أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلاة لابسًا للنعلين.
٧٧٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَغَسَّانَ بْنِ مُضَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ -وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ- قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاس البصري، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٤/ ٤).
٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٢، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٥/ ٥).
٣ - (غَسّان بن مُضَرَ) الأزدي النمري، أبو مضر البصري المكفوف، ثقة، من [٨].
قال الميموني عن أحمد: كان شيخًا عسرًا. وقال عبد الله عن أبيه: شيخ ثقة ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، أظن يحيى بن سعيد حدث عنه. وقال أبو زرعة: صدوق.
[ ٩ / ٥٨٧ ]
وقال أبو حاتم: لا بأس به صالح الحديث. وقال ابن حبان في الثقات: روى عن ثابت وعبد العزيز بن صهيب. روى عنه عمار بن هارون المستملي والبصريون. مات سنة ١٨٤، يعتبر حديثه من رواية الثقات. وفيها أرخه البخاري في تاريخه. وهو من أفراد النسائي، روى له حديث الباب فقط.
٤ - (أبو مسلمة، واسمه سعيد بن يزيد) بن مسلمة الأزدي، ثم الطاحي (^١)، البصري القصير، ثقة، من [٤]، أخرج له الجماعة.
قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. ووثقه ابن سعد، والعجلي، وأبو بكر البزار، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة.
٥ - (أنس بن مالك) الصحابي ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه [٤٦] من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
_________________
(١) "الطاحي" كالقاضي: نسبة إلى طاحية، بطن من الأزد، ومحلة لهم بالبصرة. قاله في لب اللباب. جـ ٢ ص ٨٣.
[ ٩ / ٥٨٨ ]
ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة.
ومنها: أن غسان بن مضر من أفراد المصنف، ولم يخرج له إلا هذا الحديث.
ومنها: أن المصنف وَثّقَ أبا مسلمة، وذكر اسمه، ونسبه إلى بلده، ومثل هذا في الكتاب قليل.
ومنها: أن فيه أنسا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة ٩٢ أو ٩٣ هـ. وأن فيه الإخبار، والتحديث من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
قال أبو مسلمة ﵀: (سألت أنس بن مالك) ﵁ (أكان رسول الله -ﷺ-) استفهام على سبيل الاستفسار (يصلي في النعلين؟) وعند البخاري: "يصلي في نعليه". قال العيني ﵀: أي على نعليه، أو بنعليه؛ لأن الظرفية غير صحيحة. والنعل الحذاء، مؤنثة، وتصغيرها نُعيلة. اهـ (^١).
(قال) أنس ﵁ (نعم) أي كان يصلي فيهما.
_________________
(١) جـ ٤ ص ١١٩.
[ ٩ / ٥٨٩ ]
قال ابن بطال ﵀: معنى هذا الحديث عند العلماء إذا لم يكن في النعلين نجاسة، فلا بأس بالصلاة فيهما، وإن كان فيهما نجاسة فليمسحهما، ويصلي فيهما. واختلفوا في تطهير النعال من النجاسات؛ فقالت طائفة: إذا وطىء القذر الرطب يجزيه أن يمسحهما بالتراب، ويصلي فيه. وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجزيه أن يطهر الرطب إلا بالماء، وإن كان يابسًا أجزأه حكه. وقال الشافعي: لا يطهر النجاسات إلا الماء في الخف والنعل وغيرهما (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح هو المذهب الأول لما أخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا وطىء أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور"، وفي لفظ: "إذا وطىء الأذى بخفيه فطهورهما التراب"، وهو حديث صحيح. ولم يفرق بين الرطب واليابس، فدل على أن النعل تطهر بالتراب. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
_________________
(١) عمدة القاري جـ ٤ ص ١١٩.
[ ٩ / ٥٩٠ ]
أخرجه هنا (٢٤/ ٧٧٥)، وفي الكبرى (١٢/ ٨٥١) بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن آدم، عن شعبة -وفي "اللباس" عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن بشر بن المفضل- وعن أبي الربيع الزهراني، عن عَبَاد بن العوّام، والترمذي فيه عن علي ابن حجر، عن إسماعيل بن إبراهيم - كلهم عن سعيد بن يزيد الأزدي، عنه. وأحمد: (٣/ ١٠٠، ١٨٩). والدارمي رقم (١٣٨٤)، وابن خزيمة رقم (١٠١٠). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: دلّ حديث الباب على مشروعية الصلاة في النعال:
قال العلامة الشوكاني ﵀: وقد اختلف نظر الصحابة والتابعين في ذلك، هل هو مستحب، أو مباح، أو مكروه؟ فروي عن عمر بإسناد ضعيف أنه كان يكره خلع النعال، ويشتد على الناس في ذلك. وكذا عن ابن مسعود، وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم. وروي عن إبراهيم أنه كان يكره خلع النعال، وهذا يشعر بأنه مستحب عند هؤلاء.
[ ٩ / ٥٩١ ]
قال الحافظ العراقي ﵀ في شرح الترمذي: وممن كان يفعل ذلك -يعني لبس النعل في الصلاة- عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعويمر بن ساعدة، وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع، وأوس الثقفي. ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، وعطاء بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وطاوس، وشريح القاضي، وأبو مِجْلَز، وأبو عمرو الشيباني، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، وإبراهيم التيمي، وعلي بن الحسين، وابنه أبو جعفر.
وممن كان لا يصلي فيهما: عبد الله بن عمر، وأبو موسى الأشعري.
وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: الحديث دليل على جواز الصلاة في النعال، ولا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحباب؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة. ثم أطال البحث في ذلك (^١).
قال الشوكاني ﵀: إلا أن حديث: "خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا في خفافهم" أقل أحواله الدلالة على الاستحباب، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر؛ فإن رأى في نعليه قذرًا، أو أذى فليمسحه، وليصل
_________________
(١) إحكام الأحكام جـ ٢ ص ٣٤٤ بنسخة الحاشية.
[ ٩ / ٥٩٢ ]
فيهما" (^١).
ويمكن الاستدلال لعدم الاستحباب بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "إذا صلى أحدكم، فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما". وهو كما قال العراقي صحيح الإسناد.
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي حافيًا ومنتعلًا" (^٢). أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: صلى رسول الله -ﷺ- في نعليه، فصلى الناس في نعالهم، فخلع نعليه، فخلعوا، فلما صلى قال: "من شاء أن يصلي في نعليه فليصل، ومن شاء أن يخلع فليخلع". قال العراقي ﵀: وهذا مرسل صحيح الإسناد.
قال الشوكاني ﵀: ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي هريرة وما بعده صارفًا للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب؛ لأن التخيير والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر لا ينافي الاستحباب، كما في حديث: "بين كل أذانين
_________________
(١) حديث صحيح.
(٢) حديث صحيح، وسيأتي للمصنف من حديث عائشة ﵂ برقم ١٠٠/ ١٣٦١.
[ ٩ / ٥٩٣ ]
صلاة لمن شاء". وهذا أعدل المذاهب، وأقواها عندي (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التقرير الذي قرره الشوكاني ﵀، واختاره هو المختار عندي. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) نيل الأوطار جـ ٢ ص ٢٣٢ - ٢٣٣.
[ ٩ / ٥٩٤ ]