أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الاستلقاء في المسجد.
والاستلقاء: مصدر "استلقى"، يقال: استلقى على قفاه: إذا نام. ومحل استدلال المصنف رحمه الله تعالى من الحديث واضح.
٧٢١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، "أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد، ثقة، ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة الفقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم الإِمام الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عباد بن تميم) بن غَزِيَّةَ الأنصاري المازني المدني، ثقة، من [٣]، وقد قيل: له رؤية. أخرج له الجماعة، تقدم في ٥٩/ ٧٤.
[ ٩ / ٨١ ]
٥ - (عمه) عبد الله بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، أبو محمد، الصحابي الشهير، استشهد بالحرة، سنة ٦٣، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٠/ ٩٧. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفق الجماعة عليهم.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، ابن شهاب، عن عباد.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمه، عباد، عن عبد الله بن زيد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عباد بن تميم) المازني المدني (عن عمه) عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وهو أخو أبيه تميم لأمه، كما في تهذيب التهذيب، والتقريب، وفي تهذيب الكمال: أخوه لأمه، وقيل: لأبيه (أنه رأى) بمعنى أبصر، فلذا اكتفت بمفعول واحد، وهو قوله: (رسول الله -ﷺ-) وقوله: (مستلقيًا) منصوب على الحال من "رسول الله"، وكذا قوله: "واضعًا"، وهما حالان مترادفتان، ويجوز أن يكون "واضحًا" حالًا من الضمير المستتر في "مستلقيًا"، فعلى هذا يكون
[ ٩ / ٨٢ ]
الحالان متداخلتين. قاله العيني. (في المسجد) متعلق بما قبله.
(واضعًا إِحدى رجليه على الأخرى) قال الخطابي ﵀: فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ، أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو العورة، والجواز حيث يؤمن ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: النهي الوارد في ذلك هو ما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب اللباس، عن جابر ﵁ "أن رسول الله -ﷺ- نهى عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره".
وفي رواية: "لا تمش في نعل واحد، ولا تَحْتَبِ في إزار واحد، ولا تأكل بشمالك، ولا تشتمل بالصماء، ولا تضع إحدى رجليك على الأخرى إذا استلقيت"، وفي رواية: "لا يستلقين أحدكم، ثم يضعُ إحدى رجليه على الأخرى". انظر "صحيح مسلم" جـ ٦ ص ١٥٤.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: الثاني -يعني الوجه الثاني مما قاله الخطابي- أولى من ادعاء النسخ؛ لأنه لا يثبت بالاحتمال، وممن جزم به البيهقي، والبغوي، وغيرهما من المحدثين، وجزم ابن بطال، ومن تبعه بأنه منسوخ، وقال المازري: إنما بوب على ذلك؛ لأنه وقع في كتاب أبي داود، وغيره، لا في الكتب الصحاح: النهي عن أن يضع إحدى رجليه على الأخرى، لكنه عام؛ لأنه قول يتناول الجميع، واستلقاؤه في المسجد فعل يُدَّعَى قصرُهُ عليه، فلا يؤخذ منه الجواز،
[ ٩ / ٨٣ ]
لكن لما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك دل على أنه ليس خاصًا به -ﷺ-، بل هو جائز مطلقًا، فإذا تقرر هذا صار بين الحديثين تعارض، فيجمع بينهما، فذكر نحو ما ذكره الخطابي.
قال الحافظ: وفي قوله عن حديث النهي: ليس في الكتب الصحاح إغفال، فإن الحديث عند مسلم في اللباس من حديث جابر، وفي قوله: "فلا يؤخذ منه الجواز" نظر؛ لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والظاهر أن فعله -ﷺ-، كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة، لا عند مُجْتَمَع الناس، لما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام.
قال الخطابي ﵀: وفيه جواز الاتكاء في المسجد، والاضطجاع، وأنواع الاستراحة. وقال الداودي ﵀: فيه أن الأجر الوارد للاَّبِث في المسجد لا يختص بالجالمس، بل يحصل للمستلقي أيضًا. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٤٠.
قال البخاري ﵀: وعن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك -يعني الاستلقاء في المسجد، ووضع الرجل على الأخرى-. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا متفق عليه.
[ ٩ / ٨٤ ]
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٨/ ٧٢١)، و"الكبرى" (٢٨/ ٨٠٠) عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن تميم، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن القعنبي، عن مالك -وفي اللباس عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد- وفي الاستئذان عن علي بن عبد الله، عن سفيان - ثلاثتهم، عن الزهري، عنه، به.
ومسلم في "اللباس" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وعن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وزهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، خمستهم، عن سفيان، به. وعن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس - وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حُميد، كلاهما، عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن الزهريّ به.
وأبو داود في "الأدب" عن القعنبي، والنفيلي، كلاهما عن مالك، به.
والترمذي في "الاستئذان" عن سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان، به. وقال: حسن صحيح.
وأخرجه مالك في "الموطأ" (١٢٤)، وأحمد في "مسنده" (٤/ ٣٨)،
[ ٩ / ٨٥ ]
(٤/ ٤٠)، والحميدي رقم ٤١٤، والدارمي (٢٦٥٩). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: اختلف العلماء في جواز الاستلقاء، فذهب محمد بن سيرين، ومجاهد، وطاوس، وإبراهيم النخعي إلى أنه يكره وضع إحدى الرجلين على الأخرى، وروي ذلك عن ابن عباس، وكعب بن عجرة.
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بذلك، وهم الحسن البصري، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وأبو مجلز، ومحمد بن الحنفية، ويروى ذلك عن أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبيه عمر بن الخطاب، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا وكيع، عن عبد العزيز الماجشون، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر، وعثمان كانا يفعلانه.
حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن عجلان، عن يحيى بن عبد الله بن مالك، عن أبيه، قال: دُخل على عمر، روئي مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
حدثنا مروان بن معاوية، عن سفيان بن الحسن، عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن الحارث: أنه رأى ابن عمر يضطجع، فيضع إحدى رجليه على الأخرى.
[ ٩ / ٨٦ ]
حدثنا وكيع، عن أسامة، عن نافع، قال: كان ابن عمر يستلقي على قفاه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، ولا يرى بذلك بأسًا، ويفعل ذلك، وهو جالس، لا يرى بذلك بأسًا.
حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر بن عبد الرحمن بن الأسود، عن عمه، قال: رأيت ابن مسعود ﵁ مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه فوق الأخرى، وهو يقول: ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين.
حدثنا ابن مهدي عن سفيان، عن عمران -يعني ابن مسلم- قال: رأيت أنسًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى. ذكره العيني في عمدته جـ ٤ ص ٢٥٥. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٨٧ ]