أي هذا باب ذ كر الحديث الدال على التسهيل للمصلي في البصاق خلفه، أو جهة شماله.
والرخصة، وزان غرفة، وتضم الخاء للاتباع: التسهيل في الأمر، والتيسير، والجمع: رُخَصٌ كغرف ورُخُصَات كغرُفات. وتقدم بأوضح من هذا في أوائل هذا الشرح. وبالله تعالى التوفيق.
٧٢٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا كُنْتَ تُصَلِّي، فَلَا تَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَا عَنْ يَمِينِكَ، وَابْصُقْ خَلْفَكَ، أَوْ تِلْقَاءَ شِمَالِكَ، إِنْ كَانَ فَارِغًا، وَإِلاَّ فَهَكَذَا، وَبَزَقَ تَحْتَ رِجْلِهِ، وَدَلَكَهُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبيد الله بن سعيد) اليشكري السرخسي، ثقة مأمون من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإِمام الحجة، من [٩]، تقدم ٤/ ٤.
[ ٩ / ١٢٧ ]
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإِمام الحجة من [٧]، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (منصور) بن المعتمر أبو عتاب الكوفي، ثقة ثبت، حجة، من [٦]، تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (ربعي) بن حِراش أبو مريم العبسي الكوفي، ثقة عابد مخضرم، توفي سنة ١٠٠، من [٢]، تقدم في ٥٠٨.
٦ - (طارق بن عبد الله المحاربي) الكوفي، له رؤية وصحبة.
روى عن النبي -ﷺ-، وعنه أبو صخرة جامع بن شداد، وربعي بن حراش، وأبو الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي.
قال البرقي، والبغوي: له حديثان، وقال ابن السكن: له ثلاثة أحاديث. وقال البخاري في البيوع: وقال النبي -ﷺ-: "اكتالوا حتى تستوفوا". وهذا طرف من حديث لطارق هذا طويل، أخرجه ابن حبان، وابن منده، وغيرهما بطوله، وأخرج النسائي منه قطعًا متفرقة، أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والأربعة. اهـ. تت جـ ٥ ص ٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخه،
[ ٩ / ١٢٨ ]
فلم يخرج له إلا هو، والشيخان، وإلا الصحابي، فلم يخرج له مسلم أصلًا، وأخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد".
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، إلا شيخه، فسرخسي.
ومنها: أن صحابيه من المقلين، كما تقدم قريبًا، فله عند الأربعة حديث الباب، وعند المصنف حديث آخر في "الزكاة"، وآخر في "الديات"، وعند ابن ماجه حديث في "الديات". انظر "تحفة الأشراف" جـ ٤ ص ٢٠٨ - ٢٠٩. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن طارق بن عبد الله المحاربي) الكوفي ﵁، أنه قال: (قال رسول الله -ﷺ-): (إِذا كنت تصلي فلا تبزقن) -بضم الزاي، من باب قتل- ولفظ أبي داود: "إذا قام الرجل إلى الصلاة، -أو إذا صلى أحدكم- فلا يبزقن أمامه، ولا عن يمينه، ولكن عن تلقاء يساره، إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى، ثم ليقل به".
(بين يديك) أي أمامك، وتقدم علة النهي في حديث ابن عمر ﵄ (٧٢٤) "فإن الله ﷿ قبل وجهه إذا صلى" (ولا عن يمينك) أي ولا تبزقن في جهة يمينك، وقد تقدم علة النهي في حديث أبي داود: "والملك عن يمينه" (وابصق) -بضم الصاد- من باب قتل (خلفك، أو تلقاء شمالك) بكسر التاء، أي حِذَاء شمالك.
وظاهر الإطلاق يعم المسجد وغيره، بل حديث أبي سعيد المتقدم
[ ٩ / ١٢٩ ]
صريح في كونه في المسجد، حيث قال: "رأى نخامة في قبلة المسجد"، فيدل على أن الحكم ليس معللًا بتعظيم المسجد، وإلا لكان اليمين واليسار سواء، بل المنع عن تلقاء الوجه للتعظيم بحالة المناجاة مع الرب ﷾، وعن اليمين للتأدب مع ملك اليمين، كما يفهم من الحديث. أفاده السندي رحمه الله تعالى.
(إِن كان فارغًا) أي خاليًا عن فصل، ونحوه (وإِلا) هي "إن" الشرطية، أدغمت في "لا" النافية، وفعل الشرط محذوف، أي وإن لم يكن شمالك فارغًا، بان كان مشغولًا بما ذكر (فهكذا) الفاء رابطة لجواب "إن"، و"ها" حرف تنبيه، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف، تقديره: فافعل هكذا، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
ثم بين معنى ما أشار إليه، بقوله: (وبزق تحت رجله)، والمراد به رجله اليسرى، لما تقدم التصريح به في رواية أبي داود، ولما يأتي في الباب التالي من حديث أبي العلاء بن الشخير، عن أبيه (ودلكه) أي مسحه بالأرض.
تنبيه:
الظاهر من هذه الرواية أن فاعل "بزق"، و"دلك" هو النبي -ﷺ-، لكن عند المصنف في الكبرى "وبزق يحيى تحت رجله، ودلكه"، فصرح بأن الفاعل هو يحيى بن سعيد، ولم أر ذلك لغيره، فقد أخرج الحديث أحمد، ﵀، ونص "المسند" جـ ٦ ص ٣٩٦:
[ ٩ / ١٣٠ ]
حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن طارق بن عبد الله المحاربي، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا صليت، فلا تبصق عن يمينك، ولا بين يديك، وابصق خلفك، وعن شمالك، إن كان فارغًا، وإلا فهكذا، وذلك تحت قدمه" ولم يقل وكيع ولا عبد الرزاق: "وابصق خلفك"، وقالا: قال رسول الله -ﷺ-.
ثم رواه عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، بلفظ: "إذا صليت فلا تبصق بين يديك، ولا عن يمينك، ولكن ابصق تلقاء شمالك، إن كان فارغًا، وإلا فتحت قدميك، وادلكه"، ثم رواه عَبِيدة بن حُميد، عن منصور، بنحوه.
وأخرجه ابن خزيمة (٨٧٦) من رواية بندار، وأبي موسى -يعني محمد بن المثنى- عن يحيى بن سعيد، بلفظ: "إذا كنت في الصلاة، فلا تبزقن عن يمينك، ولكن خلفك، أو تلقاء شمالك، أو تحت قدمك اليسرى".
قال: هذا حديث بندار، وقال أبو موسى: حدثني منصور، وقال أيضًا: قال لي رسول الله -ﷺ-: وقال: "وابصق خلفك أو تلقاء شمالك، إن كان فارغًا، وإلا فهكذا" تحت قدمه اليسرى.
وأخرجه أيضًا في (٨٧٧) من رواية جرير، عن منصور، وفيه: "فإن لم يكن فارغًا، فتحت قدمك اليسرى، ثم قل به". قال
[ ٩ / ١٣١ ]
منصور: يعني ادلكه بالأرض. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث طارق بن عبد الله المحاربي ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣٣/ ٧٢٦)، و"الكبرى" (٣٣/ ٨٠٥) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عنه. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار، عن يحيى بن سعيد، به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، به.
وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، كما تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف وهو جواز بَصْق المصلي خلفه، أو تلقاء
[ ٩ / ١٣٢ ]
شماله.
ومنها: عدم جواز البصق إلى اليسار إذا كان فيه أحد، لئلا يتأذى به.
ومنها: إذا كان في شماله أحد، يبصق تحت رجله ويدلكه.
ومنها: طهارة البصاق؛ لأنه أمر بدلكه، وهو في الصلاة، وقد تقدم أنه لم يخالف فيه أحد، إلا ما روي عن سلمان والنخعي.
ومنها: ما قاله ابن خزيمة ﵀أن فيه دلالة على إباحة لَيِّ عنقه وراء ظهره إذا أراد أن يبصق في صلاته، إذ البَزْق خلفه غير ممكن إلا بِلَيِّ العنق. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ١٣٣ ]