أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم البصاق في المسجد.
وفي الكبرى "البزاق" -بالزاي-.
والبُصَاقُ -بضم الباء الموحدة، والصاد المهملة-: لغة في البزاق -بالزاي- يقال: بصَقَ، يبْصُقُ، بَصْقًا، من باب قتل، وقال الليث: بصَقَ: لغة في "بَزَقَ"، و"بَسَقَ". أفاده في اللسان.
وقال المجد: البُصَاق، كغُراب، البُسَاق، والبزاق: ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه، فهو رِيقٌ. اهـ. "ق". والله تعالى أعلم.
٧٢٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد تقدم قبل باب.
٢ - (أبو عوانة) وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز ثقة ثبت، من [٧]، تقدم في ٤١/ ٤٦.
٣ - (قتادة) بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة،
[ ٩ / ٩٤ ]
ثبت مدلس، من [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٣٨) منها، وهي أعلى ما وقع له من الأسانيد.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفق الأئمة بالتخريج لهم.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه، فواسطي.
ومنها: أنه لا يوجد في الكتب الستة من يسمى بقتيبة غير شيخه، ولا بالوضاح، ولا من يكنى بأبي عوانة غير شيخ شيخه.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا، وأنه آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁، وعند البخاري: "سمعت أنس بن مالك" فصرح قتادة بالسماع، أنه (قال: قال رسول الله -ﷺ-: (البصاق) تقدم في أول الباب ضبطه، ومعناه، وفي "الكبرى" "البزاق" -بالزاي- وهي رواية البخاري، ولمسلم "التفل"، والتفل -
[ ٩ / ٩٥ ]
بالمثناة من فوق- أخف من البزاق، والنفث -بمثلثة آخره- أخف منه. قاله في "الفتح".
(في المسجد) متعلق بحال محذوف، تقديره من البصاق، أي حال كونه كائنًا في المسجد. وقال الحافظ ﵀: قوله: "في المسجد" ظرف للفعل، فلا يشترط كون الفاعل فيه، حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه يتناوله النهي. اهـ.
(خطيئة) أي إثم، وهي بالهمز، ويجوز إبدالها ياء، وإدغام الياء فيها. أفاده العيني.
قال القاضي عياض ﵀: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا، ورده النووي ﵀، فقال: هو خلاف صريح الحديث.
وحاصل النزاع -كما قال الحافظ- أن هنا عمومين تعارضا، وهما قوله: "البزاق في المسجد خطيئة"، وقوله: "يبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى" كما في الحديث الآتي برقم (٧٢٥)، فالنووي يجعل الأول عامًا، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه، يجعل الثاني عامًا، ويخص الأول بمن لم يرد دفنها.
وقد وافق القاضيَ جماعةٌ، منهم ابن مكي في التنقيب، والقرطبي في المفهم، وغيرهما. ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن من
[ ٩ / ٩٦ ]
حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا، قال: "من تنخم في المسجد فَلْيُغَيِّبْ نخَامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه".
وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد أيضًا بإسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعًا، قال: "من تنخم في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة"، فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوُهُ حديثُ أبي ذر عند مسلم مرفوعًا، قال: "ووجدت في مساوي أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن". قال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل به، وبتركها غير مدفونة. اهـ.
وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح: "أنه تنخم في المسجد ليلة، فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء، فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب علي خطيئة الليلة"، فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها، لا بمن دفنها، وعلة النهي ترشد إليه، وهي تأذي المؤمن بها.
ومما يدل على أن عمومه مخصوصٌ جوازُ ذلك في الثوب، ولو كان في المسجد بلا خلاف، وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشِّخِّير: "أنه صلى مع النبي -ﷺ-، فبصق تحت قدمه اليسرى، ثم دلكه بنعله"، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم. والظاهر أن ذلك كان في المسجد، فيؤيد ما تقدم.
[ ٩ / ٩٧ ]
وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر، كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر، وهو تفصيل حسن، والله أعلم.
وينبغي أن يفصل أيضًا بين من بدأ بمعالجة الدفن قبل الفعل، كمن حفر أوّلا، ثم بصق، ووارى، وبين من بصق أوَّلًا بنية أن يدفن مثلًا، فيجري فيه الخلاف، بخلاف الذي قبله؛ لأنه إذا كان المكفِّر إثمَ إبرازها هو دفنَهَا، فكيف يأثم مَنْ دفنها ابتداء؟. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٧٢ - ٧٣.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن ما ذهب إليه عياض ومن وافقه ﵏ من أنه إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا يكون خطيئة هو الراجح، لما سمعت في تقرير الحافظ رحمه الله تعالى.
(وكفارتها دفنها) أي مزيل هذه الخطيئة سترها. وإنما أنث الضمير مع أن البصاق مذكر، نظرًا لمعنى الخطيئة.
واختلف العلماء في كيفية دفنها، فقال الجمهور: يدفنها في تراب المسجد، أو رمله، أو حصبائه. وحكى الروياني أن المراد بدفنها إخراجها من المسجد أصلًا، قال الحافظ: الذي قاله الروياني يجري على ما يقول النووي من المنع مطلقًا، وقد عرفت ما فيه.
وقال السندي ﵀: ومفاده -يعني مفاد قوله: "وكفارتها"-: أنه ليس لتعظيم المسجد، وإلا لما أفاد الدفن شيئًا، بل لتأذي الناس به،
[ ٩ / ٩٨ ]
وبالدفن يندفع التأذي، ثم ذكر ما تقدم عن الحافظ، قال: وزعم بعض أنه لتعظيم المسجد، فقال: إن اضطر إلى ذلك كان البصاق فوق البواري والحصر خيرًا من البصاق تحتها؛ لأن البواري ليست من المسجد حقيقة، ولها حكم المسجد، بخلاف ما تحتها، وهذا بعيد بالنظر إلى الأحاديث، والأقرب عكس ذلك؛ لأن التأذي في البواري أكثر من التأذي فيما تحتها بمنزلة الدفن لها (^١). والله أعلم. اهـ. كلام السندي جـ ٢ ص ٥١.
والله أعلم، ومنه التوفيق وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣٠/ ٧٢٣)، و"الكبرى" (٣٠/ ٨٠٢) عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما طريق أبي عوانة، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد -وأبو داود فيه عن مسدد- والترمذي فيه عن
_________________
(١) هكذا عبارة السنديّ، وفيها ركاكة، ولعل فيه سقطًا، والأصل: "لكونه بمنزلة الدّفن فيها" أو نحو ذلك. والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ٩٩ ]
قتيبة- ثلاثتهم عن أبي عوانة به.
وأخرجه من طريق شعبة البخاري في "الصلاة" عن آدم بن أبي إياس -ومسلم فيه عن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث- وأبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم - ثلاثتهم عنه به.
وأخرجه أحمد (٣/ ١٧٣)، و(٢٧٧ و٢٧٧) والدارمي رقم (١٤٠٢) وابن خزيمة رقم (١٣٠٩)، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ١٠٠ ]