أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّ على حث فضل من صلى في الصف الأول على من صلى في الصف الثاني.
ومحل الاستدلال من الحديث قوله: "كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا"، حيث فضله -ﷺ- على الثاني بالصلاة عليه ثلاثًا. والله تعالى أعلم.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم": واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله، هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه مقدمًا أو مؤخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أم لا؟ هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون.
وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا تقطعه مقصووة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء، فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر. وقيل: الصف عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولًا، وإن صلى في صف متأخر. وهذان القولان غلط صريح، وإنما أذكره، ومثله لأنبه على بطلانه، لئلا يُغْتَرَّ به. والله أعلم. انتهى كلام النووى رحمه الله تعالى (^١).
_________________
(١) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٦٠.
[ ١٠ / ٢٧٢ ]
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وقد اختلف في الصف الأول في السجد الذي فيه منبر، هل هو الخارج بين يدي المنبر، أو الذي هو أقرب إلى القبلة؟ فقال الغزالي في "الإحياء": إن الصف الأول هو المتصل الذي في فناء المنبر، وما عن طرفيه مقطوع. قال: وكان سفيان يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر، قال: ولا يبعد أن يقال: الأقرب إلى القبلة هو الأول.
قيل لبشر بن الحارث: نراك تبكر، وتصلي في آخر الصفوف؟ فقال: إنما يراد قرب القلوب لا قرب الأجساد، والأحاديث ترد هذا. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى بتصرف (^١). والله تعالى أعلم.
٨١٧ - أَخْبَرَنِا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: كَانَ يُصَلِّي عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ ثَلَاثًا، وَعَلَى الثَّانِى وَاحِدَةً.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (يحيى بن عثمان الحمصي) هو يحيى بن عثمان بن سعيد
_________________
(١) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٩٨ - ٩٩.
[ ١٠ / ٢٧٣ ]
ابن كثير بن دينار القرشي، أبو سليمان، ويقال: أبو زكرياء الحمصي، صدوق عابد من [١٠].
قال أحمد بن أبي الحواري عن أحمد لن حنبل: نعم الشيخ هو. ويُروَى عن محمد بن عوف: قال: رأيت أحمد بن حنبل يُجِلّ يحيى ابن عثمان، قال ابن عوف: كان عمرو بن عثمان، ويحيى بن عثمان ثقتان، ولكن يحيى كان عابدًا، وعمرو أبصر بالحديث منه. وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا صدوقًا. وقال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر، لا بأس به. وقال الدُّولابي: ثنا يحيى بن عثمان الشيخ العابد. وقال الحسين بن محمد بن إبراهيم: ثنا يحيى بن عثمان المختار العدل الرضي. وقال إبراهيم بن محمد بن متويه: ثنا يحيى بن عثمان، وكان يقال: إنه من الأبدال، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وكان عابدًا ورعًا.
وقال ابن عدي: قال لنا أبو عروبة الحسين بن أبي معشر الحرّاني: يحيى بن عثمان هذا لا يَسْوَى نواة في الحديث، كان يتلقن كل شيء، وكان يعرف بالصدق، سمعت المسيب بن واضح يقول: رأيت في النوم قائلًا يقول: إن كان بقي من الأبدال أحد فيحيى بن عثمان الحمصي، قال ابن عدي: وليحيى بن عثمان أحاديت صالحة عن شيوخ الشام، ولم أر أحدًا يطعن فيه غير أبي عروبة، وهو معروف بالصدق، وأخوه عمرو بن عثمان كذلك، وأبوهما، وهم من أهل
[ ١٠ / ٢٧٤ ]
بيت الحديث بحمص، وليس بهم بأس وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مأمون، روى عنه بقي بن مخلد. وقال ابن حبان: مات سنة بضع وخمسين ومائتين. وقال ابن قانع، وأبو القاسم ابن منده: توفي سنة ٢٥٥، روى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (^١).
٢ - (بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلَاعي، أبو يُحْمِد، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، مات سنة ١٩٧، وله ٨٧ سنة، من [٨]، أخوج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٤٥/ ٥٩٢.
٣ - (بحير بن سَعْد (^٢» السّحولي، أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، من [٦]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة. تقدم في ١/ ٦٨٨.
٤ - (خالد بن مَعْدَان) الكلاعي، أبو عبد الله الحمصي، ثقة عابد، يرسل كثيرًا، مات سنة ١٠٣، وقيل بعد ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ٦٨٨.
_________________
(١) "ت" ص ٣٧٧ - ٣٧٨. "تت" جـ ١١ ص ٢٥٥ - ٢٥٦. "تك" جـ ١ ص ٤٥٩ - ٤٦٢.
(٢) وقع في نسخة "ت" و"تت": (ابن سعيد) قال بعض من علق على التقريب: والصواب (ابن سَعْد) كما في التهذيب للمزي، والأنساب للسمعاني جـ ٧ ص ٩١، واللباب جـ ٢ ص ١٠٦. والجرح والتعديل جـ ١ ص ٤١٢، والتاريخ الكبير جـ ١ ص ١٣٧، وأما ما قاله الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقه على التقريب: والصواب ابن سعيد، فليس بصواب، والصواب ما في عامة الكتب، وصوبه الشيخ المعلمي في تعليقاته على التاريخ الكبير، والأنساب. انتهى.
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
٥ - (جُبير بن نُفَير) بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، ثقة جليل مخضرم، مات سنة ٨٠، وقيل بعدها، من [٢]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٥٠/ ٦٢.
٦ - (العِرْبَاض (^١) بن سارية) السلمي، كنيته أبو نجيح، كان من أهل الصفة، ونزل حمص. روى عن النبي -ﷺ-، وعن أبي عبيدة بن الجرّاح، وعنه ابنته أم حبيبة، وعبد الرحمن بن عمرو السلمي، وسعيد ابن هانىء الخولاني، وغيرهم. قال محمد بن عوف: كل واحد من العرباض بن سارية، وعمرو بن عَبَسَة، يقول: أنا ربع الإسلام، لا ندري أيهما أسلم قبك صاحبه. قال ضمضم بن زُرْعَة، عن شريح بن عبيد: كان عتبة بن عبد يقول: عرباض خير مني، وكان عرباض يقول: عتبة خير مني، سبقني إلى النبي -ﷺ- بسنة. قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وقال أبو مسهر، وغير واحد: مات سنة ٧٥، وقال أبو عمر الزاهد غلام ثعلب: العرباض: الطويل من الناس وغيرهم الجلد المخاصم من الناس، وهو مدح. أخرج له الأربعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله موثقون، غير أن بقية مشهور بالتدليس، حتى
_________________
(١) بكسر أوله، وإسكان الراء قبل الموحدة، وآخره المعجمة.
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
قيل: بقية، أحاديثه غير نقية، فكن منها على تَقِيَّة. لكنه صرح بالتحديث في رواية أحمد جـ ٤ ص ١٢٨، وله متابع كما سيأتي قريبًا
ومنها: أنه مسلسل بالحمصيين.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن العرباض بن سارية) ﵁ (عن رسول الله -ﷺ-) الجار والمجرور متعلق بحال محذوف، أي كونه مخبرًا عن حاله -ﷺ- (كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا) أي يستغفر لأهل الصف الأول، ففي رواية أحمد، وابن ماجه، وابن خزيمة: "كان يستعْفر للصف المقدم ثلاثًا" … ويحتمل أن يكون المعنى يدعو لهم بلفظ الصلاة، فقد ثبت أنه -ﷺ- كان يدعو بلفظ الصلاة للناس، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان النبي -ﷺ- إذا أُتِيَ بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". وأخرج أحمد، وأبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄: أن امرأة قالت: يا رسول الله صَلِّ عليّ وعلى زوجي-صلى الله عليك وسلم- فقال: "صلى الله عليك، وعلى زوجك".
وقال السندي ﵀: أي يدعو لهم بالرحمة، ويستغفر لهم
[ ١٠ / ٢٧٧ ]
ثلاث مرات، كما فعل بالمحلقين والمقصرين. والظاهر أنه دعا لهم أعم من أن يكون بلفظ الصلاة، أو غيره، ويحتمل خصوص لفظ الصلاة أيضًا، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
(وعلى الثاني واحدة)، أي يصلي على أهل الصف الثاني صلاة واحدة، فـ "واحدة" نعت لمصدر محذوف، كما قدرته. وفيه بيان فضل الصف الأول على الثاني، كما ترجم محليه المصنف رحمه الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث العرباض بن سارية ﵁ هذا صحيح. وبقية، وإن كان معروفًا بالتدليس عن الضعفاء، فقد تابعه إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل بلده صحيحة، كما نص عليه الأئمة، أحمد، وابن معين، وغيرهما. وتابعه أيضًا شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد. أخرجه أحمد جـ ٤ ص ١٢٨، والدارمي رقم ١٢٦٩، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٢٩/ ٨١٧، وفي "الكبرى" ٢٩/ ٨٩١، عن يحيى بن
_________________
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٩٣.
[ ١٠ / ٢٧٨ ]
عثمان، عن بقية، عن بحير بن سَعْد، عن خالد بن معدان، عن جُبير ابن نُفير، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد ابن هارون، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن خالد بن معدان، عن عرباض بن سارية ﵁، وليس فيه جبير بن نفير، ولفظه: "أن رسول الله -ﷺ- كان يستغفر للصف المقدم ثلاثًا، وللثاني مرة".
وأحمد جـ ٤/ ١٢٨ عن حيوة بن شريح، عن بقية، بسند المصنف، وعن حسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، به وعن الحكم نافع، عن إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، به. وجـ ٤/ ١٢٦، عن يحيى بن سعيد، ووكيع. و١٢٧، عن إسماعيل ثلاثتهم عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد ابن معدان، عن عرباض، وليس فيه جبير.
والدارمي رقم (١٢٦٩) عن الحسن بن علي، عن الحسن بن موسى الأشيب، عن شيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد، عن جبير به، و١٢٦٨ عن وهب بن جرير، عن هشام الدستوائي، به، وليس فيه ذكر جبير.
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
وابن خزيمة رقم (١٥٥٨) عن الحسن بن محمد، عن يزيد بر هارون، وعبد الله بن بكر، وعن سَلْم بن جُنادة، عن وكيع، ثلاثتهم عن هشام الدستوائي به، وليس فيه ذكر جبير بن نفير.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذكر أنه وقع اختلاف على يحيى بن أبي كثير، فروى عنه شيبان بن عبد الرحمن، فأدخل جبير ابن نفير بين خالد بن معدان، والعرباض بن سارية، وروى عنه هشام الدستوائي، فأسقطه، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يضر في صحة الحديث، لإمكان حمله على أن خالدًا سمع الحديث من جبير، ثم لقي العرباض، فسمعه منه، فكان يحدث عنهما، ومثل هذا في أحاديث الحفاظ كثير، ويدل على ذلك وقوع التصريح بالتحديث عند أحمد جـ ٤ ص ١٢٧. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ١٠ / ٢٨٠ ]