أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على بيان من هو أحق الناس بأن يؤمهم.
٧٨٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ فِي الْهِجْرَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا تَؤُمَّ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا تَقْعُدْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَكَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (فُضيل بن عياض) بن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقة عابد إمام، مات
[ ٩ / ٦٤٦ ]
سنة ١٨٧، وقيل: قبلها، من [٨]، أخرج له البخاري، وأبو داود في مراسيله، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٢١/ ٣٨٨.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ ورع يدلس، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (إِسماعيل بن رجاء) بن رَبيعة الزُّبَيدي (^١)، أبو إسحاق الكوفي، ثقة، تكلم فيه الأزدي بلا حجة، من [٥].
روى عن أبيه، وأوس بن ضمعج، وعبد الله بن أبي الهذيل، وغيرهم. وعنه الأعمش -وهو من أقرانه- وشعبة، والمسعودي، وفِطْر ابن خليفة، وإدريس بن يزيد الأودي، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن فضيل، عن الأعمش: كان يجمع صبيان المكتب، ويحدثهم لكيلا ينسى حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال اللالكائي: رأى المغيرة بن شعبة. وقال الذهبي: قال الأزدي وحده: منكر الحديث. أخرج له مسلم، والأربعة (^٢).
٥ - (أوس بن ضَمْعَج) (^٣) الكوفي الحضرمي، ويقال: النخعي،
_________________
(١) بضم الزاي مصغرًا. كما أفاده في "ت".
(٢) "تت" جـ ١ ص ٢٩٦.
(٣) بفتح المعجمة، وسكون الميم، بعدها مهملة مفتوحة، ثم جيم، بوزن جعفر. قاله في "ت" ص ٣٩.
[ ٩ / ٦٤٧ ]
ثقة مخضرم، مات سنة ٧٤ (^١)، من [٢].
روى عن أبي مسعود الأنصاري، وسلمان الفارسي، وعائشة، وغيرهم. وعنه ابن عمران، وأبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن رجاء، وقال: كان من القُرّاء الأُوَل، وذكر منه فضلًا.
وقال شبابة: حدثنا شعبة، وذُكِرَ عنده أوس بن ضمعج، فقال: والله ما أراه إلا كان شيطانًا -يعني لجودة حديثه (^٢). وروى الحسين بن الحسن الرازي، عن ابن معين: لا أعرفه. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد: أدرك الجاهلية، وكان ثقة معروفًا قليل الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال خليفة بن خياط: مات في ولاية بشر ابن مروان سنة ٧٤ (^٣). أخرج له مسلم، والأربعة، حديث الباب فقط (^٤).
٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، الصحابي الجليل ﵁ مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "ت" ص ٣٩.
(٢) هذا التفسير يحتاج إلى تأمل.
(٣) "تت" جـ ١ ص ٣٨٣.
(٤) "تك" جـ ٣ ص ٣٨٣، ٣٩٠ - ٣٩٢.
[ ٩ / ٦٤٨ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية تابعي عن تابعي، إسماعيل، عن أوس، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء، والعنعنة. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي مسعود) البدري، ﵁، أنه (قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) خبر بمعنى الأمر أي ليؤم القوم أقرؤهم، بدليل حديث عمرو بن سَلمَةَ الآتي (١١/ ٧٨٩) "ليؤمكم أكثركم قرآنًا".
يعني أنه يقدم الأقرأ لكتاب الله تعالى في الصلاة بالناس على غيره.
وقد اختُلف في المراد من الأقرأ، فقيل: المراد أحسنهم قراءة، وأعلمهم بأحكامها، وإن كان أقلهم حفظًا. وقيل: أكثرهم حفظًا للقرآن، ويدلّ عليه حديث عمرو بن سَلِمة المذكور. وقيل: المراد به الأفقه؛ لأنك إذا اعتَبَرت أحوالَ الصحابة وجدت أن أفقههم أقرؤهم، فيكون المراد من قوله -ﷺ-: "أقرؤهم لكتاب الله"، أي أعلمهم به (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب تفسيره بالأكثر حفظًا للقرآن،
_________________
(١) أفاده في المنهل جـ ٤ ص ٢٩٦ - ٢٩٧.
[ ٩ / ٦٤٩ ]
لحديث عمرو بن سلمة ﵁ المذكور، وخير ما فسر به الحديث ما جاء في حديث آخر. والله تعالى أعلم.
وقال الإمام الخطابي ﵀:
وهذا هو الصحيح المستقيم في الترتيب، وذلك أنه -ﷺ- جعل مِلاك الإمامة القراءة، وجعلها مقدمة على سائر الخصال المذكورة معها، والمعنى في ذلك أنهم كانوا قومًا أميين، لا يقرؤون، فمن تعلم منهم شيئًا من القرآن كان أحق بالإمامة ممن لم يتعلم؛ لأنه لا صلاة إلا بقراءة، وإذا كانت القراءة من ضرورة الصلاة، وكانت ركنًا من أركانها صارت مقدمة في الترتيب على الأشياء الخارجة عنها.
ثم تلا القراءة بالسنة، وهي الفقه، ومعرفة أحكام الصلاة، وما سَنَّه رسولُ الله -ﷺ- فيها، وبيّنه من أمرها، فإن الإمام إذا كان جاهلًا بأحكام الصلاة، وبما يعرض فيها من سهو، ويقع من زيادة ونقصان أفسدها، وأخدجها، فكان العالم بها، والفقيه فيها مقدمًا على من لم يجمع علمها، ولم يعرف أحكامها.
ومعرفةُ السنة، وإن كانت مؤخرة في الذكر، وكانت القراءة مبدوءًا بذكرها، فإن الفقيه العالم بالسنة إذا كان يقرأ من القرآن ما تجوز به الصلاة أحق بالإمامة من الماهر بالقراءة إذا كان متخلفًا عن درجته في علم الفقه، ومعرفة السنة. وإنما قُدم القارىء في الذكر؛ لأن عامة الصحابة إذا اعتبرت أحوالهم وجدت أقرأهم أفقههم.
[ ٩ / ٦٥٠ ]
وقال ابن مسعود ﵁: كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج عنها إلى غيرها حتى يُحكِم علمها، أو يعرف حلالها وحرامها. أو كما قال. فأما غيرهم ممن تأخر بهم الزمان، فإن أكثرهم يقرؤون القرآن، ولا يفقهون، فقراؤهم كثير، والفقهاء منهم قليل.
انتهى كلام الخطابي رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: في الحديث حجة لمن قال: يقدم الأقرأ على الأفقه، وهو المذهب الراجح إذا كان يعرف أحكام الصلاة. وقال بعضهم: الأفقه مقدم على الأقرأ. وسيأتي تفاصيل المذاهب، وترجيح الراجح منها في المسائل، إن شاء الله تعالى.
(فإِن كانوا في القراءة سواء) "سواءً" خبر "كان" بمعنى مستوين، أي إن استووا في القدر المعتبر من القراءة؛ إما في حسنها، أو في كثرتها وقلتها على القولين (فأقدمهم في الهجرة) عطف على "أقرؤهم"، والفاء للترتيب، أي يؤم القوم أقدمهم في الهجرة. يعني أن الأسبق في الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، يكون أولى بالإمامة ممن تأخر في ذلك.
وإنما قُدِّمَ، إما لأن القِدَم في الهجرة شرف يقتضي التقديم، أو لأن من تقدمت هجرته لا يخلو غالبًا عن كثرة العلم بالنسبة إلى من تأخر. قاله السندي.
_________________
(١) معالم السنن جـ ١ ص ٣٠٣.
[ ٩ / ٦٥١ ]
ثم إن الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره -ﷺ-، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به الجمهور. وأما حديث: "لا هجرة بعد الفتح". فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. وهذا لابد منه للجمع بين الأحاديث. قاله الشوكاني ﵀ (^١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: يدخل فيه طائفتان:
أحدهما: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا، وعند جمهور العلماء. وقوله -ﷺ-: "لا هجرة بعد الفتح"؛ أي لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح.
الطائفة الثانية: أولاد المهاجرين إلى رسول الله -ﷺ-، فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة، وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته، والآخر من أولاد من تأخرت هجرته قدم الأول. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وفي الاستدلال بحديث الباب على الطائفة الثانية بُعْد لا يخفى.
_________________
(١) نيل جـ ٤ ص ٥٣ - ٥٤.
(٢) شرح مسلم جـ ٥ ص ١٧٣.
[ ٩ / ٦٥٢ ]
وقال بعضهم: المعتبر اليوم الهجرة المعنوية، وهي هجرة المعاصي، فيكون الأورع أولى. اهـ.
قال الجامع: تخصيصه باليوم فيه نظر، بل الظاهر حمل الحديث على ما يعم الهجرتين مطلقًا، في أيّ زمن كان؛ لأن هجرة المعاصي هي الهجرة الحقيقية، لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ المتفق عليه مرفوعًا: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
فيكون المعنى أنه يقدم في الإمامة من كان أسبق للهجرة، أي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو أسبق لهجران المعاصي على من تأخر في ذلك. والله أعلم.
تنبيه:
وقع عند المصنف رحمه الله تعالى هنا (٣/ ٧٨٠)، وفي الكبرى (٣/ ٨٥٥) من رواية فضيل بن عياض، عن الأعمش، تقديم الأقدم في الهجرة على الأعلم بالسنة.
ووقع تقديم الأعلم بالسنة على الأقدم هجرةً عند مسلم جـ ٥ ص ١٧٢ بنسخة شرح النووي من رواية أبي خالد الأحمر، عن الأعمش، بسند المصنف، ثم ساق مسلم بإسناده عن أبي معاوية، وجرير، وابن فضيل، وسفيان كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد مثله. وعند أبي داود جـ ٤ ص ٢٩٨ بنسخة "المنهل" من رواية عبد الله بن نمير، عن الأعمش. وعند الترمذي جـ ٢ ص ٣٠ بنسخة "تحفة الأحوذي" من
[ ٩ / ٦٥٣ ]
رواية أبي معاوية، وعبد الله بن نمير، كلاهما عن الأعمش. وفي مسند أحمد (٤/ ١٢١) من رواية أبي معاوية، عن الأعمش. وصحيح ابن خزيمة جـ ٣ ص ٤ من رواية أبي معاوية، عن الأعمش.
قال الجامع: فالصواب عندي ما وقع عند هؤلاء من تقديم الأعلم بالسنة على الأقدم هجرةً لاتفاق هؤلاء الحفاظ عليه، ومخالفة فضيل لهم. والله تعالى أعلم.
(فإِن كانوا في الهجرة سواء، فأعلمهم بالسنة) أي فيؤم أكثرهم علمًا بالسنة. قال السندي ﵀: حملوها على أحكام الصلاة. اهـ (^١). وقال الشوكاني ﵀: فيه أن مزية العلم مقدمة على غيرها من المزايا الدينية (^٢).
وقال الطيبي ﵀: أراد بها الأحاديث، فالأعلم بها كان أفقه في عهد الصحابة. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: في عهد الصحابة فيه نظر؛ إذ الأعلم بالأحاديث هو الأفقه على الإطلاق في عهدهم وبعد عهدهم، فإن الفقه هو فهم الأحكام الشرعية التي أنزلها الله تعالى في كتابه، والأحاديث هي المبينة لمعاني الكتاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فأهل الحديث هم
_________________
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٧٦.
(٢) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٥٣.
[ ٩ / ٦٥٤ ]
الأفقهون، ولا التفات إلى ما يُهَوِّش به أعداء السنة من تهوين أمر الحديث، وتخذيلهم الأغبياء عن الاهتمام بالحديث، وكأن الحديث عندهم ليس مصدرًا للفقه ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾.
(فإِن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم سنًّا) أي إن استوى القوم في العلم بالسنة فيؤمهم أكبرهم سِنًّا.
وقال في النيل: أي يقدم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن ذلك فضيلة يرجح بها. وجعل البغوي أولاد من تقدم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه، والحديث لا يدل عليه (^١).
وفي رواية لمسلم "فأقدمهم سِلْمًا" بدل "سِنًّا". قال النووي ﵀: معناه إذا استويا في الفقه، والقراءة، والهجرة، ورجح أحدهما بتقدم إسلامه، أو بكبر سنه قُدِّم؛ لأنها فضيلة يُرَجَّح بها. اهـ (^٢).
(ولا تؤمّ الرجل) "لا" ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها، وحرك لالتقاء الساكنين، وتجوز فيه الحركات الثلاث، الكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، والفتح للتخفيف، والضم للإتباع. والفعل مبني للفاعل مسند لضمير المخاطب، و"الرجل" منصوب على المفعولية له.
_________________
(١) نيل جـ ٤ ص ٥٤.
(٢) شرح مسلم جـ ٥ ص ١٧٣.
[ ٩ / ٦٥٥ ]
وفي الرواية الآتية (٦/ ٧٨٣) من طريق شعبة، عن إسماعيل بن رجاء: "ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلَسُ على تكرمته". بالبناء للمفعول. ومثله للترمذي. ولمسلم: "ولا تؤمَّنَّ الرجل" بنون التوكيد المشددة، وفي رواية له: "ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ" بالياء.
(في سلطانه) أي في مظهر سلطنته، ومحل ولايته، أو فيما يملكه، أو في محلٍّ يكون في حكمه، ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى: "في أهله". وفي رواية أبي داود: "في بيته، ولا في سلطانه". ولذا كان ابن عمر ﵁ يصلي خلف الحجاج، وصح عن ابن عمر أن إمام المسجد مقدم على غير السلطان.
وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة، وتآلفهم، وتوادهم، فإذا أمَّ الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخلع رِبْقَة الطاعة، وكذلك إذا أمه في قومه وأهله أدّى ذلك إلى التباغض، والتقاطع، وظهور الخلاف الذي شرع لدفعه الاجتماع، فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة، لاسيما في الأعياد والجمعات، ولا على إمام الحي، ورب البيت إلا بالإذن. قاله الطيبي (^١).
وقال النووي ﵀: قوله -ﷺ-: "ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في
_________________
(١) انظر المرقاة جـ ٣ ص ١٩٤.
[ ٩ / ٦٥٦ ]
سلطانه". معناه ما ذكره أصحابنا وغيرهم؛ أن صاحب البيت، والمجلس، وإمام المسجد، أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه، وأقرأ، وأورع، وأفضل منه، وصاحب المكان أحق، فإن شاء تقدم، وإن شاء قدم من يريده، وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولًا بالنسبة إلى باقي الحاضرين؛ لأنه سلطانه، فيتصرف فيه كيف شاء.
قال أصحابنا: فإن حضر السلطان أو نائبه قدم على صاحب البيت، وإمام المسجد، وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى (^١).
(ولا تقعد على تكرمته إِلا بإِذنه) نهي للمخاطب أيضًا عن القعود على ما يُكرَمُ به الرجل في بيته من فراش أو نحوه، إلا بإذنه.
و"التكرمة": -بفتح التاء، وكسر الراء- هي في الأصل مصدر على تَفْعِلَة من كَرَّمَ المضعف، على قلة؛ لأن قياس مصدر فَعَّل المضاعف إذا كان صحيح اللام على تَفْعِيلٍ، ككلّم تكليمًا، وسلّم تسليمًا، وندر مجيئه على تفعلة، ككرم تكرمة، وجرّب تجربة، وإذا كان معتلّ اللام جاء على تفعِلَة، كزكَّى تزكية، وولّى تولية، وندر مجيئه على تفعيل،
_________________
(١) شرح مسلم جـ ٥ ص ١٧٣.
[ ٩ / ٦٥٧ ]
كقوله (من الرجز):
بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيَّا … كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا
وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "لامية الأفعال"، حيث قال (من البسيط):
لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالًا أَوْ مُفَاعَلَةً … وَفَعَّلَ اجْعَلْ لَهُ التَّفْعِيلَ حَيْثُ خَلَا
مِنْ لَامٍ اعْتَلَّ لِلْحَاوِيهِ تَفْعِلَةً … الْزَمْ وَلِلْعَارِ مِنْهُ رُبَّمَا بُذِلَا
أطلق هنا مجازًا على ما يعد للرجل إكرامًا له في منزله.
وفي صحيح ابن حبان: قال شعبة: فقلت لإسماعيل بن رجاء: ما تكرمته؟ قال: فراشه اهـ (^١).
وقال ابن منظور ﵀: التكرمة: الموضع الخاص لجلوس الرجل، من فراش، أو سرير، مما يُعَدُّ لإكرامه، وهي تفعلة من الكَرامة. اهـ (^٢).
وقال النووي، وابن رسلان: التكرمة: الفراش، ونحوه، مما يبسط لصاحب المنزل، ويختص به، دون أهله، وقيل: هي الوسادة، وفي معناها السرير ونحوه (^٣).
_________________
(١) صحيح ابن حبان جـ ٥ ص ٥١٧.
(٢) لسان جـ ٥ ص ٣٨٦٣.
(٣) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٥٤.
[ ٩ / ٦٥٨ ]
وإنما نهي عن القعود على تكرمة الرجل؛ لأن المكان الذي يجلس فيه صاحب الدار عادة، ويخص به نفسه، يكون محلًا لأشياء لا يحب أن يطلع عليها غيره، أو يكون مشرفًا على داره كلها، أو على ما يريده هو، فيرى منه أحوال أهل بيته، ويبلغهم ما يريد، فإذا أذن لغيره بالجلوس، علم أن المكان آمن من ذلك كله. والله تعالى أعلم.
(إِلا بإِذنه) قيل: الاستثناء متعلق بكلا الفعلين، فيجوز أن يؤم الزائر صاحب البيت، ويجلس على تكرمته بإذنه. وقيل: متعلق بالثاني فقط، والراجح الأول.
قال الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى:
والعمل على هذا -يعني حديث أبي مسعود المذكور في الباب- عند أهل العلم، قالوا: أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمهم بالسنة، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة. وقال بعضهم: إذا أذن صاحب المنزل لغيره، فلا بأس أن يصلي بهم. وكرهه بعضهم، وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت.
قال أحمد بن حنبل: وقول النبي -ﷺ-: "لا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يجلس في بيته على تكرمته، إلا بإذنه". فإذا أذن، فأرجو أن الإذن في الكل، ولم ير به بأسًا إذا أذن له أن يصلي به.
انتهى كلام الترمذي رحمه الله تعالى (^١). والله تعالى أعلم، ومنه
_________________
(١) جامع الترمذي جـ ٢ ص ٣٣ - ٣٥ بنسخة التحفة.
[ ٩ / ٦٥٩ ]
التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم.
وقال الحافظ ﵀: مدار هذا الحديث على إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، وليسا جميعًا من شرط البخاري، وقد نقل ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث. ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاري، وقد علق منه طرفًا بصيغة الجزم، واستعمله هنا في الترجمة. انتهى (^١).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣/ ٧٨٠)، وفي "الكبرى" (٣/ ٨٥٥) عن قتيبة، عن فضيل بن عياض، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعج، عنه. وفي (٦/ ٧٨٣)، و"الكبرى" (٦/ ٨٥٨) عن إبراهيم بن محمد التيمي، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن إسماعيل به، مختصرًا: "لا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلسُ على تكرمته، إلا بإذنه". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٣٩٦.
[ ٩ / ٦٦٠ ]
في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي سعيد الأشج، كلاهما عن أبي خالد الأحمر -وعن أبي كريب، عن أبي معاوية- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، وأبي معاوية -وعن أبي سعيد الأشج، عن ابن فضيل- وعن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة - خمستهم عن الأعمش، به. وعن أبي موسى، وبندار، كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن إسماعيل به.
وأبو داود فيه عن أبي الوليد، عن شعبة به. وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. وعن الحسن بن علي، عن عبد الله بن نمير، عن الأعمش به.
والترمذي فيه عن هناد عن أبي معاوية به. وعن محمود بن غيلان، عن أبي معاوية، وابن نمير به.
وابن ماجه فيه عن بندار، به.
والحميدي رقم (٤٥٧)، وأحمد (٤/ ١١٨، ١٢١، ١٢١)، (٥/ ٢٧٢)، وابن خزيمة رقم (١٥٠٧، ١٥١٦). وابن حبان رقم (٢١٢٧، ٢١٣٣، ٢١٤٤). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان من أحق الناس بالإمامة، فيقدم الأقرأ لكتاب الله، فإن استووا قدم الأعلم بالسنة، فإن استووا قدم الأقدم في الهجرة، فإن استووا قدم الأكبر في السن.
ومنها: أن إقامة الصلاة من مهمات الأمور الدينية، فلذا أمر
[ ٩ / ٦٦١ ]
الشارع أن يقدم لها الأكمل، فالأكمل.
ومنها: أن السلطان، وصاحب البيت لا يجوز أن يتقدم عليهما غيرهما، إلا بإذنهما، فإذا أذنا جاز؛ على خلاف سنذكره في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن المفضول يجوز أن يتقدم على الفاضل إذا أذن له.
ومنها: أنه لا يجوز للشخص أن يجلس على تكرمة غيره إلا بإذنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في ترتيب الأحق بالإمامة:
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى:
هذه مسألة اختلف فيها السلف:
فقال مالك: يؤم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة، وللسنّ حق. قيل له: فأكثرهم قرآنًا؟ قال: لا، قد يقرأ من لا يكون فيه خير.
وقال الثوري: يؤمهم أقرؤهم، فإن كانوا سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن استووا، فأسنهم.
وقال الأوزاعي: يؤمهم أفقههم في دين الله.
وقال أبو حنيفة: يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمهم للسنة، فإن استووا في القراءة والعلم بالسنة، فأكبر سنًّا، فإن استووا في القراءة، والفقه، والسن فأورعهم. قال محمد بن الحسن، وغيره: إنما قيل في
[ ٩ / ٦٦٢ ]
الحديث: "أقرؤهم" لأنهم أسلموا رجالًا، فتفقهوا فيما علموا من الكتاب والسنة، أما اليوم فيتعلمون القرآن، وهم صبيان، لا فقه لهم.
وقال الليث: يؤمهم أفضلهم، وخيرهم، ثم أقرأهم، ثم أسنهم إذا استووا.
وقال الشافعي: يؤمهم أقرؤهم، وأفقههم، فإن لم يجتمع ذلك، قدم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكتفى به في صلاته، وإن قدم أقرؤهم، وعلم ما يلزمه في الصلاة فحسن.
وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: رجلان أحدهما أفضل من صاحبه، والآخر أقرأ منه؟ فقال: حديث أبي مسعود: "يؤم القوم أقرؤهم". قال: ألا ترى أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع خيار أصحاب رسول الله -ﷺ-، منهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وكان يؤمهم؛ لأنه جمع القرآن. وحديث عمرو بن سَلِمَة "أفهم للقرآن" (^١)، فقلت له: حديث رسول الله -ﷺ-: "مروا أبا بكر، فليصل بالناس" أليس هو خلاف حديث أبي مسعود عن النبي -ﷺ-: "يؤم القوم أقرؤهم"؟، فقال: إنما قوله لأبي بكر "يصلي بالناس" إنما أراد الخلافة، وكان لأبي بكر فضل بَيِّن على غيره، وإنما الأمر في الإمامة إلى القراءة، وأما قصة أبي بكر فإنما أراد الخلافة.
_________________
(١) هكذا نسخة "التمهيد"، وهو غير واضح المعنى، ولفظ عمرو بن سلمة الآتي: "فكنت أكثرهم قرآنًا".
[ ٩ / ٦٦٣ ]
انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى (^١).
وقال الحافظ ﵀: وقوله في حديث أبي مسعود: "أقرؤهم" قيل: المراد به الأفقه. وقيل: هو على ظاهره. وبحسب ذلك اختلف الفقهاء؛ قال النووي: قال أصحابنا: الأفقه مقدم على الأقرأ، فإن الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يُحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، فقد يعرض في الصلاة أمر، لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلا كامل الفقه، ولهذا قَدَّم النبي -ﷺ- أبا بكر في الصلاة على الباقين، مع أنه -ﷺ- نص على أن غيره أقرأ منه. كأنه عنى حديث "أقرؤكم أُبَيّ". قال: وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه.
قال الحافظ: وهذا الجواب يلزم منه أن من نص النبي -ﷺ- على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه. ثم قال النووي بعد ذلك: إن قوله في حديث أبي مسعود: "فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة" يدل على تقديم الأقرأ مطلقًا. انتهى.
قال الحافظ: وهو واضح للمغايرة. قال: ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلًا بذلك، فلا يقدم اتفاقًا، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم، بل
_________________
(١) "التمهيد" جـ ٢٢ ص ١٢٤.
[ ٩ / ٦٦٤ ]
القارىء كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاءوا بعدهم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (^١).
وقال الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀: بعد ذكر الأقوال المتقدمة: ما نصه: القول بظاهر خبر أبي مسعود يجب، فيُقَدِّم الناسُ على سبيل الوجوب ما قدمه رسول الله -ﷺ-، لا يجاوَزُ ذلك، ولو قدم إمام غير هذا المثال كانت الصلاة مجزية، ويكره خلافُ السنة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ هو الرأي الراجح عملًا بظاهر النص.
وحاصله أن الأئمة يرتبون كما رتبهم رسول الله -ﷺ- في حديث أبي مسعود ﵁ المذكور في الباب، فيقدم الأقرأ، فإن استووا، فالأعلم بالسنة، فإن استووا، فالأقدم في الهجرة، فإن استووا فالأكبر سنًا. فإن خالفوا ذلك جازت الصلاة مع الكراهة، وإنما قلنا بجوازها؛ لأن الأمر في قوله: "يؤم القوم أقرؤهم" ليس للوجوب، بدليل أنه -ﷺ- صلى خلف أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف ﵄، وإنما قلنا بكراهتها لمخالفة السنة.
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٣٩٦ - ٣٩٧.
(٢) الأوسط جـ ٤ ص ١٥٠.
[ ٩ / ٦٦٥ ]
ثم إن تقديم الأقرأ على الأعلم بالسنة محله -كما سبق في كلام الحافظ- إذا كان عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة. وأما إذا كان جاهلًا بذلك فلا يجوز تقديمه اتفاقًا. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٦٦٦ ]