أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز النوم في المسجد.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى عليه بالحديث واضح، وسيأتي تحقيق أقوال العلماء في ذلك في المسائل، إن شاء الله تعالى.
٧٢٢ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ، وَهُوَ شَابٌّ عَزْبٌ، لَا أَهْلَ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَسْجِدِ النَّبِىِّ -ﷺ-.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) اليشكري، أبو قدامة السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سنين، توفي سنة ٢٤١ هـ، من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإِمام الحجة المثبت، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤، أخرج له الجماعة.
٣ - (عبيد الله) بن عمر العمري المدني، ثقة ثبت، من [٥]، تقدم في ١٥/ ١٥، أخرج له الجماعة.
٤ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني، ثقة، ثبت، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢.
[ ٩ / ٨٨ ]
٥ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢.
ولطائف هذا الإسناد تقدمت غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ (أنه كان ينام، وهو شاب) جملة اسمية في محل نصب حال من الفاعل (عزب) وللبخاري: "أعزب" بالهمزة، والمشهور الأول، والثاني لغة قليلة، وقد أنكرها القزاز.
والعَزَبُ -بفتحتين-: من لا أهل له. قال الفيومي ﵀: وعَزَب الرجل، يَعْزُبُ، من باب قتل، عُزْبَةً، وزان غرفة، وعُزُوبة: إذا لم يكن له أهل، فهو عَزَبٌ -بفتحتين- وامرأة عَزَب، أيضًا كذلك، قال الشاعر [من الرجز]:
يَا مَنْ يَدُلُّ عَزَبًا عَلَى عَزَبْ … عَلَى ابْنَةِ الحُمَارِسِ الشَّيْخ الأزَبْ
والحمارس -بالضم: الشديد، والأزب: الكريه الذي لا يُدْنِي من حُرْمَتِه.
وجمع الرجل: عُزَّاب، باعتبار بنائه الأصلي، وهو عازب، مثل كافر، وكفار. قال أبو حاتم: ولا يقال: رجل أعزب. قال الأزهري: وأجازه غيره. وقياس قول الأزهري: أن يقال: امرأة عَزْباء، مثل أحمر وحمراء. اهـ."المصباح" جـ ٢ ص ٤٠٧.
[ ٩ / ٨٩ ]
وفي "المحكم": رجل عَزَب، ومِعْزَابة: لا أهل له، وامرأة عَزَبَة، وعَزَبٌ، والجمع أعْزَاب، وجمع العازب: عُزَّاب. والعزَبُ: اسم للجمع، وكذلك العَزِيب اسم للجمع. وقال صاحب "المنتهى":
العزَب -بفتحتين-: نعت للذكر، والأنثى. وقال الكسائي: العَزَبَة التي لا زوج لها، والأول أشهر. نقله في "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٩٨.
(لا أهل له) أي لابن عمر ﵁، قيل: العزب، هو الذي لا زوج له، فما فائدة قوله: "لا أهل له"، وأجيب بأنه للتأكيد، أو للتعميم؛ لأن الأهل أعم من الزوجة.
(على عهد رسول الله -ﷺ-، في مسجد النبي -ﷺ-) الجاران متعلقان بينام. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٢٩/ ٧٢٢)، و"الكبرى" (٢٩/ ٨٥١) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه.
[ ٩ / ٩٠ ]
فأخرجه البخاري في "الصلاة" بنحوه، وفي "فضل قيام الليل" مطولًا، وفي "باب فضل من تعار من الليل"، وفي مناقب ابن عمر، وأخرجه مسلم في فضائل عبد الله بن عمر مطولًا، أيضًا.
وأخرجه ابن ماجه في "كتاب المساجد"، بلفظ: "كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله -ﷺ-".
وأخرجه الترمذي من رواية سالم عن ابن عمر ﵄، بلفظ: "كنا ننام على عهد رسول الله -ﷺ- في المسجد، ونحن شباب". والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم فى جواز النوم فى المسجد:
قال الإِمام الترمذي ﵀: وقد رخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد، وقال ابن عباس: لا يتخذه مبيتًا، ولا مقيلًا. وذهب قوم من أهل العلم إلى قول ابن عباس ﵄.
وقال الحافظ ﵀: ذهب الجمهور إلى جوازه. وروي عن ابن عباس ﵄ كراهيته، إلا لمن يريد الصلاة. وعن ابن مسعود كراهته مطلقًا. وعن مالك التفصيل بين من له مسكن، فيكره، وبين من لا مسكن له فيباح. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٠٣.
وقال العلامة العيني ﵀: وقد اختلف العلماء في ذلك، فممن رخص في النوم فيه ابن عمر، وقال: "كنا نبيت فيه، ونقيل
[ ٩ / ٩١ ]
على عهد رسول الله -ﷺ-"، وعن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، ومحمد بن سيرين مثله، وهو أحد قولي الشافعي، واختلف عن ابن عباس، فروي عنه أنه قال: "لا تتخذوا المسجد مرقدًا"، وروي عنه أنه قال: "إن كنت تنام فيه لصلاة، فلا بأس". وقال مالك: لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد، ويقيل فيه. وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال مالك: وقد كان أصحاب رسول الله -ﷺ- يبيتون في المسجد.
وكره النوم فيه ابن مسعود، وطاوس، ومجاهد، وهو قول الأوزاعي، وقد سئل سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار عن النوم فيه، فقالا: كيف تسألون عنها، وقد كان أصحاب الصفة ينامون فيه، وهم قوم كان مسكنهم المسجد.
وذكر الطبري عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان نائمًا فيه، ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين. قال: وقد نام في المسجد جماعة من السلف بغير محذور للانتفاع به فيما يحل، كالأكل، والشرب، والجلوس، وشبه النوم من الأعمال، والله أعلم. اهـ. "عمدة القاري". جـ ٤ ص ١٩٨ - ١٩٩.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح من هذه الأقوال قول الجمهور، وهو جواز النوم في المسجد مطلقًا، لحديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب، وحديث عبد الرحمن بن أبي بكر
[ ٩ / ٩٢ ]
﵄: "كان أصحاب الصفة الفقراء" الحديث. أخرجه البخاري.
والصفة كانت موضعًا مظللًا في مسجد النبي -ﷺ- كان الفقراء المهاجرون الذين ليس لهم منزل يسكنونها.
ولحديث سهل بن سعد ﵁، قال: جاء رسول الله -ﷺ- بيت فاطمة ﵂، فلم يجد عليًا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج، فلم يقل عندي، فقال رسول الله -ﷺ- لإنسان: "انظر أين هو؟ " فجاء، فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله -ﷺ-، وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله -ﷺ- يمسحه، ويقول: "قم أبا تراب، قم أبا تراب". متفق عليه.
فهذه الأحاديث تدل على أن النوم في المسجد جائز مطلقًا، للفقير، والغني والغريب، والحاضر. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٩٣ ]