت فيه) أي المسجد (وفيه من هو خير منك) يعني النبي -ﷺ-، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير المجرور (ثم التفت) حسان ﵁ (إِلى أبي هريرة) ﵁ (فقال: أسمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "أجب عني") وفي رواية أبي سلمة: "أجب عن رسول الله"،
[ ٩ / ٤٢ ]
فيحتمل أن تكون روايته بالمعنى، والمراد بالإجابة الرد على الكفار الذين هجوا رسول الله -ﷺ- وأصحابه.
وفي الترمذي من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله -ﷺ- ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه، يهجو الكفار". قاله في الفتح.
(اللهم أيده) هذا دعاء من النبي -ﷺ- لحسان ﵁، دعا له بالتأييد، وهو القوة على الكفار (بروح القدس) متعلق بأيد، والمراد بروح القدس هنا جبريل ﵇، كما بينه ما رواه البخاري من حديث البراء وهو عند المصنف في كتاب القضاء من الكبرى (٥٦/ ٦٠٢٤)، ولفظه: "اهجهم، وجبريل معك".
والقدس -بضم القاف والدال- بمعنى الطهر، وسمي جبريل بذلك لأنه خلق من الطهر. وقال كعب: القدس الرب ﷿، ومعنى روح القدس روح الله، وإنما سمي بالروح لأنه يأتي بالبيان عن الله تعالى، فتحيى به الأرواح. وقيل: معنى القدس البركة. ومن أسماء الله تعالى القُدُّوس، أي الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص، ومنه الأرض المقدسة، وبيت المقدس؛ لأنه الموضع الذي يُتَقَدَّسُ فيه، أي يتطهر فيه من الذنوب. قاله في "عمدة القاري" جـ ٤ ص ٢١٨.
(قال) أبو هريرة ﵁: (نعم) ولفظ الكبرى "اللهم نعم"، أي سمعته -ﷺ- يقول ذلك. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
[ ٩ / ٤٣ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث حسان ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٤/ ٧١٦) و"الكبرى" (٢٤/ ٧٩٥) عن قتيبة، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: مر عمر … الحديث.
وقال أبو الحجاج المزي ﵀: أخرجه النسائي في "الصلاة"، وفي "اليوم والليلة" عن قتيبة، ومحمد بن منصور -فرقهما- كلاهما عن سفيان، به. وعن عمران بن بكار، عن أبي اليمان، عن شعيب ابن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة، أنه سمع حسان يستشهد أبا هريرة، وعن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد -وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن سليمان بن داود الهاشمي، عن إبراهيم بن سعد- وعن محمد بن علي بن حرب، عن مُحْرِز بن الوَضَّاح، عن إسماعيل بن أمية - ثلاثتهم عن الزهري، عن سعيد به.
وعن محمد بن جبلة الرافقي، عن أحمد بن عبد الملك، عن عتاب ابن بشير، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن أبي سلمة به. وعن محمد بن جبلة، عن محمد بن موسى بن أعين، قال: أصبت
[ ٩ / ٤٤ ]
في كتاب أبي: عن إسحاق بن راشد به. ولم يذكر ابن أبي خلف، وأحمد بن عبدة، وقتيبة، ومحمد بن إسماعيل، ومحمد بن علي بن حرب في حديثهم: استشهاد حسان بأبي هريرة، وذكره الباقون.
قال المزي: وفي القضاء -يعني في "الكبرى"- عن محمد بن عبد الله ابن بزيع، عن يزيد -يعني ابن زريع- عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، عن حسان بن ثابت، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: "اهجهم، أو هاجهم -يعني المشركين- وجبريل معك". رواه سفيان ابن حبيب، عن شعبة، فجعله من مسند البراء.
قال المزي: حديث محمد بن عبد الله بن بزيع ليس في الرواية، ولم يذكره أبو القاسم. اهـ. "تحفة الأشراف" جـ ٣ ص ١٠٤ - ١٠٥.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
فأخرجه البخاري في "بدء الخلق" عن علي بن المديني، عن ابن عيينة، به. وفي "الأدب" عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق، وفيه، وفي "الصلاة" عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة -كلاهما عن الزهري، عن أبي سلمة، به.
[ ٩ / ٤٥ ]
ومسلم في "الفضائل" عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى ابن أبي عمر، وعمرو بن محمد الناقد، ثلاثتهم عن سفيان، به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان، به. وعن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد، ثلاثتهم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، به.
وأبو داود في "الأدب" عن محمد بن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، به.
وأخرجه الحميدي برقم ١١٠٥، وأحمد ج ٢ ص ٢٦٩، ج ٥ ص ٢٢٢، وابن خزيمة رقم ١٣٠٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الشعر الحسن في المسجد، وأما النهي الوارد في الباب الماضي، فهو محمول على الشعر المشتمل على الخَنَا، والزور، والكلام الساقط، وبهذا يُجْمَعُ بين الأحاديث المختلفة في هذا الباب، كما هو صنيع المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن الإِمام يتعين عليه الإنكار إذا رأى من أتباعه ما ظن أنه منكر حتى يظهر له عدم كونه منكرًا.
ومنها: أنه ينبغي للشخص أن يثبت دعواه بالإشهاد تأكيدًا، وإن
[ ٩ / ٤٦ ]
كان لا يتهم.
ومنها: جواز هجاء الكفار، قال العلماء: ينبغي أن لا يُبْدأ المشركون بالسب والهجاء، مخافةً من سبهم الإِسلام وأهله، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وتنزيهًا لألسنة المسلمين عن الفحش، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، كابتدائهم به، فيكافئون، كما فعل النبي -ﷺ-.
ومنها: أن فيه منقبة عظيمة لحسان ﵁؛ حيث دعا له رسول الله -ﷺ- أن يؤيد بروح القدس. والله تعالى أعلم
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٤٧ ]