أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن طلب الضالة في المسجد.
والإنشاد -بكسر الهمزة- مصدر أنشد، رباعيًا، يقال: أنشد الضالة: عَرَّفَهَا، واسترشد عنها، ضدٌّ. ومثله نَشَدَ الضالة ثلاثيًا - نَشْدًا -من باب قتل-، ونِشْدَةً، ونِشْدانًا- بكسرهما: إذا طلبها، وعَرَّفَها. اهـ. "ق". بتصرف، وزيادة.
قال الجامع عفا الله عنه: والمناسب هنا معنى الاسترشاد؛ لأن المراد طلبها. والله أعلم.
والضالة: -بالهاء-: الحَيَوان الضائع ذكرًا كان، أو أنثى.
قال الفيومي رحمه الله تعالى -في مادة "ضل"-: والأصل في الضَّلال: الغَيْبَةُ، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالة -بالهاء- للذكر والأنثى، والجمع ضَوَال، مثل دابَّة، ودَوَابّ، ويقال لغير الحيوان: ضائع، ولُقَطَة، وضَلَّ البعيرُ: غاب، وخَفِيَ موضعه، وأضللته بالألف: فقدته.
قال الأزهري: وأضللت الشيء بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدابة والناقة، وما أشبهها، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: وضَلِلْتُهُ، ولا تقل: أضللته بالألف.
[ ٩ / ٤٨ ]
وقال ابن الأعرابي: أضَلَّنِي كذا بالألف: إذا عجزت عنه، فلم تقدر عليه. وقال في البارع: ضَلَّنِي فلان، وكذا في غير الإنسان، يَضلُّنِي: إذا ذهب عنك، وعَجَزْت عنه، وإذا طلبت حيوانًا، فأخطأت مكانه، ولم تهْتَدِ إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْتُهُ. وقال الفارابي: أضْلَلتُهُ بالألف: أضَعْتُهُ. اهـ "الصباح" جـ ٢ ص ٣٦٤. والله تعالى أعلم.
٧١٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا وَجَدْتَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو المعافى الحرَّاني، صدوق، من [١٠]، توفي سنة ٢٤٣ هـ.
قال النسائي: لا بأس به، وقال أيضًا: صالح. وقال مسلمة: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: مات بقرية بحران في رمضان سنة ٢٤٣ هـ، انفرد به المصنف.
٢ - (محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي مولاهم أبو عبد الله الحراني، ثقة، توفي سنة ١٩١ على الصحيح، من [٩]، أخرج له
[ ٩ / ٤٩ ]
البخاري في "جزء القراءة" ومسلم، والأربعة، تقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦.
٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن يزيد سماك بن رستم الأموي، مولاهم الحراني، ثقة، توفي سنة ١٤٤ هـ، من [٦]، وقيل اسم أبيه يزيد، وقيل: اسم جده سمال -بفتح أوله، وتشديد الميم، وآخره لام، تقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦ أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
٤ - (زيد بن أبي أنيسمة) الجزري، أبو أسامة، كوفي الأصل، ثم سكن الرها، ثقة له أفراد، توفي سنة ١١٩ هـ، من [٦]، وقيل: غيره، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦.
٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي، صدوق، يدلس، توفي سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٦ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي المدني، صحابي ابن صحابي ﵄، أخرج له الجماعة. تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم موثقون، أخرج لهم الجماعة، إلا شيخه،
[ ٩ / ٥٠ ]
فانفرد هو به، ومحمد بن سلمة فما أخرج له البخاري، إلا في "جزء القراءة"، وأبو عبد الرحيم، فانفرد به مسلم، والمصنف، وأبو داود، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد".
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن خاله، محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم.
ومنها: أن فيه جابر بن عبد الله أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) بن عبد الله ﵄، أنه (قال: جاء رجل ينشد) تقدم أنه من باب قتل، ويحتمل كونه من الإسناد رباعيًا، والمراد به هنا الطلب (ضالة) تقدم أيضًا أنه الحيوان الضائع ذكرًا كان أو أنثى، ويقال لغيره: ضائع، ولقيط (في المسجد) النبوي (فقال رسول الله -ﷺ-: "لا وجدت") أي صادفت ضالتك، وهو دعاء عليه بعدم مصادفته لضالته.
وقال السندي ﵀: يحتمل أنه دعاء عليه، فكلمة "لا" لنفي الماضي، ودخولها على الماضي بلا تكرار في الدعاء جائز، وفي غير الدعاء الغالب هو التكرار، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١]، ويحتمل أن "لا" ناهية، أي لا تنشُدْ، وقوله: "وجدت" دعاء له، لإظهار أن النهي منه نصح له، إذ الداعي لخير لا
[ ٩ / ٥١ ]
ينهى إلا نصحًا، لكن اللائق حينئذ الفصل، بأن يقال: لا، ووجدت، لأن تركه موهم، إلا أن يقال: الموضع موضع زجر، فلا يضر به الإيهام، لكونه إيهام شيء، هو آكد في الزجر. اهـ. جـ ٢ ص ٤٩.
قال الجامع: الاحتمال الأول هو الأولى؛ لأن الثاني بعيد عن ظاهر النص، فتبصر. والله أعلم.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر ﵁ حديث صحيح؛ أخرجه المصنف هنا (٢٥/ ٧١٧)، و"الكبرى" (٢٥/ ٧٩٦) بالسند المذكور. وهو من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى في "تحفته" جـ ٢ ص ٣٠٢.
المسألة الثانية: حديث الباب يدل على منع إنشاد الضالة في المسجد، وقد وردت أحاديث فيه:
منها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من سمع رجلًا ينشد في مسجدنا ضالة، فليقل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا". رواه أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
ومنها: حديث بريدة ﵁: "أن رجلًا نَشَدَ في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي -ﷺ-: "لا وجدت، إنما
[ ٩ / ٥٢ ]
بنيت المساجد لما بنيت له". رواه أحمد، ومسلم، وابن ماجه أيضًا، والمصنف في "عمل اليوم والليلة".
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا: في أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا ردها الله عليك" رواه الترمذي، وحسنه، ورواه المصنف في "عمل اليوم والليلة".
ومنها: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، قال: "نهى رسول الله -ﷺ- عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تنشد فيه الضالة، وعن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة"، رواه أحمد والأربعة، وقد تقدم للمصنف (٢٢/ ٧١٤)، ولكن ليس فيه إنشاد الضالة.
وفي هذه الأحاديث دليل على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان معاقبةً له في ماله، ومعاملَةً له بنقيض قصده.
فينبغي لسامعه أن يقول: لا وجدت، فإن المساجد لم تبن لهذا، أو يقول: لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له. كما قاله رسول الله -ﷺ-.
قال النووي رحمه الله تعالى: يستفاد من الحديث النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويلحق به ما في معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد.
[ ٩ / ٥٣ ]
قال القاضي عياض: قال مالك، وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم، وغيره، وأجاز أبو حنيفة ﵀، ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك ﵀ رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة، وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم، ولابد لهم منه.
وقوله -ﷺ-: "إنما بنيت المساجد لما بنيت له": معناه لذكر الله، والصلاة والعلم، والمذاكرة في الخير، ونحوها. قال القاضي عياض: فيه دليل على منع الصنائع في المسجد كالخياطة وشبهها، قال: وقد منع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد. قال: قال بعض شيوخنا: إنما يمنع في المسجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس، ويكتسب به، فلا يتخذ المسجد متجرًا، فأما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة، وإصلاح آلات الجهاد، مما لا امتهان للمسجد في عمله، فلا بأس به، وحكى بعضهم خلافًا في تعليم الصبيان فيها. اهـ. "شرح مسلم" جـ ٥ ص ٥٥.
وفي "النيل" جـ ٢ ص ٢٦٩: وكره بعض المالكية تعليم الصبيان في المساجد، وقال: إنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فإن كان بغير أجرة كان مكروهًا، لعدم تحرزهم من الوسخ الذي يصان عنه المسجد.
ونقل في "الفتح" جـ ٢ ص ١٢٦ - عن مالك رواية أخرى، وهي
[ ٩ / ٥٤ ]
التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير وما لابد منه، فيجوز، وبين رفعه باللفظ ونحوه؛ فلا.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا التفصيل المنقول عن مالك في هذه الرواية هو الذي يترجح عندي في المسألة.
وحاصله أن يقال: إن رفع الصوت في المسجد إن كان فيما يتعلق به غرض ديني، أو نفع دنيوي فجائز، وإلا فلا، وعلى ذلك يدل عمل الإِمام البخاري ﵀ في صحيحه، حيث ترجم "باب رفع الصوت في المساجد"، ثم ساق بسنده عن السائب بن يزيد، قال: "كنت قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما -أو من أين أنتما-؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله -ﷺ-".
ثم أورد بسنده حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَدٍ دينًا له عليه في عهد رسول الله -ﷺ- في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله -ﷺ-، وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله -ﷺ- حتى كشف سجْفَ حُجْرَته، ونادى: "يا كعب بن مالك، يا كعب"، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضَعِ الشطر من دينك، قال: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله -ﷺ-: "قم فاقضه".
[ ٩ / ٥٥ ]
فأورد البخاري ﵀ حديث عمر الدال على المنع، وحديث كعب الدال على الجواز، حيث قرر -ﷺ- المتخاصمين في رفع أصواتهما في المسجد، إشارة منه إلى أن المنع فيما لا منفعة فيه، وعدمه فيما تلجىء الضرورة إليه.
وهو تفصيل حسن، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن رفع الصوت في المساجد فإنها -كما قال الحافظ في الفتح جـ ٢ ص ١٣٦ - ضعيفة، فلا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة، وعلى تقدير صحتها، فإنها تحمل على اللغو واللَّغَط، ومما لا فائدة فيه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٥٦ ]