أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم إظهار السلاح في المسجد.
والسلاح -بالكسر-: ما يقَاتَلُ به في الحرب، ويُدَافَعُ، والتذكير أغلب من التأنيث، فيجمع على التذكير: أسْلحَة، وعلى التأنيث: سِلاحات، والسِّلْح - وِزان حمْل لغة في السلاح، وأخذ القوم أسلحتهم، أي أخذ كل واحد سلاحه. قاله في المصباح جـ ١ ص ٢٨٤.
ثم اعلم أن الظاهر أنه أراد بإظهار السلاح حمله ظاهرًا مع الأخذ بنصله، فيكون حكمه الجواز، ويحتمل أن يكون إبداء نصله، فيكون حكمه المنع، لأجل الإيذاء، ويؤيد إلاحتمال الأول -وهو الأقرب لظاهر الحديث- الترجمة التالية، فإنها لبيان جواز تشبيك الأصابع، ويؤيد الاحتمال الثاني الترجمة السابقة، فإنها لبيان النهي عن إنشاد الضالة. والله أعلم.
٧١٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ، بَصْرِيٌّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرًا، يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
[ ٩ / ٥٧ ]
"خُذْ بِنِصَالِهَا". قَالَ: نَعَمْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور) بن مخرمة، أبو بكر الزهري البصري، صدوق، توفي سنة ٢٥٦، من صغار [١٠]، أخرج له مسلم والأربعة، وتقدم في ٤٢/ ٤٨.
تنبيه:
قوله: "بصري" هكذا في النسخ منكرًا، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو بصري، والله أعلم.
٢ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخزاعي الجوَّاز المكي، ثقة، من [١٠]، توفي سنة ٢٥٢، أخرج له النسائي، تقدم في ٢٠/ ٢١.
٣ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الحافظ الحجة المثبت، توفي سنة ١٩٨ هـ، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عمرو) بن دينار الجمحي، أبو محمد الأثرم المكي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له الجماعة تقدم في ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (جابر) بن عبد الله ﵄ المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ٥٨ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعياته، وهو (٣٧) منها.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول لم يخرج له البخاري، والثاني من أفراده.
ومنها: أن هذا السند أصح أسانيد أهل مكة، قال أبو عبد الله الحاكم: وأصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر. انظر تدريب الراوي جـ ١ ص ٨٤.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والقولَ، والسماعَ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) سفيان بن عيينة: (قلت لعمرو) بن دينار: (أسمعت جابرًا يقول: مر رجل بسهام في المسجد) النبوي، ولمسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر أن النبي -ﷺ- أمر رجلًا كان يتصدق بالنبل في المسجد أن لا يمر بها، إلا وهو آخذ بنصالها.
قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه إلى الآن.
(فقال له رسول الله -ﷺ-: "خذ بنصالها") "النصال" -بالكسر- جمع "نصل" -بفتح فسكون- وهي -كما في "ق"- حديدة السهمِ والرمحِ والسيفِ ما لم يكن له مَقْبِضٌ، ويجمع أيضًا على أنْصُلٍ ونُصُولٍ.
[ ٩ / ٥٩ ]
وإنما أمره بالأخذ بنصالها، لئلا يؤذي أحدًا من المسلمين، ففي رواية الشيخين من طريق حماد بن زيد، عن عمرو: "أن رجلًا مر في المسجد بأسهم قد أبدى نصولها، فأمره أن يأخذ بنصولها، كي لا تخدش مسلمًا".
قال الجامع عفا الله عنه: حكم المجامع كالأسواق ونحوها حكم المساجد في هذا، لما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي -ﷺ-، قال: "من مر في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا بنبل، فليأخذ على نصالها، لا يعقِرْ مسلمًا". وفي رواية لمسلم: "فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين"، وفي رواية: "فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها".
(قال) عمرو بن دينار: (نعم) سمعته يقول ذلك. والله أعلم، ومنه التوفيق وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٢٦/ ٧١٨)، و"الكبرى" (٢٦/ ٧٩٧) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
[ ٩ / ٦٠ ]
أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن قتيبة، وفي "الفتن" عن علي بن عبد الله، ومسلم في "الأدب" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، وابن ماجه في "الأدب" عن هشام بن عمار، خمستهم عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز حمل السلاح في المسجد مع الإمساك بنصله، لئلا يؤدي مسلمًا، وأما ما رواه الطبراني في الأوسط -كما في الفتح جـ ٢ ص ١١٨ - من حديث أبي سعيد ﵁، قال: "نهى رسول الله -ﷺ- عن تقليب السلاح في المسجد"، فمحمول على ما إذا خيف منه الضرر.
ومنها: تعظيم قليل الدم وكثيره، وتأكيد حرمة المسلمين.
ومنها: أن فيه بيان كريم أخلاقه -ﷺ-، وشدة رأفته بالمؤمنين، كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: لم يقع في رواية البخاري عن قتيبة في الصلاة جواب عمرو بقوله: نعم، فقال: ابن بطال ﵀: حديث جابر لا يظهر فيه الإسناد، لأن سفيان لم يقل: إن عمرًا قال له: نعم،
[ ٩ / ٦١ ]
قال: ولكن ذكره البخاري في غير كتاب الصلاة، وزاد في آخره، "فقال: نعم"، فبان بقوله: نعم إسناد الحديث.
قال الحافظ ﵀: قلت: هذا مبني على المذهب المرجوح في اشتراط قول الشيخ: "نعم" إذا قال له القارىء مثلًا: أحدثك فلان؟ والمذهب الراجح الذي عليه أكثر المحققين -ومنهم البخاري- أن ذلك لا يشترط، بل يكتفى بسكوت الشيخ إذا كان متيقظًا، وعلى هذا فالإسناد في حديث جابر ظاهر، والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١١٨.
قال الجامع عفا الله عنه: المسألة المذكورة قد حقق الاختلاف فيها النووي ﵀ في تقريبه، فقال: إذا قرأ على الشيخ قائلًا: أخبرك فلان، أو نحوه، والشيخ مُصْغٍ إليه، فَاهِمٌ له، غير منكر، ولا مقر لفظًا، صح السماع، وجازت الرواية به، اكتفاء بالقرائن الظاهرة، ولا يشترط نطق الشيخ بالإقرار، كقوله: نعم، على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الحديث والفقه والأصول، وشرط بعض الشافعيين، كالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وسليم الرازي، وبعض الظاهريين نطقه به، وقال ابن الصباغ الشافعي: ليس له أن يقول: حدثني، ولا أخبرني، وله أن يعمل به، وأن يرويه قائلًا: قرأت عليه، أو قرىء عليه، وهو يسمع، وصححه الغزالي، والآمدي، وحكاه عن المتكلمين، وحكى تجويز ذلك عن الفقهاء والمحدثين، وحكاه الحاكم عن الأئمة الأربعة، وصححه ابن الحاجب. وقال
[ ٩ / ٦٢ ]
الزركشي: يشترط أن يكون سكوته لا عن غفلة أو إكراه، وفيه نظر، ولو أشار الشيخ برأسه، أو أصبعه للإقرار، ولم يتلفظ فجزم في المحصول بأنه لا يقول: حدثني، ولا أخبرني، قال العراقي: وفيه نظر. اهـ. "تقريب مع شرحه التدريب" جـ ٢ ص ٢٠.
وإلى هذا أشار الحافظ السيوطي في "ألفية الأثر" بقوله:
إِذَا قُرِي وَلَمْ يُقِرَّ المُسْمَعُ … لَفْظًا كَفَى وَقِيلَ: لَيَسَ يَنْفَعُ
ثَالِثُهَا يَعْمَلُ أوْ يَرُوِيهِ … بِقَدْ قَرَأتُ أوْقُرِي عَلَيْهِ
والحاصل أن المذهب الراجح هو مذهب الجمهور، وهو صحة السماع بذلك، فيكون سكوته مع خلو الموانع مُنَزَّلا منزلة إقراره. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٦٣ ]