أي هذا باب ذكر الحديث الدَّال على صفة تقويم الإمام صفوف المأمومين.
ومحل الاستدلال من الحديث قولُهُ: "كما تُقَوَّم القِدَاح"، وقولُهُ: "يمسح مناكبنا وصدورنا". والله تعالى أعلم.
٨١٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُقَوِّمُ الصُّفُوفَ، كَمَا تُقَوَّمُ الْقِدَاحُ، فَأَبْصَرَ رَجُلًا خَارِجًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: "لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (أبو الأحوص) سَلاَّم بن سُلَيم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، مات سنة ١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة،
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
تقدم في ٧٩/ ٩٦.
٣ - (سماك) بن حَرْب بن أوس بن خالد الذُّهْلي البكري، أبو المغيرة الكوفي، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما يُلَقَّن، مات سنة ١٢٣، من [٤]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٢/ ٢٨٨.
٤ - (النُّعْمَان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة ٦٥، وله ٦٤ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩/ ٥٢٨. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو -٥٣ - من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم موثوقون، فقد وثق ابن معين، وأبو حاتم سماكًا (^١)، وإنما عابوا عليه اختلاطه.
ومنها: أنهم من رجال الجماعة، فسماك علق له البخاري.
ومنها: أن صحابيه أول مولود من الأنصار بالمدينة بعد الهجرة، وأنه روى عن رسول الله -ﷺ- (١١٤) حديثًا، اتفق الشيخان على خمسة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأربعة (^٢). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر "تت" جـ ٤ ص ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) انظر المجتبى من المجتنى، لابن الجوزي ﵀ ص ٨٦.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
شرح الحديث
(عن النعمان بن بشير) ﵄، أنه (قال: كان رسول الله -ﷺ- يُقَوِّمُ الصفوفَ) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل ضمير رسول الله -ﷺ-، وهو من التقويم، وهو التعديل، يقال: قَوَّمته، تقويمًا، فتقوّم: بمعنى عدّلته، فتعدّل. قاله الفيومي.
(كما تُقَوَّمُ القِدَاحُ) ببناء الفعل للمفعول، والقدَاحُ نائب فاعله، وهكذا معظم نسخ "المجتبى"، وكذا "الكبرى" "تقوّمَ القداح" بالتاء، ووقع في النسخة التي شرح عليها السندي: "كما يقوم القداح" -بالياء- فقال السندي: والأقرب أنَّ "يقوم" على بناء المفعول، من التقويم، وجَعْلُهُ على بناء الفاعل، وجعل ضميره للنبي -ﷺ- بعيد. انتهى.
و"القِدَاح" -بكسر القاف، وتخفيف الدال- جمع قِدْح -بكسر، فسكون-: السهم قبل أن يُرَاش، ويُنَصَّلَ. ويجمع أيضًا على أقداح، وأقْدُحٍ، وأقَادِيح. قاله المجد (^١).
وقال ابن منظور نقلًا عن الأزهري ما نصه: وأوّلُ مَا يُقْطَعُ، ويُقْضَبُ يُسَمَّى قِطعًا -أي بكسر، فسكون- والجمع القُطُوع، ثم يُبْرَى، فيسمى بَرِيًّا -بفتح الباء، وكسر الراء، وتشديد الياء- وذلك قبل أن
_________________
(١) انظر "ق" ص ٣٠١.
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
يُقَوَّم، فإذا قُوّمَ، وأنَى له أن يُرَاش، ويُنصَل، فهو القِدْح، فإذا ريش، وركب نَصْلُهُ فِيه صار نَصْلًا. انتهى (^١).
والغرض من التشبيه المبالغةُ في تسوية الصفوف؛ لأن القِدْح لا يصلح لما يراد منه إلا بعد انتهائه في الاستواء، فهو يدلّ على أنه كان يسوي الصفوف تسوية تامة.
ووقع في رواية مسلم. "حتى كأنما يُسوَّي بها القِدَاح". قال النووي ﵀: معناه يبالغ في تسويتها، حتى تصير كَأنما يُقَوَّمُ بها السهامُ، لشدة استوائها واعتدالها. انتهى (^٢).
(فأبصر رجلًا خارجًا صدرُه) بالرفع فاعل "خارجًا" (من الصفّ) متعلق بـ "خارجًا"، وعند مسلم: "حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا، فقام، حتى كاد يكبر، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف" … وعند أبي داود: "حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه، وفَقِهْنَا، أقبل ذات يوم بوجهه، إذا رجل مُنتبذ بصدره" …
(فلقد رأيت رسول الله -ﷺ- يقول: "لَتقيمن صفوفكم) بفتح اللام، وهي اللام الموطّئة التي يُتلقّى بها القسم، والقسم مقدر، وقد أبرز في رواية لأبي داود، ولفظها: "أقبل رسول الله -ﷺ- على الناس
_________________
(١) "لسان" جـ ٥ ص ٣٥٤٢.
(٢) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٥٧.
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، ثلاثًا، والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم".
والفعل رباعي من الإقامة، وهو التعديل، والنون المشددة نون التوكيد، و"صفُوفكم" بالنصب على المفعولية، والجملة جواب القسم المقدر، أي والله لَتُعَدِّلُنَّ صفوفكم، ولمسلم: فقال: "عباد الله لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ"، ونحوه لأبي داود.
قال في "الفتح": والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد، أو يراد بها سدّ الخلل الذي يكون في الصفّ، كما سيأتي. انتهى (^١).
(أو لَيخالِفن الله بين وجوهكم) بفتح اللام الأولى؛ لأنها لام التأكيد، وبكسر الثانية، وفتح الفاء، ولفظ الجلالة مرفوع بالفاعلية، وكلمة "أو" في الأصل موضوعة لأحد الشيئين، أو الأشياء، وقد تخرج إلى معنى الواو، وهي حرف عطف، وهي هنا لأحد الأمرين؛ لأن الواقع أحد الأمرين، إما إقامة الصفوف، وإما المخالفة.
والمعنى ليخالفن الله بين وجوهكم إن لم تقيموا الصفوف؛ لأنه قابَلَ بين الإقامة وبينه، فيكون الواقع أحد الأمرين، وهذا وعيد شديد
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٤٣.
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
لمن لم يقم الصفوف بعذاب من جنس ذنبهم، لاختلافهم في مقامهم، أفاده البدر العيني ﵀ (^١).
وقال في "حجة الله البالغة": والنكتة في خصوص مخالفة الوجوه أنهم أساءوا الأدب في إسلام الوجه لله، فجوزوا في العضو الذي أساءوا له، أو اختلفوا صورة بالتقدم والتأخر، فجوزوا بالاختلاف. انتهى (^٢).
وقال الحافظ ﵀: واختُلِفَ في الوعيد المذكور، فقيل: هو على حقيقته، والمراد تشويه الوجه بتحويل خَلْقه عن وضعه بجعله موضع القفا، أو نحو ذلك، وفيه من اللطائف: وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة، وعلى هذا فهو واجب، والتفريط فيه حرام. ويؤيد حمله على ظاهره حديث أبي أمامة: "لتسون الصفوف، أو لتطمسن الوجوه"، أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف. ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧].
ومنهم من حمله على المجاز. قال النووي: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلافَ القلوب، كما تقول: تغير وجه فلان عليّ، أي
_________________
(١) عمدة القاري جـ ٥ ص ٢٥٣.
(٢) نقله في "المنهل العذب المورود" جـ ٥ ص ٥٣ - ٥٤.
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
ظهر لي من وجهه كراهية؛ لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. ويؤيده رواية أبي داود، وغيره بلفظ: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم".
وقال القرطبي: معناه تفترقون، فيأخذ كل واحد وجهًا غير الذي أخذ صاحبه؛ لأن تقدم الشخص على غيره مَظِنَّة للتكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة.
والحاصل أن المراد بالوجه إن حمل على العضو المخصوص، فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية، أو الصفة، أو جعل القُدّام وراء. وإن حمل على ذات الشخص، فالمخالفة بحسب المقاصد، أشار إلى ذلك الكرماني. ويحتمل أن يراد المخالفة في الجزاء، فيجازي المُسَوِّيَ بخير، ومن لا يُسَوِّي بشر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمله على ظاهر الحديث أولى، ولا ينافي ذلك وقوع تخالف قلوبهم الذي دل عليه حديث: "أو ليخالفن الله بن قلوبكم"، وحديث: "لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم"، ولا بعد في حصول الأمرين، كما دلت النصوص عليه، والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٤٣.
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث النعمان بن بشير ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٥/ ٨١٠)، وفي "الكبرى" (٢٥/ ٨٨٤) عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن زهير بن معاوية، وعن حسن بن الربيع، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي الأحوص -وعن قتيبة، عن أبي عوانة- ثلاثتهم عن سماك، عنه.
وأخرجه أبو داود، فيه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سماك، عنه، نحوه. وعن عبيد الله بن معاذ، عن خالد ابن الحارث، عن حاتم بن أبي صَغيرَة، عن سماك، عنه مختصرًا "كان رسول الله -ﷺ- يسوي صفوفنا، فإذا استوت كبر".
وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، عن أبي عوانة، به. وقال: حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن سماك، عنه، نحوه.
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
وأخرجه أحمد جـ ٤/ ص ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٢، ٢٧٦، ٢٧٧. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨١١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا، وَصُدُورَنَا، وَيَقُولُ: "لَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ"، وَكَانَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْمُتَقَدِّمَةِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
الأول، والثاني تقدما في السند الذي قبله.
٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب السلمي الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة ١٣٢، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢.
٤ - (طلحة بن مُصَرف) بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي، ثقة فاضل قارىء، مات سنة ١١٢ أو بعدها، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦.
٥ - (عبد الرحمن بن عَوْسَجَة) الهَمْدَاني، ثم النهمي الكوفي،
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
ثقة، من [٣].
قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: قتل يوم الزاوية (^١) مع ابن الأشعث. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن المديني، عن يحيى بن سعيد: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه. وقال ابن سعد: روى عن علي بن أبي طالب: وكان قليل الحديث. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والباقون إلا مسلمًا.
٦ - (البراء بن عازب) ﵄، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمة الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة إلا عبد الرحمن بن عوسجة، فما أخرج له الشيخان، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، وأنه مسلسل بالكوفيين، إلا شيخه، فبغلاني. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن البراء بن عازب) ﵄، أنه (قال: كان رسول الله -ﷺ- يتخلل الصفوف) أي يدخل بينها، يقال: تخللت
_________________
(١) يوم الزاوية سنة ٨٢.
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
القومَ: إذا دخلت بين خَلَلِهم، والخلل -بفتحتين-: الفَرْجة بين الشيئين، والجمع خِلَال، مثل جَبَل وجبال. قاله في "المصباح" (^١).
(من ناحية إِلى ناحية) متعلق بـ "يتخلل"، أو بمحذوف، حال من الفاعل، أي حال كونه مبتدأ من جانب، ومنتهيًا إلى جانب آخر. (يمسح مناكبنا وصدورنا) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل أيضًا، أي يُمِرّ يده على مناكبنا، وصدورنا مبالغة في التسوية، حتى لا يتقدم أحد، ولا يتأخر.
(ويقول) يحتمل أن تكون الجملة معطوفة على جملة "يتخلل"، فتكون خبرًا لـ "كان"، ويحتمل أن تكون معطوفة على جملة "يمسح"، فتكون حالًا (لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم) "لا" ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها، أي لا يحصل منكم اختلاف بأبدانكم بالتقدم والتأخر، فيتسبب عنه اختلاف قلوبكم بالعداوة والبغضاء، والتحاسد، والشحناء (وكان) -ﷺ- (يقول: إِن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة).
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره: والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية. ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله
_________________
(١) جـ ١ ص ١٨١.
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
﷿ الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين. والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء والاستغفار. انتهى (^١).
والمعنى هنا أن الله تعالى يثني على أهل الصفوف المتقدمة عند ملائكته، أو ينزل رحمته عليهم، وتدعو لهم الملائكة، وتستغفر لهم.
وقال السندي ﵀ في "شرحه": قوله: (على الصفوف المتقدمة) أي على الصف المتقدم في كل مسجد، أو في كل جماعة، فالجمع باعتبار تعدد المساجد، أو تعدد الجماعة، أو المراد الصفوف المتقدمة على الصف الأخير، فالصلاة من الله تعالى تشيل كل صف على حسب تقدمه، إلا الأخير، فلاحظ له منها، لفوات التقدم، والله أعلم. انتهى (^٢). وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درحته:
حديث البراء بن عازب ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٥/ ٨١١)، وفي "الكبرى" (٢٥/ ٨٨٥) بالسند المذكور.
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٠٣.
(٢) شرح السندي جـ ٢ ص ٩٠.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن هناد، وأبي عاصم أحمد بن جَوَّاس الحنفي، كلاهما عن أبي الأحوص، عن منصور، عن طلحة ابن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عنه.
وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، عن طلحة بن مصرف، به مختصرًا، بلفظ: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول".
وأحمد جـ ٤/ ص ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤، والدارمي رقم (١٢٦٧)، وابن خزيمة رقم (١٥٥١، ١٥٥٦). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائد حديثي الباب:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان كيفية تقويم الإمام الصفوف، وتعديلها، وهو أن يتعاهد ذلك بنفسه، ويمسح صدور المأمومين، ومناكبهم، ويأمرهم بتعديلها، ويبين لهم ما يترتب على عدمه من وقوع المخالفة بين وجوههم، وقلوبهم.
ومنها: ما كان عليه النبي -ﷺ- من العناية بأمر الصلاة، وتعديل الصفوف فيها لنفسه، بحيث يدخل في خِلال الصفوف من ناحية، وينتهي إلى ناحية أخرى.
ومنها: الوعيد الشديد على من لا يعتنون بإقامة الصفوف، من
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
وقوع العداوة، والمغضاء بينهم.
ومنها: بيان فضل الصفوف المتقدمة، حيث إن الله تعالى، وملائكته يصلون على من يصلي فيها، وهذا من أشرف المراتب العلية لمقيمي الصلاة على الوجه المطلوب جعلنا الله تعالى من عباده المؤمنين الذي يقيمون الصلاة، والذي هم في صلاتهم خاشعون، إنه لعباده رؤوف رحيم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
[ ١٠ / ٢٤٣ ]