أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية تخليق المساجد.
والتخليق: مصدر خَلَّقه، يقال: خَلَّقْتُهُ: إذا طَلَيْته بالخَلُوق.
قال الفيومي ﵀: والْخلُوق، مثل رَسُول: ما يُتخَلق به من الطيب. قال بعض الفقهاء: وهو مائع فيه صُفْرة. والخِلاق، مثل كتاب بمعناه. اهـ. وسيأتي مزيد على هذا في شرح الحديث إن شاء الله تعالى.
٧٢٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَحَكَّتْهَا، وَجَعَلَتْ مَكَانَهَا خَلُوقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا أَحْسَنَ هَذَا".
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي الإِمام الحجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
[ ٩ / ١٣٩ ]
٢ - (عائذ بن حبيب) بن المَلّاح (^١) العبسي، ويقال: القرشي مولاهم، أبو أحمد الكوفي، ويقال: أبو هشام، بيَّاع الهروي (^٢) صدوق، ورمي بالتشيع، من [٩].
قال الأثرم: سمعت أحمد ذكره، فأحسن الثناء عليه، وقال: كان شيخًا جليلًا عاقلًا. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس، قد سمعنا منه. وقال عباس، عن ابن معين: صويلح. وقال الجوزجاني: غال زائغ.
وقال سعيد بن عمرو البردعي: شهدت أبا حاتم يقول لأبي زرعة: كان ابن معين يقول: يوسف السَّمْتي زنديق، وعائذ بن حبيب زنديق، فقال أبو زرعة: أما عائذ بن حبيب، فصدوق في الحديث، وأما يوسف، فذاهب الحديث، كان يحيى يقول: كذاب.
قال البردعي: فرأيت هذه الحكاية التي حكاها أبو حاتم عندي عن بعض شيوخنا، عن يحيى: كان عائذ بن حبيب زيديًا، قال: وهو بهذا أشبه. وذكره ابن حبان في الثقات، قال عبد الله الحضرمي: مات سنة ١٩٠، أخرج له المصنف وابن ماجه.
٣ - (حميد الطويل) بن أبي حميد، أبو عبيدة البصري، اختلف
_________________
(١) بفتح الميم، وتشديد اللام، وبمهملة. اهـ. ت.
(٢) قوله: بياع الهروي، هو على تقدير محذوف، إما بياع القماش الهروي، أو غيره. اهـ. ت.
[ ٩ / ١٤٠ ]
في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة، مدلس، عابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، توفي سنة ١٤٢ هـ ويقال سنة ١٤٣ هـ، وله ٧٥ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس بن مالك) أبو حمزة الصحابي الخادم ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٤٠).
ومنها: أن رجاله موثقون.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: رأى رسول الله -ﷺ- نخامة في قبلة المسجد) أي في الجدار الذي في مواجهة المسجد (فغضب حتى احمر وجهه) فيه غضب الإِمام على رعيته إذا رأى منهم المخالفة الشرعية، لينزجروا، ويرتدعوا (فقامت امرأة من الأنصار، فحكتها) أي أزالت تلك النخامة (وجعلت مكانها خَلُوقًا) بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام، ويقال فيه: الخِلاق -ككتاب-: قال ابن منظور ﵀: والخَلُوق، والخِلاق:
[ ٩ / ١٤١ ]
ضرب من الطيب، وقيل: الزعفران. وقال أيضًا: والخَلُوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران، وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه العمرة والصفرة. اهـ. لسان جـ ٢ ص ١٢٤٧.
(قال رسول الله -ﷺ-: "ما أحسن هذا") تعجبًا من حسن صنيع تلك المرأة واستحسانًا له. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٣٥/ ٧٢٨)، و"الكبرى" (٤٥/ ٨٠٧) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن محمد بن طريف، عن عائذ بن حبيب، بسند المصنف، وأخرجه ابن خزيمة، رقم (١٢٩٦) عن يوسف بن موسى، عن عائذ بن حبيب، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية تخليق المساجد، واتخاذ الخَلُوق له، وقد تقدم حديث جابر ﵁ عند أبي داود،
[ ٩ / ١٤٢ ]
وفيه: "ثم قال: أروني عَبِيرًا، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته، فأخذه رسول الله -ﷺ-، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة، قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم".
ومنها: كون المرأة كالرجل في خدمة المساجد، فيشرع لها أن تقوم بتنظيفها.
ومنها: إزالة ما يستقذر من المسجد.
ومنها: أنه ينبغي للإمام أن يتفقد أحوال المساجد لتعظيمها، وصيانتها عن الأقذار.
ومنها: مشروعية الغضب عند رؤية المنكر.
ومنها: عظيم تواضع النبي -ﷺ-، فقد تقدم أنه حك البصاق بنفسه، ووضع الخلوق مكانه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ١٤٣ ]