أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن تنخم الرجل في قبلة المسجد.
ووجه مطابقة الحديث للباب من حيث إن النبي -ﷺ- قال ذلك وهو في المسجد، حين رأى البصاق في جداره. والله أعلم.
٧٢٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى".
رجال هذا الإسناد: أربعة
كلهم تكرر الكلام فيهم، وأن السند أعلى ما وقع للمصنف من الأسانيد، كسابقه، وهو (٣٩) من رباعياته، وأنه السند المسمى بسلسلة الذهب.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله -ﷺ- رأى
[ ٩ / ١٠١ ]
بصاقًا) تقدم معنى "البصاق" في الباب السابق (في جدار القبلة) وللبخاري في رواية المستملي: "في جدار المسجد"، وفي رواية له في أواخر الصلاة من طريق أيوب، عن نافع: "في قبلة المسجد"، وزاد فيه: "ثم نزل، فحكها بيده"، وفيه إشعار بأنه كان في حال الخطبة، وقد صرح به أبو داود في روايته، قال: "بينما رسول الله -ﷺ- يخطب يومًا إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران، فلطخه به" … الحديث.
(فحكه) أي قَشَره، يقال: حككت الشيء حكًّا، من باب قتل: قَشَرْتُهُ. قاله في المصباح. ولم يبين في هذه الرواية بأي شيء حكه، وسيأتي في حديث أبي سعيد ﵁ الآتي في الباب التالي (٧٢٥) "فحكها بحصاة"، وفي حديث أنس ﵁ عند البخاري "فحكه بيده"، وفي حديث جابر ﵁ عند أبي داود "حكها بعرجون"، فالظاهر حمل المطلق هنا على المقيد في هذه الروايات، وأما اختلافها في كون الحك باليد، أو الحصى، أو العرجون، فيحمل على تعدد الواقعة، والله أعلم.
(ثم أقبل على الناس، فقال: إِذا كان أحدكم يصلي، فلا يبصقن قبل وجهه) -بكسر القاف، وفتح الباء- أي جهة قدامه.
وفيه تعظيم المساجد عن أثْفَال البدن، وعن القاذورات بالطريق
[ ٩ / ١٠٢ ]
الأولى، وفيه احترام جهة القبلة، وقد بين علة النهي بقوله: (فإِن الله ﷿ قبل وجهه) هذا وأمثاله من أحاديث الصفات مما يجب الإيمان به، وإثباته كما صح عن رسول الله -ﷺ-، بلا تأويل، ولا تشبيه، ولاتعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في جملة كلامه في آيات الصفات وأحاديثها ما نصه: وكذلك قوله -ﷺ-: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قبل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه" … الحديث. حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي.
بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء، أو يناجي الشمس والقمر، لكانت السماء، والشمس، والقمر فوقه، وكان أيضًا قبل وجهه.
وقد ضرب النبي -ﷺ- المثل بذلك- ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبي -ﷺ-: "ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليًا به"، فقال له أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله، وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي -ﷺ-: "سأنبيك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخليًا به، وهو آية من آيات الله، فالله أكبر". انظر تمام كلامه في "مجموع الفتاوى" جـ ٥ ص ١٠٧، فقد حقق هذا الموضوع تحقيقًا بالغًا لا
[ ٩ / ١٠٣ ]
تجده عند غيره ممن تكلم فيه.
وقال الحافظ: قال الخطابي: معناه أنَّ توجهه إلى القبلة مُفْضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير: فان مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف، أي عظمة الله، أو ثواب الله.
وقال ابن عبد البر: هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وقد نزع به بعض المعتزلة القائلين بأن الله في كل مكان، وهو جهل واضح، لأن في الحديث أنه يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصلوه، وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تؤول به هذا جاز أن يتأول به ذاك، والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٦٨.
وقد رد على ما قاله صاحب "الفتح" هنا بعض الأفاضل المحققين، فقال: ليس في الحديث المذكور رد على من أثبت استواء الرب سبحانه على العرش بذاته؛ لأن النصوص من الآيات، والأحاديث في إثبات استواء الرب على العرش بذاته محكمة قطعية واضحة لا تحتمل أدنى تأويل.
وقد أجمع أهل السنة على الأخذ بها والإيمان بما دلت عليه على الوجه الذي يليق بالله سبحانه من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته.
وأما قوله في هذا الحديث: "فإن الله قبل وجهه إذا صلى"، وفي لفظ: "فإن ربه بينه وبين القبلة" فهذا لفظ محتمل أن يفسر بما يوافق
[ ٩ / ١٠٤ ]
النصوص المحكمة، كما أشار الإِمام ابن عبد البر إلى ذلك، ولا يجوز حمل هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوص الاستواء الذي أثبتته النصوص القطعية المحكمة الصريحة. والله أعلم. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الرد حسن جدًا، إلا قوله: "بذاته" فإنها وإن وجدت في عبارة بعض العلماء لإيضاح المعنى، فلا ينبغي ذكرها لئلا يكون زيادة على النص، وقد أنكر الحافظ الذهبي ﵀ في كتابه "العلو للعلي الغفار" على من قال: "هو تعالى فوق عرشه بذاته" لعدم ورودها عن السلف، واعتبرها من فضول الكلام، انظر "مختصر العلو" للعلامة الألباني ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
وأما ما نقله عن الخطابي، وكذا قول السندي: إنه يناجيه، ويقبل عليه تعالى في تلك الجهة، وهو تعالى من هذه الحيثية كأنه في تلك الجهة، فلا يليق إلقاء البصاق فيها. اهـ. ففيه نظر لا يخفى.
والحاصل أن الصواب في هذا الباب إثبات النصوص كما وردت على ظاهر معناها على الوجه الذي أراده الله تعالى مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والله اعلم، ومنه العون والتوفيق، وعليه التكلان.
(إِذا صلى) أي دخل في الصلاة، ونص في الحديث على النهي عن البصاق قبل وجهه حال الصلاة، لفضيلة تلك الحال على سائر
[ ٩ / ١٠٥ ]
الأحوال، وإلا فالبصاق إلى جهة القبلة ممنوع مطلقًا، في الصلاة وغيرها، وفي المسجد وغيره، كما يأتي قريبًا، خلافًا لمن خصه بقبلة المسجد، أو حال الصلاة.
وقال الباجي ﵀: يحتمل أن يكون خص بذلك حال الصلاة لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة، وفي سائر الأحوال قد تكون عن يساره، وهي الجهة التي أمر بالبصاق إليها. اهـ ذكره في "المنهل" جـ ٤ ص ٩٩. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣١/ ٧٢٤)، و"الكبرى" (٣١/ ٨٠٣) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية إنكار المنكر لمن رآه، وإزالته باليد، وفي حديث
[ ٩ / ١٠٦ ]
أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". أخرجه مسلم وأصحاب السنن.
ومنها: غضب الإِمام على رعيته وزجرهم إذا رأى منهم إخلالًا بأمر من أمور الشرع، فعند أبي داود "فتغيظ على الناس". وفي حديث أنس في الصحيح "فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه".
ومنها: وجوب احترام القبلة وتعظيمها، وقد علل ذلك بقوله: "فإن الله ﷿ قبل وجهه".
قال في "الفتح": وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أو لا. ولاسيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم.
وفي صحيحي ابن خزيمة، وابن حبان من حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: "من تَفَلَ تُجَاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُهُ بين عينيه"، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه"، ولأبي داود، وابن حبان، واللفظ لأبي داود من حديث السائب بن خلاد ﵁: "أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في
[ ٩ / ١٠٧ ]
القبلة، ورسول الله -ﷺ- ينظر، فقال رسول الله -ﷺ- حين فرغ: "لا يصلي لكم" فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله -ﷺ-، فذكر ذلك لرسول الله -ﷺ-، فقال: "نعم"، وحسبت أنه قال: "إنك آذيت الله ورسوله -ﷺ-". والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: ذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في "التمهيد" عند هذا الحديث إجماع العلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها.
قال العراقي ﵀: فما أدري هل أراد بالعمل القليل نفس البصاق، أو أراد ما ورد في حديث آخر من كونه يبصق في ثوبه، أو أراد أن النبي -ﷺ- حكه من القبلة وهو في الصلاة، وهو الظاهر، فقد روى البخاري من رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: "رأى رسول الله -ﷺ- نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي، فحتها، ثم قال حين انصرف … الحديث".
وفي بعض طرقه أنه كان يخطب، كما رواه أبو داود بإسناد صحيح من رواية أيوب عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "بينما رسول الله -ﷺ- يخطب يومًا إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكها، قال: -وأحسبه- قال: فدعا بزعفران، فلطخه به". اهـ. "طرح التثريب". والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ١٠٨ ]
المسألة السادسة: قال الحافظ العراقي ﵀: اختلفت الأحاديث أيضًا في البصاق الذي وجده النبي -ﷺ- في القبلة، هل كان ذلك في مسجده -ﷺ-، أو في مسجد آخر؟
فقيل: إنه كان في مسجد الأنصار، بدليل ما رواه مسلم، وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد، قال: أتينا جابرًا، وهو في مسجده، فقال: أتانا رسول الله -ﷺ- في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب، فنظر، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها، فحتها بالعرجون" … الحديث. لفظ أبي داود.
وظاهر ما تقدم من كونه كان في الخطبة أنه كان في مسجد المدينة، والظاهر أنهما واقعتان، أو وقائع، ففي قصة مسجد الأنصار أنه حتها بالعرجون، وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أنه حكها بحصاة، وفي قصة مسجد الأنصار "أروني عبيرًا"، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخَلُوق في راحته، فأخذه رسول الله -ﷺ-، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة.
وعند النسائي (٧٢٨) من حديث أنس ﵁: أنه رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقًا، فقال رسول الله -ﷺ-: "ما أحسن هذا".
وفي بعضها أنه كان في الصلاة، وفي بعضها أنه كان يخطب، كما
[ ٩ / ١٠٩ ]
تقدم، فهذا يدل على اختلاف واقعتين، أو وقائع من غير تعارض. والله أعلم. اهـ "طرح التثريب" ج ٢ ص ٣٨٦ - ٣٨٧.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ١١٠ ]