أي هذا باب ذكر الحديث الدّالِّ على عدد قول الإمام عند تسوية الصفوف: "استووا". ومحل الاستدلال قولُهُ: "استووا" ثلاث مرات "والله تعالى أعلم.
٨١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: "اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (أبو بكر بن نافع) محمد بن أحمد بن نافع العبدي القيسي البصري، مشهور لكنيته، صدوق، مات بعد ٢٤٠، من [١٠].
أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي. ووى عنه مسلم، والترمذي، والمصنف، وغيرهم. روى عنه مسلم (٥٤) حديثًا.
قال الحافظ الذهبي ﵀ في "الكاشف": محمد بن أحمد بن نافع، أبو بكر بن أبي نافع البصري، عن غندر، والقطان، وعنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وزكريا الساجي، ثقة. انتهى (^١).
_________________
(١) انظر "الكاشف" جـ ٣ ص ١٧.
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
ولم يذكر في "تت" ولا في "تك" ولافي "صه" فيه جرحًا، ولا تعديلًا، إلا ما قدمته عن "ت" من قوله. صدوق. والله تعالى أعلم.
٢ - (بهز بن أسد) العصي، أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، مات بعد ٢٠٠، وقيل: قبلها، من [٩] أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٨.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، مات سنة ١٦٧، من كبار [٨] أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد الحصري، ثقة عابد، مات سنة بضع و١٢٠، من [٤] أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك، الصحابي الشهير ﵁، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد هو به، ومسلم، والترمذي، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه أنس، أحد المكثرين السبعة، روى ٥٢٢٨٦ والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁ (أن النبي -ﷺ- كان يقول:
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
استووا، استووا، استووا) الخطاب للجماعة الحاضرين لأداء الصلاة معه -ﷺ-، وإنما كرر الأمر ثلاث مرات تأكيدًا لشأن تسوية الصفوف (فوالذي نفسي بيده، إِني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي) الفاء تعليلية، وجملة "إن" جواب القسم، وجملة القسم تعليل للأمر، أي إنما أمرتكم بذلك لما علمت من حالكم من التقصير في ذلك، بسبب أني أراكم من خلفي … إلخ.
ويحتمل أنه قال ذلك تحريضًا للضعفاء على التسوية، بناء على إخلالهم بها بسبب الغَيبة عن نظره، إذ كثير من الضعفاء يهتمون في الحضور ما لا يهتمون في الغيبة. ويحتمل أن بعض المنافقين كانوا لا يهتمون بأمر الصفوف، فقيل لهم ليهتموا، ولا يُخلّوا بأمر الصفوف. والله أعلم. أفاده السندي رحمه الله تعالى (^١).
وقد اختلصْ في معنى رؤيته -ﷺ- من خلفه، فقيل: المراد بها العلم، إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما أن يلهم. وفيه نظر، لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيده بقوله: "من وراء ظهري". وقيل: المراد أنه يرى مَنْ عن يمينه، ومن عن يساره، ممن تدركه عينه مع التفات يسير في النادر، ويوصف من هو هناك بأنه من وراء ظهره، وهذا ظاهر التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب.
قال في "الفتح" بعد ذكر هذه الأقوال: ما نصه: والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به -ﷺ-،
_________________
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٩١ - ٩٢.
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
انخرقت له فيه العادة. وعلى هذا، عمل البخاري في "صحيحه"، حيث أخرج هذا الحديث في علامات النبوة. وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀. لا حاجة إلى تأويله؛ لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة. وقال القرطبي ﵀: حملُه على ظاهره أولى، لأن فيه زيادة كرامة للنبي -ﷺ-.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صوبه في "الفتح"، واختاره، وعزاه إلى المحققين، كالإمام أحمد، وغيره، ومال إليه البخاري، وارتضاه ابن المنير، والقرطبي، من حمل الرؤية على حقيقتها بلا تأويل، هو المذهب الحق، الحقيق بالقبول، وما عداه رأي مبتذل، غير مقبول. والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" أيضًا: ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه، انخرقت له العادة فيه أيضًا، فكان يرى بها من غير مقابلة، لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلًا عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب، وإنما تلك الأمور عادية، ويجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، خلافًا لأهل البدع، لوقوفهم مع العادة.
وقيل: كانت له عين خلف ظهره، يرى بها من ورائه دائمًا. وقيل: كانت بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، يبصر بهما، ولا يحجبهما ثوب، ولا غيره. وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
تنطبع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال -غير الأول- لا أثارة عليها من علم، بل هي تخمينات، وظنون، وقول بلا علم، ومن واجب المسلم العاقل أن لا يقول لغير علم، ولا يحكم بغير بينة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فالواجب في مثل هذا، الوقوف على ما أثبته النص، من كونه -ﷺ- يرى من خلفه، كما يرى من أمامه، والكف عنه الخوض في كيفية الرؤية؛ لأنه قول بلا علم، وتفويض حقيقة الأمر إلى الذي خصه بهذه المعجزة العظيمة، والمنة الجسيمة. والله المستعان وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس ﵁ هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٢٧/ ٨١٣، وفي "الكبرى" ٢٧/ ٨٨٥ بالسند المذكور، وأخرجه أحمد في مسنده جـ ٣ ص ٢٦٨، ٢٨٦. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٧٦.
[ ١٠ / ٢٥٠ ]