أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الذكر عند دخول المسجد، وعند الخروج منه. فالمراد بالقول: الذكر، فيكون الكلام على حذف مضاف، أي مشروعية الذكر. والله تعالى أعلم.
٧٢٩ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلَانِيُّ بَصْرِيٌّ (^١) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ، وَأَبَا أُسَيْدٍ يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (سليمان بن عبيد الله) بن عمرو بن جابر الغيلاني (^٢) (المازني)، أبو أيوب البصري، صدوق، توفي سنة ٢٤٦، أو ٢٤٧ هـ، من [١١].
_________________
(١) قوله: بصري، هكذا وقع عند المصنف هنا وفي الكبرى بالتنكير، وله وجه صحيح، فيكون خبرًا المحذوف، أي هو بصري.
(٢) الغيلاني -بفتح المعجمة، وسكون التحتانية، نسبة إلى غيلان بن عبد الله. أفاده في "اللباب".
[ ٩ / ١٤٤ ]
قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة ٢٤٦ هـ، وفيمن مات سنة ٢٤٧ هـ، انفرد به مسلم والمصنف.
٢ - (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي البصري، ثقة من [٩]، تقدم في ٢/ ٣٢٧.
٣ - (سليمان) بن بلال التيمي مولاهم المدني، ثقة من [٨]، تقدم في ٣٠/ ٥٥٨.
٤ - (ربيعة) بن أبي عبد الرحمن التيمي مولاهم أبو عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقة فقيه مشهور، من [٥].
قال أبو زرعة الدمشقي، عن أحمد: ثقة، وأبو الزناد أعلم منه، وقال العجلي، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، أحد مفتيِّ المدينة. وقال مصعب الزبيري: أدرك بعض الصحابة، والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس بالدينة، وكان يحصى في مجلسه أربعون مُعْتَمّا، وعنه أخذ مالك. وقال الليث، عن يحيى بن سعيد: مما رأيت أحدًا أفطن منه. وقال الليث، عن عبيد الله بن عمر: هو صاحب معضلاتنا، وأعلمنا، وأفضلنا. وقال معاذ بن معاذ العنبري، عن سوار العنبري: ما رأيت أحدًا أعلم منه، قلت: ولا
[ ٩ / ١٤٥ ]
الحسن، وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا أهل العراق، تقولون: ربيعة الرأي، والله ما رأيت أحدًا أحفظ لسنةٍ منه. وقال ابن سعد: توفي سنة ١٣٦ هـ بالمدينة فيما أخبرني الواقدي، وكان ثقة كثير الحديث، وكانوا يتقونه لموضع الرأي. وقال يحيى بن معين وأبو داود: توفي بالأنبار، واتفقوا كلهم على سنة وفاته.
وقال مطرف: سمعت مالكًا يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. وقال ابن حبان في الثقات: توفي سنة ٣٣. وقال الباجي في رجال البخاري عنه: توفي سنة ٤٢، وجرت له محنة. قال أبو داود: كان الذي بين أبي الزناد وربيعة متباعدًا، وكان أبو الزناد وجيهًا عند السلطان، فأعان على ربيعة، فضرب، وحلقت نصف لحيته، فحلق هو النصف الآخر.
وقال الحميدي أبو بكر: كان حافظًا. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئًا، فنرى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه، فنفتيه، قال: فقال: أقعدوني، ثم قال: ويحك يا عبد العزيز لأن تموت جاهلًا خير من أن تقول في شيء بغير علم، لا، لا، ثلاث مرات. وقال أبو داود: قال أحمد: وأيش عند ربيعة من العلم. أخرج له الجماعة.
[ ٩ / ١٤٦ ]
٥ - (عبد الملك بن سعيد) بن سويد الأنصاري المدني، ثقة من [٣].
قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، قال الحافظ ﵀: وله رواية عن أبيه مذكورة في الطبراني وغيره، واستشهد أبوه بأحد، فكانت روايته عنه مرسلة، ولا يبعد أن يكون لعبد الملك رؤية. أخرج له الجماعة إلا البخاري والترمذي، له عندهم حديثان، أحدهما هذا، والآخر في قبلة الصائم. قاله في تت جـ ٦ ص ٣٩٥ - ٣٩٦.
٦ - (أبو حميد) الساعدي الأنصاري الصحابي المدني، قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد بن المنذر. وقيل: اسم جده مالك. وقيل: عمرو بن سعد بن المنذر بن سعد بن خالد بن ثعلبة ابن عمرو بن الخزرج. يقال: إنه عم سهل بن سعد الساعدي.
روى عن النبي -ﷺ-. وعنه إسحاق بن عبد الله بن عمر بن الحكم، وجابر بن عبد الله، وابن ابنه سعد بن المنذر بن أبي حميد، وعباس ابن سهل بن سعد الساعدي، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وعبد الملك بن سعيد بن سويد، وعمرو بن سليم الزرقي، وعروة بن الزبير، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي، ويزيد بن زيد الأنصاري.
قال الواقدي: توفي في آخر خلافة معاوية، أو أول خلافة يزيد. وقال خليفة وابن سعد وغيرهما: إن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد
[ ٩ / ١٤٧ ]
شهد أحدًا وما بعدها. أخرج له الجماعة.
٧ - (أبو أسيد) مالك بن ربيعة بن البَدَن (^١) بن عمرو بن عوف ابن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب أبو أسيد (^٢) الساعدي، شهد بدرًا والمشاهد كلها.
روى عن النبي -ﷺ-، وعنه أولاده: حمزة، والزبير، والمنذر، ومولاه علي بن عبيد، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل بن طلحة، وقرة بن أبي قرة، ويزيد بن زياد المدني مولى بني ساعدة. مات سنة ٦٠ هـ، وهو آخر من مات من البدريين فيما ذكر المدائني. وقال الواقدي وخليفة: مات سنة ٣٠ هـ.
قال ابن عبد البر: هذا اختلاف متباين. وقال غيره: مات سنة ٤٠ هـ. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو ومسلم، وعبد الملك بن سعيد، فلم يخرج له البخاري والترمذي، وأنهم مدنيون، إلا شيخه وشيخ شيخه، فبصريان.
_________________
(١) البَدَن -بالموحدة، وفتح الدال المهملة، وكسرها.
(٢) أُسَيْد -بصيغة التصغير.
[ ٩ / ١٤٨ ]
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، ربيعة عن عبد الملك.
ومنها: أن عبد الملك ليس له عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، إلا حديثان، أحدهما هذا، والآخر في قبلة الصائم. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الملك بن سعيد) الأنصاري، أنه (قال: سمعت أبا حميد، وأبا أسيد) هكذا وقع عند المصنف هنا، وفي الكبرى بالعطف بالواو، وهي رواية لابن ماجه، وفي رواية له "عن أبي حميد"، ولم يذكر أبا أسيد، ووقع عند مسلم، وأبي داود "سمعت أبا حميد، أو أبا أسيد" بالشك.
(يقولان: قال رسول الله -ﷺ-: إِذا دخل أحدكم المسجد) الظاهر أنه يقول هذا الذكر مع دخوله، فيكون المعنى: إذا شرع في الدخول، ويحتمل أن يكون المعنى: أي أراد الدخول (فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك) وعند أبي داود من رواية عبد العزيز الدراوردي، عن ربيعة، زيادة السلام على النبي -ﷺ-، ثم ليقل: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك".
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر من الأمر في قوله: "فليقل"
[ ٩ / ١٤٩ ]
الوجوب، إذ لا صارف له إلى الاستحباب، ولم أر من نَبَّه عليه. والله أعلم.
(وإِذا خرج فليقل: اللهم إِني أسألك من فضلك) أي من رزقك الحلال. وخصت الرحمة بالدخول، والفضل بالخروج؛ لأن المسجد محل رحمة الله ومغفرته، وخارج المسجد محل طلب الرزق، فشرع لكلٍّ أن يدعو ربه بما يناسب حاله. والله أعلم.
وقال ولِيُّ الله الدهلوي رحمه الله تعالى في حجة الله البالغة: الحكمة في تخصيص الداخل بالرحمة، والخارج بالفضل أن الرحمة في كتاب الله أريد بها النعم النفسانية، والأخروية، كالولاية والنبوة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، والفضل على النعم الدنيوية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، ومن دخل المسجد إنما يطلب القرب من الله تعالى، والخروج وقت ابتغاء الرزق. اهـ.
وقال ابن رسلان ﵀: سؤال الفضل عند الخروج موافق لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، يعني الرزق الحلال، وقيل: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هو طلب العلم، والوجهان متقاربان؛ فإن العلم من رزق الله تعالى؛ لأن الرزق لا يختص بقوت البدن، بل يدخل فيه قوت الأرواح،
[ ٩ / ١٥٠ ]
والأسماع، وغيرها. وقيل: فضل الله عيادة المريض، وزيارة أخ صالح. انظر المنهل العذب جـ ٣ ص ٧٤ - ٧٥. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي حميد، وأبي أسيد ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف ﵀.
أخرجه هنا (٣٦/ ٧٢٩)، و"الكبرى" في "الصلاة" (٣٦/ ٨٠٨) - وفي "عمل اليوم والليلة" -١٠٠٠٥ - عن سليمان بن عبيد الله الغيلاني، عن أبي عامر العقدي، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عنهما. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة، عن عبد الملك، عن أبي حميد، أو أبي أسيد به. قال مسلم: سمعت يحيى يقول: كتبت هذا الحديث من كتاب سليمان بن بلال، قال: بلغني أن يحيى الحِمَّاني يقول: وأبي أسيد.
وأخرجه عن حامد بن عمر البكراوي، عن بشر بن المفضل، عن عمارة بن غزية، عن ربيعة، به.
[ ٩ / ١٥١ ]
تنبيه:
قول مسلم ﵀: سمعت يحيى يقول: كتبت … إلخ: يعني أن الحماني يقول عن سليمان المذكور: عن أبي حميد، وأبي أسيد، بواو العطف، وأن يحيى بن يحيى رواه بأو التي للتردد.
قال الحافظ ﵀ في "نتائج الأفكار" جـ ١ ص ٢٧٦ - ٢٧٧: ولم ينفرد الحماني بذلك، فقد أخرجه أحمد، عن أبي عامر العقدي، عن سليمان بواو العطف أيضًا، وكذا أخرجه النسائي، وأبو يعلى، وابن حبان من رواية سليمان، ولم ينفرد به سليمان أيضًا، بل جاء من رواية عمارة بن غزية أيضًا.
أخرجه الطبراني في "الدعاء"، عن زكريا الساجي، عن أحمد بن سعيد، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمارة بن غزية، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الملك بن سعيد، يقول: سمعت أبا حميد، وأبا أسيد ﵄ [يقولان: قال] رسول الله -ﷺ- … الحديث. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب. اهـ.
وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن عثمان الدمشقي، عن الدراوردي، عن ربيعة بإسناده، وتقدم لفظه.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن عمرو بن عثمان الحمصي، وعبد الوهاب بن الضحاك، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن
[ ٩ / ١٥٢ ]
عمارة بن غزية، لكن قال: عن أبي حميد، ولم يذكر أبا أسيد. بلفظ أبي داود المتقدم. والله أعلم.
المسأله الرابعة: يستفاد من حديث الباب مشروعية طلب الرحمة من الله تعالى عند دخول المسجد، وطلب الفضل منه عند الخروج منه.
وقد وردت أحاديث فيما يقال في دخول المسجد والخروج منه.
فمنها: حديث الباب، وزاد في رواية أبي داود -كما تقدم- في أوله: "فليسلم، ثم ليقل" … ولفظ الطبراني: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من المسجد، فليسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب فضلك".
وأخرجه أيضًا أبو عوانة في صحيحه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمارة بن غزية، بإسناد الطبراني، كما تقدم. وأخرجه أيضًا أبو عوانة من رواية عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عن الدراوردي، فقال في روايته، عن أبي حميد: "أن النبي -ﷺ- كان يقول، إذا دخل المسجد: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وسهل لي أبواب رزقك".
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي -ﷺ-، ثم ليقل: اللهم
[ ٩ / ١٥٣ ]
افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من المسجد، فليسلم على النبي -ﷺ-، وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم". أخرجه المصنف في اليوم والليلة، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.
ووقع في رواية النسائي "باعدني" وفي نسخة "أعذني" وفي رواية ابن خزيمة، وابن حبان "أجرني"، ورجال هذا الحديث من رجال الصحيح، لكن أعله النسائي، فأخرجه من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، أنه قال له: أوصيك باثنين، فذكر هذا الحديث بنحوه.
ومن طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب كذلك. قال النسائي: ابن أبي ذئب أثبت عندنا من الضحاك بن عثمان، ومن محمد بن عجلان، وحديثه أولى بالصواب.
قال الحافظ: ورواية ابن عجلان أخرجها عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في مصنفيهما كذلك، وأخرجه عبد الرزاق، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري أن كعبًا قال لأبي هريرة، فذكره، فهؤلاء ثلاثة خالفوا الضحاك في رفعه، وزاد ابن أبي ذئب في السند راويًا، وخفيت هذه العلة على من صحح الحديث من طريق الضحاك.
وفي الجملة هو حسن لشواهد، والله أعلم. انظر "نتائج الأفكار"
[ ٩ / ١٥٤ ]
جـ ١ ص ٢٧٩ - ٢٨٠.
ومنها: حديث عبد الله بن عمرو ﵄، أخرجه أبو داود، عن إسماعيل بن بشر بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح، قال: لقيت عقبة ابن مسلم، فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -ﷺ-، أنه كان يقول إذا دخل المسجد: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم"، قال: أقط؟ قلت: نعم، قال: "فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم".
قال الحافظ ﵀: هذا حديث حسن غريب، ورجاله موثقون، وهم من رجال الصحيح، إلا إسماعيل وعقبة، ومعنى قوله: "أقط"؟: أما بلغك إلا هذا خاصة، والهمزة للاستفهام، والمشهور في طاء "قط" التخفيف. والله أعلم.
ومنها: حديث عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ-، قالت: كان رسول الله -ﷺ- إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك". أخرجه الإِمام أحمد عن إسماعيل بن علية، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الله
[ ٩ / ١٥٥ ]
ابن الحسن، قال إسماعيل: فلقيت عبد الله بن الحسن، فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: كان إذا دخل قال: "رب افتح لي أبواب رحمتك"، وإذا خرج قال: "رب افتح لي أبو اب فضلك"، وهكذا أخرجه الترمذي عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن علية.
قال الترمذي: حديث فاطمة حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك جدتها فاطمة الكبرى؛ لأنها عاشت بعد النبي -ﷺ- أشهرًا.
قال الجامع عفا الله عنه:
فتحسين الترمذي مع كونه منقطعًا لشواهده، وصححه الشيخ الألباني. انظر صحيح الترمذي جـ ١ ص ١٠٢. والله أعلم.
وأخرجه الطبراني بلفظ: "كان رسول الله -ﷺ- إذا دخل المسجد حمد الله وسمى، وقال: "اللهم اغفر لي، وافتح لي أبواب رحمتك" وإذا خرج قال مثل ذلك، وقال: "اللهم افتح لي أبواب فضلك"، ورجال السند -كما قال الحافظ- ثقات، لكن فيه الانقطاع الذي ذكره الترمذي.
قال الحافظ: ووقع لنا ذكر الصلاة على النبي -ﷺ- في هذا الحديث من وجه آخر، ثم ساقه بإسناده إلى عبد الرزاق، عن قيس بن الربيع، عن عبد الله بن الحسن بإسناده: "كان رسول الله -ﷺ- إذا دخل المسجد قال: اللهم صل على محمد، وسلم، واغفر لي ذنوبي، وافتح لي
[ ٩ / ١٥٦ ]
أبواب رحمتك" وإذا خرج قال مثلها، لكنه يقول: "أبواب فضلك".
وقال أيضًا: ووقع لنا من وجه آخر فيه الحمد، والتسمية، والصلاة، والتسليم، ثم ساقه بإسناده إلى أبي بشر الدولابي، عن محمد بن عوف، عن موسى بن داود، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عبد الله بن الحسن، بإسناده: "كان رسول الله -ﷺ-، إذا دخل المسجد، قال: بسم الله، والحمد لله، وصلى الله على النبي وسلم، اللهم اغفر لي" فذكر مثل الذي قبله، لكن قال: "سهل" بدل "افتح" في الموضعين، ورواة هذا الإسناد ثقات، إلا أن فيه الانقطاع الذي تقدم ذكره.
ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من مرسل أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا دخل المسجد قال: "السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم أجرني من الشيطان، ومن الشر كله". قال الحافظ ﵀: ورجاله ثقات، ليس فيه الإرسال، والله أعلم. انظر نتائج الأفكار جـ ١ ص ٢٨٨ - ٢٨٩.
قال الجامع عفا الله عنه: ينبغي للمسلم أن يلازم هذه الأذكار في دخول المسجد وخروجه، فإن تيسر له أن يقول كلها، فحسن، وإلا فليقل منها ما تيسر له. ومن الغريب أن كثيرًا من طلاب العلم، فضلًا عن عامة الناس، لا يهتمون بمثل هذه الأذكار، وهو حرمان عظيم، فقد سبق في بعضها أنه حرز من الشيطان، حيث يقول
[ ٩ / ١٥٧ ]
الشيطان إذا سمع الإنسان يقوله: حُفِظَ مني سائر اليوم، وهذا فضل عظيم. ألهمنا الله تعالى الاقتداء بحبيبه -ﷺ- في أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا، إنه ولي ذلك. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤].
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ١٥٨ ]