أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم الصف المؤخر.
ومحل الاستدلال من الحديث قوله: "وإن كان نقص، فليكن في الصف المؤخر"، حيث جعل -ﷺ- ما يكون في الصفوف من النقص محله الصف المؤخر. والله تعالى أعلم.
٨١٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "أَتِمُّوا الصَّفَّ الأَوَّلَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدريّ، أبو مسعود المصري ثقة، مات سنة ٢٤٨، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، ثقة، ثبت، مات سنة ١٨٦، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (سعيد) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان، أبو النضر البصري، ثقة حافظ، يدلس، واختلط بآخره، أثبت الناس في قتادة، مات
[ ١٠ / ٢٨١ ]
سنة ١٥٦، من [٦] أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دِعَامة البصري، ثقة تبت مدلس، من [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
ولطائف هذا الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك رضي الله عه (أن رسول الله -ﷺ- قال: أتموا الصف الأول) وتقدم الخلاف في المراد بالصف الأول في الباب الماضي، وأن الراجح أنه الذي يلي الإمام (ثم) أتموا الصف (الذي يليه) أي يلي الأول (وإِن كان نقص)، أي وإن حصل في الصفوف نقص، فـ"كان" تامة، مكتفية بمرفوعها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]. قال الحريري في "ملحته":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
(فليكن في الصف المؤخر) و"يكن" ناقصة، واسمها ضمير "نقص"، والجار والمجرور خبرها، والجملة جواب "إن"، أي فليكن ذلك النقص كائنًا في الصف المؤخر. وهذا هو محل الترجمة، ففيه بيان حكم الصف المؤخر، وهو أنه إن حصل نقص في الصفوف لقلة الرجال الحاضرين ينبغي أن يكون فيه.
[ ١٠ / ٢٨٢ ]
والمقصود من هذا أن لا يكون نقص في الصف الأول، ولا في الثاني، ولا في الثالث، وهلم جَرّا إلى أن تنتهي الصفوف، فإن كان نقص، ولابدّ، فليجعل في الصف الأخير. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
يستحب أن يكون موقفُ الصف الناقص يمينَ الإمام، ولا يستحب توسيطه، لما أخرجه أبو داود، وغيره بإسناده حسن، عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف"، ولحديث البراء ﵁: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله -ﷺ- أحببنا أن نكون عن يمينه، وسيأتي للمصنف ٣٤/ ٨٢٢.
وأما حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "وسطوا الإمام، وسدوا الخلل"، رواه أبو داود. ففي سنده يحيى بن بشيربن خلاد، وهو مستور، عن أمه وهي مجهولة، فلا يصح الاستدلال به، وإن استدل له صاح "المنهل العذب" المورود" جـ ٥ ص ٦٠. فتبصر. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
[ ١٠ / ٢٨٣ ]
أخرجه هنا ٣٠/ ٨١٨، وفي "الكبرى" ٣٠/ ٨٩٢ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" ٦٧١، عن محمد بن سليمان الأنباري، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة به. وأحمد جـ ٣ ص ١٣٢، ٢١٥، ٢٣٣. وابن خزيمة رقم (١٥٤٦، ١٥٤٧).
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ١٠ / ٢٨٤ ]