أي هذا باب ذكر نهي النبي -ﷺ- عن بَصْق الرجل أمامه، ولا عن جهة يمينه، وهو في صلاته.
ومثل الرجل في ذلك المرأة، إذ لا يختلف حكمهما في هذا؛ لأن علة النهي تعمهما، حيث إن النبي -ﷺ- علل النهي بقوله: "فإن الله قبل وجهه"، وقوله: "فإن عن يمينه ملكًا" وإنما اقتصر على ذكر الرجل موافقة لحديث الباب. والله تعالى أعلم.
٧٢٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، وَنَهَى أَنْ يَبْصُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ "يَبْصُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في السند الماضي.
٢ - (سفيان) بن عيينة، الكوفي المكي، ثقة ثبت حجة، من
[ ٩ / ١١١ ]
[٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم، الإِمام الحجة المثبت، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٤ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان، الزهري، المدني، ثقة، من [٢]، توفي سنة ١٠٥ هـ على الصحيح.
وثقه العجلي، وأبو زرعة، وابن خراش. وقال ابن سعد: روى مالك عن الزهري عن حميد: "أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان، ثم يفطران" ورواه يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد، قال: رأيت عمر وعثمان.
قال الواقدي: وأثبتهما عندنا حديث مالك، وأن حميدًا لم ير عمر، ولم يسمع منه شيئًا، وسنه وموته يدل على ذلك، ولعله قد سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله.
وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة ٩٥ هـ وهو ابن ٧٣ سنة. قال ابن سعد: وقد سمعت من يقول: إنه توفي سنة ١٠٥ هـ، وهذا غلط.
قال الحافظ ﵀: هو قول الفلاس، وأحمد بن حنبل، وأبي إسحاق الحربي، وابن أبي عاصم، وخليفة بن خياط، ويعقوب ابن سفيان، وفي كتاب الكلاباذي: قال الذهلي: ثنا يحيى -يعني ابن
[ ٩ / ١١٢ ]
معين- قال: مات سنة ١٠٥ هـ. قال الحافظ: وإن صح ذلك على تقدير صحة ما ذكر من سنه فروايته عن عمر منقطعة قطعًا، وكذا عن عثمان وأبيه. والله أعلم.
وقال أبو زرعة: حديثه عن أبي بكر، وعلي ﵄ مرسل. اهـ. تت ج ٣ ص ٤٥ - ٤٦، أخرج له الجماعة.
قال الجامع عفا الله عنه: جعله الحافظ في التقريب من الطبقة الثانية، والذي يظهر لي أنه من الثالثة. والله أعلم.
٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي المشهور ﵁، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات نبلاء، اتفق الجماعة على التخريج لهم، وأنهم مدنيون إلا شيخه فبغلاني، وأن أبا سعيد أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، وفيه رواية تابعي عن تابعي. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (أن النبي -ﷺ- رأى نخامة) النخامة -بضم النون، وتخفيف الخاء المعجمة- كالنخاعة وزنًا ومعنى، يقال: تنخم الرجل: إذا تنخع، وفي المطالع:
[ ٩ / ١١٣ ]
النخامة: ما يخرج من الصدر، وهو البلغم اللَّزِج، وفي النهاية: النخامة: البَزْقَة التي تخرج من الرأس، ويقال: النخامة: ما يخرج من الصدر، والبصاق: ما يخرج من الفم، والمخاط: ما يسيل من الأنف. قاله في "عمدة القاري" جـ ٤ ص ١٤٩.
(في قبلة المسجد) متعلق برأى، أو محذوف صفة لنخامة، أي نخامة كائنة في حائط قبلة المسجد النبوي (فحكها) أي قشَر تلك النخامة (بحصاة) واحدة الحصى، وهي صغار الحجارة.
فإِن قيل: ظاهر هذا الحديث كحديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب الماضي يدل على أن الذي تولى إزالتها هو النبي -ﷺ- بنفسه، ورواية أنس ﵁ الآتية للمصنف برقم (٣٥/ ٧٢٨) يدل على أن الذي باشر ذلك امرأة من الأنصار، فكيف التوفيق بينهما؟ أجيب يحمل الاختلاف على تعدد الواقعة. والله أعلم.
(ونهى أن يبصق الرجل بين يديه) قد تقدم علة النهي في حديث ابن عمر ﵄، حيث قال: فإن الله قبل وجهه (أو عن يمينه) والعلة في النهي عنه كونه محل ملك، فعند أبي داود من طريق ابن عجلان، وصححه الحاكم على شرط مسلم: "أن النبي -ﷺ- كان يحب العراجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد، فرأى نخامة في قبلة المسجد، فحكها، ثم أقبل على الناس مغضبًا، فقال: أيسُر أحدكم أن يبصق في وجهه، إن أحدكم إذا استقبل القبلة، فإنما يستقبل
[ ٩ / ١١٤ ]
ربه ﷿، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه، ولا في قبلته، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فإن عجل به أمر فليقل هكذا" ووصف لنا ابن عجلان ذلك أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض.
(وقال: يبصُقُ عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى) وللبخاري: "ولكن عن يساره أو تحت قدمه": قال في "الفتح": كذا للأكثر، وفي روية أبي الوقت "وتحت قدمه" بالواو، ووقع عند مسلم من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁: "ولكن عن يساره تحت قدمه" بحذف "أو" وكذا للبخاري من حديث أنس في أواخر الصلاة، والروايات التي فيها "أو" أعم لكونها تشمل ما تحت القدم، وغير ذلك. اهـ.
وقال صاحب "المفهم": وظاهر"أو" الإباحة، أو التخيير ففي أيهما بصق لم يكن به بأس، قال: وإليه يرجع معنى قوله "عن شماله تحت قدمه". اهـ طرح جـ ٢ ص ٣٨٣ - ٣٨٤. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
[ ٩ / ١١٥ ]
أخرجه هنا (٣٢/ ٧٢٥)، و"الكبرى" (٣٢/ ٨٠٤) عن قتيبة، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عنه. وفي الشروط -عن أبي الطاهر بن السرح، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم ابن سعد، وعن علي بن عبد الله عن ابن عيينة وعن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل -ثلاثتهم عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، ولم يذكر سفيان أباهريرة.
ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، ثلاثتهم عن سفيان، به، وعن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، به، وعن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى كلاهما، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن حميد، عن أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄. وابن ماجه فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، عن إبراهيم ابن سعد، به.
وأخرجه أحمد (٣/ ٦)، والحميدي رقم (٧٢٨)، وابن خزيمة رقم (٨٧٤)، والدارمي رقم (١٤٠٥). والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ١١٦ ]
المسألة الرابعة: تقدم في رواية أبي داود تعليل النهي عن البصاق في اليمين بأن فيه ملكًا، قال الحافظ ﵀: فإن قلنا: المراد بالملك الكاتب، فقد يستشكل اختصاصه بالمنع مع أن عن يساره ملكًا آخر، وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفًا له وتكريمًا. هكذا قال جماعة من القدماء، ولا يخفى ما فيه.
وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: "فإنه يقوم بين يدي الله، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره" اهـ. فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى اليمين. والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٧٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: أطلق في هذا الحديث الإذن في أن يبصق عن يساره، وهو محمول على ما إذا كان جهة يساره فارغًا من المصلين بدليل ما يأتي للمصنف في الباب التالي -من حديث طارق بن عبد الله المحاربي في هذا الحديث، فقال: "ولكن تلقاء يساره إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى".
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذا يدل عليه قوله في بعض طرق حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: "فليتنخع عن
[ ٩ / ١١٧ ]
يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا" أي فإن لم يجد جهة شماله فارغًا. قاله العراقي ﵀. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: قد ذكر العراقي رحمه الله تعالى في "طرح التثريب" فوائد تتعلق بحديث الباب، أحببت إيرادها هنا، مع المناقشة في بعضها، وإن كان بعضها تقدم تكميلًا للفوائد، وتكثيرًا للعوائد، قال ﵀:
الأولى: هذا النهي في البصاق أمامه، أو عن يمينه، هل يفيد كونه في المسجد أو عام في المصلين في أي موضع كانوا؟ الظاهر أن المراد العموم؛ لأن المصلي مناج لله في أي موضع صلى، والملك الذي عن يمينه معه، أيّ موضع صلى، ولكن البخاري بوب على هذا الحديث "باب دفن النخامة في المسجد" وإنما قيده البخاري بالمسجد لأنه لم يأمر بدفن النخامة في غير المسجد.
ويدل عليه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد أنه -ﷺ- رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحكها، فقال: "إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمنّ قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى". لفظ البخاري، ولم يسق مسلم لفظه.
الثانية: هل المراد بالقيام للصلاة -يعني قوله: "إذا قام أحدكم للصلاة فلا يبصق أمامه"- الدخول فيها، أو النهوض، والانتصاب
[ ٩ / ١١٨ ]
لها ولو قبل الإحرام؟ والجواب أنه إن كان في غير المسجد، أو غيره، فلا حرج في ذلك قبل الشروع في الصلاة إذا كان في غير المسجد، وإن كان المراد بذلك تقييد كونه في المسجد، فسواء في ذلك بعد الإحرام، أو قبله، بل دخول المسجد كان في النهي عن البزاق فيه، وإن لم يكن قام إلى الصلاة، كما ثبت في حديث أنس المتفق عليه: "البزاق في المسجد خطيئة".
الثالثة: هذا النهي عن بصاق المصلي أمامه، أو عن يمينه، هل على التحريم، أو التنزيه؟
قال القرطبي ﵀: إن إقباله -ﷺ- على الناس مغضبًا يدل على تحريم البصاق في جدار القبلة، وعلى أنه لا يكفر بدفنه، ولا بحكه، كما قال في جملة المسجد: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها".
قال العراقي ﵀: ويدل على تحريم البصاق في القبلة ما رواه أبو داود بإسناد جيد من حديث السائب بن خلاد ﵁: أن رجلًا أم قومًا، فبصق في القبلة، ورسول الله -ﷺ- ينظر إليه، فقال حين فرغ: "لا يصلي لكم" … الحديث. وفيه أنه قال له: "إنك آذيت الله ورسوله".
وأطلق جماعة من الشافعية كراهية البصاق في المسجد، منهم المحاملي، وسليم الرازي، والروياني، وأبو العباس الجرجاني،
[ ٩ / ١١٩ ]
وصاحب البيان ﵏، وجزم النووي ﵀ في شرح المهذب، والتحقيق بتحريمه، وكأنه تمسك بقوله في الحديث الصحيح "إنه خطيئة".
وقال أبو الوليد الباجي ﵀: فأما من بصق في المسجد، وستر بصاقه، فلا إثم عليه، وحكى القرطبي ﵀ أيضًا عن ابن مكي إنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه. قال القرطبي: وقد دل على صحة هذا قوله في حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم: "ووجدت في مساوي أعمالها النخامة تكون في المسجد، لا تدفن"، فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غير مدفونة.
قال العراقي ﵀: ويدل عليه أيضًا إذنه -ﷺ- في ذلك في حديث الباب بقوله: "أو تحت رجليه، فيدفنه"، إن حملنا الحديث على إرادة كونه في المسجد، كما تقدم، وهو مصرح به في حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة ﵄.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل عندي هو الأولى جمعًا بين الأحاديث.
والحاصل أن البصاق في المسجد محرم إذا لم يدفن. وقد تقدم تحقيق هذا فيما سبق. والله أعلم.
[ ٩ / ١٢٠ ]
الرابعة: علل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجيًا لله، وعلله في حديث ابن عمر بأن الله قبل وجهه إذا صلى، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم: "ما بال أحدكم يقوم مستقبلًا ربه، فيتنخع أمامه"، ولا منافاة بين ذلك، فإن المراد إقبال الله تعالى عليه، كما سيأتي.
وقال ابن عبد البر: وهذا كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وإكرامها، قال: وقد نزع بهذا الحديث بعض من ذهب مذهب المعتزلة إلى أن الله تعالى في كل مكان، وليس على العرش، قال: وهذا جهل من قائله؛ لأن قوله في الحديث: "يبصق تحت قدمه، وعن يساره" ينقض ما أصلوه في أنه في كل مكان.
قال العراقي: هذا كلام ابن عبد البر، وهو أحد القائلين بالجهة، فاحذره، وإنما ذكرته لأنبه عليه، لئلا يغتر به، والصواب ما قدمناه بدليل ما أخرجه القاضي إسماعيل بإسناد صحيح من حديث حذيفة ﵁: أن رسول الله -ﷺ-، قال: "إذا قام الرجل في صلاته أقبل الله تعالى عليه بوجهه، فلا يبزقن أحدكم في قبلته" … الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي قاله العراقي ردًا على ابن عبد البر، وصوبه غير صواب؛ بل الصواب مع ابن عبد البر، وهو الذي عليه أهل الحديث، وهو
[ ٩ / ١٢١ ]
مذهب سلف هذه الأمة، وذلك أن ابن عبد البر من كبار المحدثين، ومن محققي الفقهاء والأصوليين، ومذهب هؤلاء: الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، أو صح عن رسول الله -ﷺ- وصفه به، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل.
فيا أيها العقلاء، ويا أصحاب الألباب، فهل من يؤمن بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] الآية، بأن الله تعالى استوى على العرش على معناه اللغوي العربي، استواء يليق بجلاله، وبقوله -ﷺ- في الحديث الذي اتفقت الأمة على صحته وقبوله: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" … الحديث، بان الله تعالى ينزل نزولًا حقيقيًّا يليق بجلاله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه، ولا تمثيل، فهل هو على الصواب؟ أم من يعتقد أن معنى استوى: استولى، وأن معنى ينزل: ينزل ملكه، ويسلك مسلك التحريف والتأويل هو الذي على الصواب؟!
فبالله أنصفوا، وقولوا الحق، أيهما على الصواب، وأيهما معه الحق؟! ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] اللَّهُمَ فاَطِرَ السَّموات والأرضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَة، أنْتَ تُحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كَانُوا فِيَهِ يَخْتَلِفون، اهْدِنَا لِمَاَ اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وقال صاحب "المفهم": إنه لما كان المصلي يتوجه بوجهه وقصده
[ ٩ / ١٢٢ ]
وكليته إلى هذه الجهة، نزّلها في حقه وجود منزلة الله تعالى، فيكون هذا من باب الاستعارة، كما قال: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض"، أي بمنزلة يمين الله.
قلت: وقد أول الإِمام أحمد هذا الحديث. قال القرطبي: وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه، أو رحمة ربه، كما قال في الحديث الآخر "فلا يبصق قبل القبلة، فإن الرحمة تواجهه"، قال العراقي: ولا أحفظ هذا اللفظ في البصاق، وإنما هو في مسح الحصى، كما رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي ذر ﵁، عن النبي -ﷺ-، قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه" اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: كلام صاحب "المفهم" هو عين ما قاله العراقي فتنبه.
وأما قوله: وقد أول الإمام أحمد هذا الحديث، فقد رده شيخ الإِسلام ابن تيمية -كما في "مجموع الفتاوى" (جـ ٥ ص ٣٩٨) قال رحمه الله تعالى: وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنابلة: أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض"، و"قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"، و"إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمين"، فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه،
[ ٩ / ١٢٣ ]
وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف، لا علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال. انتهى كلام شيخ الإِسلام. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: هل المراد بقوله في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري: "فإنه مناج لله ﷿ ما دام في مصلاه" أي المكان الذي صلى فيه، أو المسجد الذي صلى فيه، أو المراد بالمصلى نفس الصلاة؟ والأول هو الحقيقة، فحملة عليه أولى، ويدل على الثاني قوله في حديث ابن عمر ﵄: "فإن الله قبل وجهه إذا صلى"، والله أعلم.
وقال الحافظ ﵀: قوله: "ما دام في مصلاه" يقتضي تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، لكن التعليل المتقدم بأذى المسلم يقتضي المنع في جدار المسجد مطلقًا، ولو لم يكن في صلاة، فيجمع بأن يقال: كونه في الصلاة أشد إثمًا مطلقًا، وكونه في جدار القبلة أشد إثمًا من كونه في غيرها من جدار المسجد، فهي مراتب متفاوتة مع الاشتراك في المنع. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٧٣ - ٧٤. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: فيه بيان طهارة البصاق والنخامة، إذ لو لم يكن طاهرًا لما أمر بدفنه في المسجد، ولا بأن يبصق في ثوبه ويدلكه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وهو كذلك.
قال ابن عبد البر: ولا أعلم خلافًا في طهارة البصاق، إلا شيئًا يروى عن سلمان، والسنن الثابتة ترده. وحكاه الزكي عبد العظيم في
[ ٩ / ١٢٤ ]
حواشيه على السنن عن النخعي أيضًا. والله تعالى أعلم.
المسألة السابعة: في أمره -ﷺ- بدفن النخامة في المسجد دليل على تنظيف المسجد وتنزيهه عما يستقذر. وروى أبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂، قالت: "أمر رسول الله -ﷺ- ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف، وتطيب".
وقال ابن عبد البر ﵀: وفي حكم البصاق في المسجد تنزيهه عن أن يؤكل فيه مثل البَلُّوط -نوع من الشجر- والزبيب لعَجَمه -نواه- وماله دسم وتلويث، وحَبّ رقيق، وما يكنسه المرء من بيته. والله تعالى أعلم.
المسألة الثامنة: قال ابن عبد البر أيضًا: فيه أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة إذا لم يبصق قبل وجهه، ولا يقطع ذلك صلاته، ولا يفسدها إذا غلبه ذلك واحتاج إليه، ولا يبصق قبل وجهه الْبَتَّةَ. والله أعلم.
المسألة التاسعة: في إباحة البصاق في المسجد لمن غلبه ذلك دليل على أن النفخ، والتنحنح في الصلاة إذا لم يقصد به صاحبه اللعب والعبث، وكان يسيرًا، لا يضر المصلي في صلاته، ولا يفسد شيئًا منها؛ لأنه قلما يكون بصاق، إلا ومعه شيء من النفخ، والنحنحة، والبصاق، والنخاعة، والنخامة كل ذلك متقارب.
قال: والتنخم، والتنخع ضرب من التنحنح، ومعلوم أن للتنخم
[ ٩ / ١٢٥ ]
صوتًا كالتنحنح، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق، فإن قصد النافخ أو المتننخم في الصلاة بفعله ذلك اللعب، أو شيئًا من العبث أفسد صلاته، وأما إذا كان نفخه تأوهًا من ذكر النار إذا مربه ذكرها في القرآن، وهو في الصلاة فلا شيء عليه.
ثم ذكر اختلاف العلماء في ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يقطع الصلاة النفخ والتنحنح، وروى ابن عبد الحكم، وابن وهب أنه
لا يقطع الصلاة النفخ، والتنحنح. وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: يقطع النفخ إن سمع. وقال أحمد وإسحاق: لا يقطع. وقال الشافعي: ما لا يفهم منه حروف الهجاء فليس بكلام.
قال ابن عبد البر: وقول من راعى حروف الهجاء، وما يفهم من الكلام أصح الأقاويل، إن شاء الله. انتهى.
ومذهب الشافعي في النحنحة، والضحك، والبكاء، والنفخ، والأنين أنه إن بان منه حرفان بطلت ما لم يكن معذورًا بغلبة، أو تعذر قراءة الفاتحة ما لم يكثر الضحك، وإن كان مغلوبًا فإنه يضر. والله أعلم. اهـ - "طرح التثريب" جـ ٢ ص ٣٨٠ - ٣٨٦.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ١٢٦ ]