أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الرخصة في الجلوس في المسجد، والخروج منه بغير أداء صلاة.
ومحل الاستدلال قول كعب ﵁: "فجئت حتى جلست بين يديه"، حيث إنه جلس بغير صلاة، وقوله: "فقمت، فمضيت" حيث خرج بغير صلاة أيضًا، ولم يأمره النبي -ﷺ- بها، كما أمر غيره.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن هذا الاستدلال محل نظر، إذ يحتمل أن يكون صلى قبل مجيئه إلى مجلس رسول الله -ﷺ-، إلا أن المصنف رحمه الله تعالى يرى أن احتمال عدم الصلاة أقوى من هذا الاحتمال، تمسكًا بظاهره. والله أعلم.
٧٣١ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قَالَ: وَصَبَّحَ
[ ٩ / ١٨٣ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعًا وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَ". فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟! ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ لِتَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشَكُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُسْخِطُكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ
[ ٩ / ١٨٤ ]
تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ". فَقُمْتُ فَمَضَيْتُ … مُخْتَصَرٌ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (سليمان بن داود) بن حماد المهري، أبو الربيع المصري، ابن أخي رِشْدين بن سعد، ثقة، توفي سنة ٢٥٣ من [١١]، أخرج له أبو داود والنسائي، وتقدم في ٣٦/ ٧٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله أبو محمد المصري، ثقة ثبت عابد، من [٩] تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت من [٧]، تقدم في ٩/ ٩.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإِمام الحجة المثبت من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (عبد الرحمن بن كعب بن مالك) الأنصاري السلمي، أبو الخطاب المدني، ثقة من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبي -ﷺ-.
ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الهيثم بن عدي: مات في خلافة سليمان بن عبد الملك. وقال ابن سعد: كان ثقة، وهو أكثر حديثًا من
[ ٩ / ١٨٥ ]
أخيه، وتوفي في خلافة سليمان. وكذا ذكر خليفة، ويعقوب بن سفيان، وغير واحد. وذكره العسكري فيمن ولد على عهد النبي -ﷺ-، ولم يرو عنه شيئًا. وقال أحمد بن صالح: لم يسمع الزهري من عبد الرحمن بن كعب شيئًا، إنما روى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. ولم يذكره النسائي في شيوخ الزهري، إنما ذكر ابن أخيه حسبُ. أخرج له الجماعة.
قال الجامع عفا الله عنه: قول أحمد بن صالح يرده تصريح الزهري في سند المصنف بقوله: أخبرني. والله أعلم.
٦ - (عبد الله بن كعب) بن مالك الأنصاري السلمي المدني، كان قائد أبيه حين عمي، ثقة، يقال: له رؤية.
قال أبو زرعة: ثقة. ؤذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات في ولاية سليمان سنة ٩٧ - أو ٩٨ - وقال ابن سعد: سمع من عثمان، وكان ثقة، وكنَّاه أبا فضالة. وقال العجلي: مدني ثقة. وذكر البخاري أنه روى عن عمر. وذكره العسكري فيمن لحق النبي -ﷺ-. وقال أبو القاسم البغوي: قال الواقدي: ولد على عهد النبي -ﷺ-. أخرج له الجماعة، إلا الترمذي.
٧ - (كعب بن مالك) بن أبي كعب، واسمه عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السَّلمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو بشير المدني
[ ٩ / ١٨٦ ]
الشاعر.
روى عن النبي -ﷺ-، وعن أسيد بن حضير. وعنه أولاده: عبد الله، وعبيد الله، ومحمد، ومعبد، ومعبد الرحمن، وابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الله، وابن عباس، وجابر، وأبو أمامة الباهلي، وعمر بن الحكم بن ثوبان،. وعمر بن الحكم بن رافع، وعمر بن كثير بن أفلح، وعلي بن أبي طلحة، وأبو جعفر الباقر، ولم يدركاه.
قال ابن الكلبي: شهد بدرًا، كذا قال. وقد صح عن كعب أنه قال: تخلفت عن بدر. وقال الهيثم بن عدي: توفي سنة ٥١. وقال ابن البرقي: مات قبل الأربعين. وذكر ابن حبان أنه مات أيام قتل علي. وقال الواقدي: سنة ٥٠. وقال ابن عون، عن ابن سيرين: كان ثلاثة من الأنصار يهاجون عن رسول الله -ﷺ-: حسان، وابن رواحة، وكعب بن مالك. وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]. وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة. وقال ابن سعد: آخى النبي -ﷺ- بينه وبين الزبير، وقيل: طلحة. أخرج له الجماعة. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخه،
[ ٩ / ١٨٧ ]
فانفرد هو به، وأبو داود، وعبد الله بن كعب، فما أخرج له الترمذي.
ومنها: أن الثلاثة الأولين مصريون، فيونس، وإن كان أيليًا، إلا أنه نزل مصر، والباقون مدنيون.
ومنها: أن كعبًا، وولديه، هذا أول محل ذكرهم من الكتاب.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ ابن شهاب، وعبد الرحمن بن كعب، وعبد الله بن كعب.
ومنها: أن فيه رواية الأخ عن أخيه، والابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الأخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع. والله أعلم.
شرح الحديث
(قال ابن شهاب) الزهري: (وأخبرني عبد الرحمن بن كعب ابن مالك) هكذا في رواية المصنف هنا وفي "الكبرى" "عبد الرحمن بن كعب بن مالك"، وسيأتي للمصنف برقم -٣٤٢٢، و٣٤٢٣، و٣٤٢٤، و٣٤٢٥ - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وهي رواية البخاري في "المغازي". قال الحافظ ﵀: قوله: "عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب" ما نصه: كذا عند الأكثر، ووقع عن الزهري في بعض هذا الحديث رواية عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وهو عم عبد الرحمن بن عبد الله
[ ٩ / ١٨٨ ]
الذي حدث به عنه هنا، وفي رواية عن عبد الله بن كعب، نفسه. قال أحمد بن صالح فيما أخرجه ابن مردويه: كان الزهري سمع هذا القدر من عبد الله بن كعب نفسه، وسمع هذا الحديث بطوله من ولده عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وعنه أيضًا رواية عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب، عن عمه عبيد الله بالتصغير. ووقع عند ابن جرير من طريق يونس، عن الزهري في أول الحديث بغير إسناد، قال الزهري: غزا رسول الله -ﷺ- تبوك، وهو يريد نصارى العرب، والروم بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بضع عشرة ليلة، ولقيه بها وقد أذرح، ووفد أيلة، فصالحهم رسول الله -ﷺ- على الجزية، ثم قفل من تبوك، ولم يجاوزها، وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]، والثلاثة الذين خُلِّفُوا رهط من الأنصار في بضعة وثمانين رجلًا، فلما رجع صدقه أولئك، واعترفوا بذنوبهم، وكَذَبَ سائرهم، فحلفوا ما حبسهم إلا العذر، فقبل ذلك منهم، ونهى عن كلام الذين خلفوا. قال الزهري: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. فساق الحديث بطوله. اهـ "فتح الباري" جـ ٨ ص ٤٥٦.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي وقع عند ابن جرير بغير إسناد في أوله وقع نحوه عند مسلم. انظر "صحيح مسلم" جـ ٨ ص ١٠٦.
ثم الظاهر مما ذكر أن الزهري يروي هذا الحديث عن الثلاثة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه عن كعب، وهي رواية
[ ٩ / ١٨٩ ]
الأكثرين، وعن عبد الله بن كعب، عن كعب، وعن عبد الرحمن بن كعب، عن أخيه عبد الله بن كعب، كما هي رواية المصنف، ويرويه أيضًا عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن عمه عبيد الله بن كعب، عن كعب، كما يأتي للمصنف (٣٤٢٥) إن شاء الله تعالى.
(أن عبد الله بن كعب) زاد في رواية الشيخين "وكان قائد كعب من بنيه حين عمي"، وفي رواية لمسلم من رواية معقل بن عبيد الله، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عمه عبيد الله بن كعب، وكان قائد كعب حين أصيب بصره، وكان أعلم قومه، وأوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله -ﷺ-.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن عبد الله، وعبيد الله كانا يقودان أباهما بالتناوب، دون سائر بنيه. والله أعلم.
(قال: سمعت كعب بن مالك، يحدث) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، أو مفعول ثان على رأي من يقول: إن "سمع" تتعدى إلى مفعولين (حين تخلف) مفعول به ليحدث، وليس منصوبًا على الظرفية له؛ لأن التحديث لم يقع فيه، وإنما وقع بعده بزمان، فهو واقع عليه، لا فيه، فهو مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
والتخلف: التأخر، يقال: تخلف عن القوم: إذا قعد عنهم، ولم يذهب معهم. قاله في المصباح.
[ ٩ / ١٩٠ ]
(عن رسول الله -ﷺ-) متعلق بتخلف، وكذا قوله: (في غزوة تبوك) بفتح التاء، وضم الباء الموحدة، وسكون الواو، آخره كاف. مكان معروف. قيل: سميت تبوك بالعين التي أمر النبي -ﷺ- الناس أن لا يَحْسُوا من مائها شيئًا، فسبق إليها رجلان، وهي تَبِضُّ بشيء من ماء، فجعلا يُدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها، فسبهما رسول الله -ﷺ-، وقال لهما: فيما ذكر القتبي: "ما زلتما تبوكانها منذ اليوم"، قال القتبي: فبذلك سميت تبوك، والتبوك، كالنَّقش، والحَفْر في الشيء. ويَرُدُّ هذا ما رواه مسلم: أن النبي -ﷺ- قال: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لا تأتونها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي". فهذا رسول الله -ﷺ- سماها تبوك قبل أن يأتيها. وفي رواية ابن إسحاق، فقال: -يعني النبي -ﷺ-: "من سبق إليها؟ " قالوا: يا رسول الله فلان، وفلان، وفلان. وفي رواية الواقدي: سبقه إليها أربعة من المنافقين: مُعَتِّب بن قُشَير، والحارث بن يزيد الطائي، ووديعة بن ثابت، ويزيد بن لصيت.
وبينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة. وقال الكرماني: تبوك موضع بالشام. قال في عمدة القاري: فيه نظر؛ لأن أهل تقويم البلدان، قالوا: تبوك بُلَيْدة بين الحجر والشام، وبها عين ونخيل. وقيل: كان أصحاب الأيكة بها. والمشهور ترك الصرف للتأنيث والعلمية، وجاء في البخاري. "حتى بلغ تبوكًا" تغليبًا للموضع.
[ ٩ / ١٩١ ]
وغزوة تبوك -وتسمى غزوة العسرة- آخر غزوة غزاها رسول الله -ﷺ- بنفسه. وقال ابن سعد: خرج إليها رسول الله -ﷺ- في رجب سنة تسع يوم الخميس، قالوا: بلغه -ﷺ- أن الروم قد جمعت جموعًا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت لَخْم، وجُذَام، وعاملة، وغسان، وقَدَّمُوا مقدماتهم إلى البَلْقاء، فَنَدَبَ رسول الله -ﷺ- الناس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وذلك في حرٍّ شديد، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، وهو أثبت عندنا. وقال أبو عمر: الأثبت عندنا علي ابن أبي طالب ﵁.
وقال ابن سعد: فلما سار تخلف ابن أبَيّ، ومن كان معه، فقدم -ﷺ- تبوك في ثلاثين ألفًا من الناس، وكانت الخيل عشرة آلاف، وأقام بها عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولحقه بها أبو ذر، وأبو خيثمة، ثم انصرف رسول الله -ﷺ-، ولم يلق كيدًا، وقَدِمَ في شهر رمضان سنة تسع. وقال ابن الأثير في كتاب الصحابة عن أبي زرعة الرازي: شهد معه تبوك أربعون ألفًا. وفي كتاب الحاكم عن أبي زرعة: سبعون ألفًا. ويجوز أن يكون عد مرة المتبوع، ومرة التابع.
وقال البيهقي: وقد رُوِي في سبب خروجه -ﷺ- إلى تبوك، وسبب رجوعه خبر إن صح. ثم ذكر من حديث شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود أتوا رسول الله -ﷺ-، فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا أنك نبي فالْحَقْ بالشام، فإنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فصَدَّقَ ما قالوا، فغزا غزوة
[ ٩ / ١٩٢ ]
تبوك، لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ إلى قوله ﴿تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦، ٧٧]، وأمره بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها مَحْياك، وفيها مماتك، ومنها تبعث. الحديث. وهو مرسل بإسناد حسن. اهـ. عمدة القاري جـ ١٤ ص ٣٧٧، ٣٧٨.
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث أخرجه البيهقي ﵀ في "دلائل النبوة"ج ٥ ص ٢٥٤.
وقوله: مرسل حسن، من كلام العيني، لا من كلام البيهقي. وفي تحسينه نظر، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي -ﷺ- لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وغزاها ليقتص، وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه. والله أعلم. انظر "تفسير ابن كثير" جـ ٣ ص ٥٧.
(قال) كعب: (وصبح رسول الله -ﷺ-) بتشديد الباء، من التصبيح، أي نزل صباحًا، وللبخاري: "وأصبح رسول الله -ﷺ-"، أي صار، فقوله: (قادمًا) حال على الأول، وخبر على الثاني؛ لأن
[ ٩ / ١٩٣ ]
"أصبح" تعمل عمل "كان"، أي نزل المدينة حال كونه قادمًا من تبوك، أو صار قادمًا منها (وكان) -ﷺ- (إِذا قدم) بكسر الدال (من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس) فيه استحباب البداءة بالمسجد قبل البيت لمن قَدمَ من سفر، والجلوس للزائرين تسهيلًا عليهم، ورفقًا بهم. ولفظ أحمد من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب: "لا يقدم من سفر إلا في الضحى، فيبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، ويقعد"، وفي رواية ابن أبي شيبة: "ثم يدخل على أهله". وللطبراني: "كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم يثني بفاطمة، ثم يأتي أزواجه"، وفي لفظ: "ثم بدأ ببيت فاطمة، ثم أتى بيوت نسائه". أفاده في "الفتح". جـ ٨ ص ٤٥٩.
(فلما فعل ذلك) أي ما ذكر من أداء ركعتين في المسجد، وجلوسه فيه للناس (جاءه المُخَلَّفُون) بصيغة اسم المفعول، والُمخَلَّف -كما قال الجوهري-: المتروك؛ أي خلَّفهم الله، وثبطهم، أو خلفهم رسول الله -ﷺ- والمؤمنون لمَّا علموا تثاقلهم عن الجهاد. قولان. انظر تفسير القرطبي جـ ٨ ص ١١٦.
والمراد بهم هنا: الذين تأخروا عن الذهاب مع رسول الله -ﷺ- إلى تبوك.
(فطفقوا يعتذرون إِليه) قال المجد ﵀: وطفق يفعل كذا، كفرح، وضرب، طفْقًا، وطفوقًا: إذا واصل الفعل، خاص بالإثبات،
[ ٩ / ١٩٤ ]
لا يقال: ما طفق. اهـ "ق". و"طفق" من أفعال الشروع التي ترفع المبتدأ، وتنصب الخبر، ويكون خبرها مضارعًا، ولا يجوز اقترانه بأن كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى:
… وَتَرْكُ أنْ مَعْ ذِي الشُّرُوع وَجَبَا
كَأنْشَأ السَائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ … كذَا جَعَلْتُ وَأخَذْتُ وَعَلِقْ
وجملة "يعتذرون في محل نصب خبرها. يعني أنهم شرعوا يقيمون العذر إلى النبي -ﷺ- في تأخرهم عن المسير معه إلى تبوك.
(ويحلفون له) أي يُقْسمُونَ بالله على عدم قدرتهم على الخروج معهم. والجملة عطف على "يعتذرون"، أو في محل نصب على الحال من الفاعل، بتقدير مبتدأ، كما قال ابن مالك أيضًا:
وَذاتُ بَدْءٍ بِمُضَارع ثَبَتْ … حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاو خَلَتْ
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا … لَهُ المُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
أي وهم يحلفون له.
(وكانوا بضعًا وثمانين رجلًا) قال الفيومي ﵀: و"بضع" في العدد بالكسر، وبعض العرب يفتح، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب: من الأربعة إلى التسعة. اهـ. وقال المجد ﵀: البضع ما بين العَقْدين، من واحد إلى عشرة، ومن أحد عشر إلى عشرين. ومع المذكر بهاء، ومعها بغير هاء يقال: بضعة
[ ٩ / ١٩٥ ]
وعشرون رجلًا، وبضع وعشرون امرأة، ولا يعكس، أو البضع غير محدود؛ لأنه بمعنى القطعة. اهـ "ق".
والمراد أنهم كانوا أكثر من ثمانين وأقل من تسعين. قال في "الفتح" جـ ٨ ص ٤٥٩ -: ذكر الواقدي أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المُعَذَّرين من الأعراب كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجلًا من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبَيّ ومن أطاعه من قومه كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عددًا أكثر.
(فقبل رسول الله -ﷺ- علانيتهم) أي ظاهرهم (وبايعهم) أي جدد البيعة لهم (واستغفر لهم) لِمَا حصل لهم من التقصير بسبب التخلف (ووَكَلَ) بفتح الواو، وتخفيف الكاف، يقال: وَكَلْت الأمر إليه وَكْلًا، من باب وَعَدَ، ووُكُولا: فوَّضته إليه، واكتفيت به. قاله في المصباح.
(سرائرهم) أي بواطن أمورهم (إِلى الله ﷿) لأنه العليم بذات الصدور، وأما هو -ﷺ- فلا يعلم ما في القلوب، إلا بالوحي، وإنما يحكم بالظاهر. فقد روت أم سلمة ﵂: أن النبي -ﷺ- قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار". أخرجه الجماعة.
(حتى جئت، فلما سلمت تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المغضَب) بفتح الضاد المعجمة، أي كتبسم الرجل الذي أغضبه شيء.
[ ٩ / ١٩٦ ]
قال في "الفتح" جـ ٨ ص ٤٦٠: وعند ابن عائذ في المغازي: "فأعرض عنه، فقال: يا نبي الله لِمَ تُعرِض عني؟ فوالله ما نافقت، ولا ارتبت، ولا بدلت، قال: فما خلفك"؟.
والظاهر أنه ما رد ﵇، ففيه مشروعية عدم رد السلام على العاصي، زجرًا له وعقوبة.
(ثم قال: تعال) فعل أمر من تَعَالى، يَتَعالى، تَعَالِيًا: إذا ارتفع. وأصله -كما قال الفيومي- أن الرجل العالي كان ينادي السافل، فيقول: تعالَ، ثم كثر في كلامهم حتى استعمل بمعنى "هَلُمَّ" مطلقًا، سواء كان موضع المدعوّ أعلى، أو أسفل، أو مساويًا، فهو في الأصل لمعنى خاص، ثم استعمل في معنى عام، ويتصل به الضمائر باقيًا على فتحه، فيقال: تعالَوْا، تعالَيا، تعالَين، وربما ضمت اللام مع جمع المذكر السالم، وكسرت مع المؤنثة.
(فجئت حتى جلست بين يديه) أخذ منه المصنف ﵀ أنه جلس بلا صلاة، وهو وإن كان يحتمل أنه صلى قبل الجلوس، إلا أن الأول أظهر الاحتمالين بقرينة أنه وصف مجيئه، وسلامه على النبي -ﷺ-، وجلوسه بين يديه، ووصف صلاة النبي -ﷺ- حين دخل المسجد ركعتين، فَتَرْكُه لذكر تحية المسجد مما يقوي احتمال أنه جلس بدون صلاة، فيكون من جملة صوارف الأمر في قوله: "فليركع ركعتين قبل أن يجلس" إلى الاستحباب. والله أعلم.
[ ٩ / ١٩٧ ]
(فقال لي: ما خلَّفك؟) أيْ أيُّ شيء حملك على التأخر من الغزو؟ وفيه أنه ينبغي للإمام إذا رأى من بعض رعيته مخالفة، أن لا يبادر في عتابه وتوبيخه، بل يسأله عن سبب مخالفته، فلعله يكون له عذر (ألم تكن ابتعت ظهرك) أي اشتريت راحلتك. قال ابن منظور ﵀: والظهر: الركاب التي تحمل الأثقال في السفر لحملها إياها على ظهورها، وبنو فلان مظهرون إذا كان لهم ظهر ينقُلُون عليه، كما يقال: منْجِبون إذا كانوا أصحاب نجائب، وقال أيضًا: والظهر: الإبل التي يُحمل عليها ويُركب، يقال: عند فلان ظهر، أي إبل، وتجمع على ظُهْران بالضم. اهـ "لسان" باختصار.
(فقلت: يا رسول الله، إِني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني ساخرج من سخطه) بفتحتين، كالغضب، وزنًا ومعنى، والسُّخْط -بضم فسكون- اسم منه. يقال: سَخِطَ، سَخَطًا، من باب تعب، ويتعدى بنفسه، وبالحرف، فيقال: سخِطته، وسَخِطت عليه، وأسخطته، فسَخِطَ، مثل أغضبته، فغَضِبَ، وزنًا ومعنى. قاله في المصباح.
(ولقد أعطيت) بالبناء للمفعول (جَدَلًا) مفعول ثان لأعْطِيَ. والجَدَل -بفتحتين-: اللَّدَدُ في الخصومة، والقدرة عليها، وقد جادل، مُجادلة، وجِدالًا، ورجل جَدِلٌ، ومِجْدل، ومِجْدال: شديد الجَدَل. قاله في اللسان.
وفي المصباح: جدِلَ الرجل جَدَلًا، فهو جَدِل، من باب تعب: إذا
[ ٩ / ١٩٨ ]
اشتدت خصومته، وجادَلَ مجادلة، وجِدالا: إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق، ووضوح الصواب، هذا أصله، ثم استعمل على لسان حَمَلَة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق، وإلا فمذموم، ويقال: أول من دَوَّن الجدَلَ أبو عليّ الطبري. اهـ.
وأراد كعب هنا أنه أعطي فصاحة، وقوة كلام بحيث يخرج عن عهدة ما ينسب إليه بما يقبل، ولا يرد.
فجملة القسم بمنزلة التعليل لقوله: لرأيت أني سأخرج إلخ.
(ولكن والله لقد علمت) أي أيقنت (لئن حدثتك اليوم) أي في هذا اليوم، قال للعهد الحضوري، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ويحتمل أن يكون المراد به الدنيا، ويؤيده قوله عند البخاري: "بماذا أخرج من سخطه غدًا" (حديث كذب) من إضافة العام إلى الخاص (لترضى به عني، ليوشك الله ﷿ يسخطك علي) أي بما ينزله من الوحي بفضيحته، كما فعل بالمنافقين (ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي) بكسر الجيم: أي تغضب عليّ. يقال: وجَد عليه، من باب وَعَدَ، مَوْجدَةً: إذا غضب. والجملة في محل نصب صفة حديث (فيه) أي بسببه، ففي سببية (إِني لأرجو) أي أأمِّلُ، أو أريد، يقال: رجوته، أرجوه، رُجُوًّا، على فُعُول:
[ ٩ / ١٩٩ ]
أمَّلْته، أو أردته، قال الله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي لا يريدونه، والاسم الرجاء بالمد، ورجَيته، أرْجِيه، من باب رَمَى لغة. قاله في المصباح (عفو الله ﷿) بالنصب مفعول أرجو.
(والله ما كنت قط) قال في "ق": وما رأيته قَطُّ -بفتح القاف وضم الطاء المشددة- ويضمان، ويخففان، وقَطِّ، بالتشديد مجرورة: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري. وقال أيضًا: وتختص بالنفي ماضيًا، وتقول العامة: لا أفعله قطُّ، وفي مواضع من البخاري جاء بعد المثبت، منها في الكسوف: "أطول صلاة صليتها قط". وفي سنن أبي داود: "توضأ ثلاثًا قطُّ". وأثبته ابن مالك في الشواهد لغة، قال: وهي مما خفي على كثير من النحاة. اهـ.
ونظم شيخنا عبد الباسط بن محمد المِنَاسِيّ ﵀ لغات "قط" المذكورة، فقال [من الرجز]:
وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قَطُ قَطْ
(أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله -ﷺ-: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك فقمت، فمضيت) أخذ المصنف رحمه الله تعالى منه جواز الخروج من المسجد دون أن يصلي ركعتين، فيكون من جملة صوارف الأمر إلى الاستحباب أيضًا.
[ ٩ / ٢٠٠ ]
(مختصر) خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا مختصر. يعني أن حديث كعب بن مالك ﵁ المذكور هنا مختصر من حديثه الطويل. وقد ساقه الشيخان رحمهما الله تعالى في "صحيحيهما" بطوله؛ البخاري في "المغازي"، ومسلم في "التوبة".
قال البخاري ﵀ في "صحيحه" جـ ٦ ص ٣: حديث كعب ابن مالك، وقول الله ﷿: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨].
حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله ابن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول -ﷺ- في غزوة غزاها، إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يُعَاتَب أحد تخلف عنها، إنما خرج رسول الله -ﷺ- يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله -ﷺ- ليلة العقبة حين تواثقنا على الإِسلام، وما أحب أن لي بها مَشْهَد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى، ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله -ﷺ- يريد غزوة إلا
[ ٩ / ٢٠١ ]
وَرَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله -ﷺ- في حرّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوز، وعَدُوًا كثيرًا، فجَلَّى للمسلمين أمرهم ليَتَأهَّبُوا أهْبَة غَزْوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله -ﷺ- كثير، ولا يجمعهم كتابٌ حافظ -يريد الديوان- قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله -ﷺ- تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله -ﷺ- والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع، ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي، حتى اشتد الناس بالجدّ، فأصبح رسول الله -ﷺ- والمسلمون معه، ولم أقض من جَهَازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فَصَلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئًا، ثم غدوت، ثم رجعت، ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل، فأدْركهم، وليتني فعلت، فلم يُقَدَّر ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -ﷺ-، فطفقت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مَغْمُوصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله -ﷺ- حتى بلغ تبوك، فقال -وهو جالس في القوم بتبوك-: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سَلِمَة: يا رسول الله، حبسه برداه، ونظره في عطْفه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما عَلمنَا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله -ﷺ-، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلًا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول:
[ ٩ / ٢٠٢ ]
بماذا أخرج من سخطه غدًا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله -ﷺ- قد أظل قادمًا، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله -ﷺ- قادمًا، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخَلَّفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله -ﷺ- علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، وَوَكلَ سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَب، ثم قال: "تَعَالَ"، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خَلَّفَك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " فقلت: بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جَدَلًا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يُسخِطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى وأيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول -ﷺ-: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك"، فقمت، وثار رجال من بني سَلمَة، فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله -ﷺ- بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبَكَ استغفارُ رسول الله -ﷺ- لك، فوالله
[ ٩ / ٢٠٣ ]
ما زالوا يُؤنّبُوني، حتى أردت أن أرجع، فأكَذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مُرَارة بن الربيع العَمْريّ، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله -ﷺ- المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتَنَبَنَا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرتْ في نفسي الأرضُ، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي، فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج، فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله -ﷺ- فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام عليّ، أو لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل علي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوَّرْتُ جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إليّ فسلمت عليه، فوالله ما ردَّ عليّ السلام، فقلت يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله، فسكت، فقعدت له، فنشدته، فسكت، فقعدت له، فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسوَّرت الجدار، قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطِيّ من أنْبَاط أهل الشام، ممن قَدِمَ بالطعام يبيعة بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا
[ ٩ / ٢٠٤ ]
جاءني دفع إليّ كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هَوَان، ولا مَضْيَعَة، فالْحَقْ بنا نُوَاسِك، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التَّنُّور، فَسَجَرْتُه بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله -ﷺ- يأتيني، فقال: إن رسول الله -ﷺ- يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطَلِّقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها، ولا تقربها، وأرسل إلى صَاحِبَيّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي الْحقي بأهلك، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسولَ الله -ﷺ-، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه، قال: "لا، ولكن لا يَقْرَبْك"، قالت: إنه والله ما به حَرَكَة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسولَ الله -ﷺ- في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخْدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله -ﷺ-، وما يدريني ما يقول رسول الله -ﷺ- إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله -ﷺ- عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صُبْحَ خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت
[ ٩ / ٢٠٥ ]
صوت صارخ أوفَى على جبل سَلْعٍ بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فَرَج، وآذن رسول الله -ﷺ- بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَلَ صاحبيَّ مبشرون، وركض إليّ رجل فرسًا، وسعى ساع من أسلم، فأوفَى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبَيَّ، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين، فلبستهما، وانطلقت إلى رسول -ﷺ-، فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنُّوني بالتوبة، يقولون: لِتَهْنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله -ﷺ- جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يُهَرْوِل حتى صافحني، وهنّاني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله -ﷺ-، قال رسول الله -ﷺ- وهو يبرُقُ وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مَرَّ عليك منذ ولدتك أمك"، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: "لا، بل من عند الله"، وكان رسول الله -ﷺ- إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله، وإلى رسول الله، قال رسول الله -ﷺ-: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك" قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا
[ ٩ / ٢٠٦ ]
رسول الله، إن الله نجّاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيتُ، فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بَقِيتُ، وأنزل الله على رسوله -ﷺ-: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]، فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله -ﷺ- أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كَذَبُوا، فإن الله قال للذين كذَبُوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحد، فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]. قال كعب: وكنا تخَلَّفْنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول الله -ﷺ- حين حلفوا له، فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله -ﷺ- أمرنا حتى قَضَى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وليس الذي ذكر الله مما خُلّفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه. اهـ "صحيح البخاري" جـ ٦ ص ٣ - ٩. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
***
[ ٩ / ٢٠٧ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث كعب بن مالك ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٣٨/ ٧٣١) عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أخيه، عبد الله بن كعب، عن أبيه ﵁. و"الطلاق" (١٨/ ٣٤٢٢) عن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن كعب بقصة اعتزال امرأته. و(٣٤٢٣) عن محمد بن جَبَلَةَ، ومحمد بن يحيى، كلاهما عن محمد بن موسى بن أعين، عن أبيه، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، به. و(٣٤٢٤) عن يوسف بن سعيد، عن حجاج ابن محمد، عن الليث بن سعد، به. و(٣٤٢٥) عن محمد بن معدان، عن الحسن بن محمد بن أعين، عن مَعْقِل بن عبيد الله، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن عمه عبيد الله بن كعب، عن أبيه، به.
وأخرجه في "الكبرى" - في "الصلاة" (٣٨/ ٨١٠) بلفظ الباب. والسير (١١٧/ ٨٧٧٦) عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن
[ ٩ / ٢٠٨ ]
يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أخيه عبد الله بن كعب، عن أبيه ﵁ بلفظ: "صبح رسول الله -ﷺ- قادمًا المدينة، وكان إذا قدم من سفر أتى المسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس". وفي "السير" (١١٧/ ٨٧٧٥) عن عمرو بن علي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه عبد الله، وعمه عبيد الله بن كعب، كلاهما عن كعب بن مالك ﵁ بلفظ: "كان لا يقدم من سفر إلا نهارًا ضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه". و(٨٧٧٧) عن يوسف بن سعيد، عن حجاج ابن محمد، عن ليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن أبيه، عن كعب بنحوه. و(١١٨/ ٨٧٧٨) عن محمد بن معدان، عن الحسن بن محمد بن أعين، به بلفظ: "كان رسول الله -ﷺ- قلما يريد وجهًا إلا ورى بغيره حتى كانت غزوة تبوك، فقام رسول الله -ﷺ-، فجلى للناس فيها أمره، وأراد أن يتأهب الناس أهبة غزوهم". و(٨٧٧٩) عن محمد بن جبلة، ومحمد ابن يحيى بن محمد الحراني، كلاهما عن محمد بن موسى بن أعين، عن أبيه، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري به، بنحوه. و(١٢٣/ ٨٧٨٥) عن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن
[ ٩ / ٢٠٩ ]
جده، بقصة الخروج يوم الخميس. و(٨٧٨٦) عن محمد بن معدان، عن الحسن بن أعين، عن معقل، به بلفظ: "كان رسول الله -ﷺ- قلما يريد وجهًا إلا ورى بغيره، حتى كانت غزوة تبوك، فقام رسول الله -ﷺ- فجلى للناس فيها أمره، وأراد أن يتأهب الناس أهبة غزوهم، فأصبح رسول الله -ﷺ- غازيًا يوم الخميس". و(٨٧٨٧) عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، به، بلفظ: "قلما كان رسول الله -ﷺ- يخرج في سفر جهاد وغيره إلا يوم الخميس". والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
فأما حديث تخلفه في غزوة تبوك، وتوبة الله عليه … الحديث بطوله -منهم من اختصره- فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
فأخرجه البخاري في "الوصايا"، وفي "الجهاد"، وفي "صفة النبي -ﷺ-"، وفي "وفود الأنصار"، وموضعين من "المغازي"، وموضعين من "التفسير" و"الاستئذان"، و"الأحكام" مطولًا ومختصرًا عن يحيى بن بكير، عن ليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب ابن مالك، عن أبيه، عن كعب. وفي "التفسير" أيضًا عن محمد بن أحمد ابن أبي شعيب، عن موسى بن أعين، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، به.، وفي "النذور والأيمان" عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب -وعنبسة- كلاهما عن يونس، عن الزهري، به. وفي وفود الأنصار عن أحمد بن صالح، عن عنبسة بإسناده.
وأخرجه مسلم في "التوبة" عن أبي الطاهر، عن ابن وهب -بطوله.
[ ٩ / ٢١٠ ]
وعن محمد بن رافع، عن حُجَيْن بن المُثَنَّى، عن الليث نحوه.
وأخرجه أبو داود في "الطلاق" عن أبي الطاهر بن السرح، وسليمان بن داود، كلاهما عن ابن وهب -بقصة اعتزاله امرأته.
وأما حديث: "كان رسول الله -ﷺ- إذا قدم من سفر ضُحًى بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين". وهو طرف من الحديث الذي قبله؛ فأخرجه البخاري في "الجهاد" عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، وعمه عبيد الله، عن أبيهما كعب، به. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي موسى، عن أبي عاصم به. وعن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، به. وأخرجه أبو داود في "الجهاد" عن محمد ابن المتوكل العسقلاني، والحسن بن علي الخلال، كلاهما عن عبد الرزاق بإسناده نحوه. وعن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري -أتم منه، ولم يذكر عبيد الله في إسناده. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
حديثُ كعب بن مالك ﵁ بطوله، له -كما قال بعض العلماء- أكثر من خمسين فائدة:
فمنها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو الرخصة في الجلوس في المسجد، والخروج منه بغير صلاة. وقد تقدم البحث عنه.
[ ٩ / ٢١١ ]
ومنها: جواز طلب أموال الكفار من ذوي الحرب.
ومنها: جواز الغزو في الشهر الحرام.
ومنها: التصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره.
ومنها: أن الإِمام إذا استنفر الجيش عمومًا لزمهم النفير، ولحق اللوم بكل فرد إن تخلف. وقال السهيلي ﵀: إنما اشتد الغضب على من تخلف، وإن كان الجهاد فرض كفاية، لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين؛ لأنهم بايعوه على ذلك، ومصداق ذلك قولهم، وهم يحفرون الخندق [من الرجز]:
نَحْنُ الذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أبَدًا
فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة؛ لأنها كالنكث لبيعتهم، كذا قال ابن بطال ﵀. قال السهيلي: ولا أعرف له وجهًا غير الذي قال. قال الحافظ ﵀: وقد ذكرت وجهًا غير الذي ذكره، ولعله أقعد، ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمن النبي -ﷺ-، فعلى هذا، فيتوجه العِتاب على من تخلف مطلقًا.
ومنها: إباحة الغنيمة لهذه الأمة، إذ قال: إنما خرج رسول الله -ﷺ- يريد عِير قريش.
[ ٩ / ٢١٢ ]
ومنها: أن العاجز عن الخروج بنفسه، أو بماله لا لوم عليه.
ومنها: استخلاف الإِمام مَنْ يقوم مقامه على أهله والضعفة.
ومنها: ترك قتل المنافقين، ويستنبط منه ترك قتل الزنديق إذا أظهر التوبة. وأجاب من أجازه بأن الترك كان في زمن النبي -ﷺ- لمصلحة التأليف على الإِسلام.
ومنها: عظم أمر المعصية. وقد نبه الحسن البصري رحمه الله تعالى على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه، قال: يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالًا حرامًا، ولا سفكوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر؟.
ومنها: أن القوىّ في الدِّين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ به الضعيف في الدين.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يعاقب النبي -ﷺ- حاطب بن أبي بَلْتَعَة ﵁، ولا هجره، حين كاتب قريشًا بتوجه النبي -ﷺ- لغزوهم، وعاقب كعبًا وصاحبيه.
أجيب: بأن حاطبًا إنما كاتب قريشًا خشية على أهله وولده، فأراد أن يتخذ له عندهم يدًا، فقبل عذره ذلك، بخلاف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذر أصلًا. أفاده في "الفتح" جـ ٨ ص ٤٦١.
[ ٩ / ٢١٣ ]
ومنها: أنه يجوز إخبار المرء عن تقصيره، وتفريطه، وعن سبب ذلك، وما آل إليه أمره تحذيرًا ونصيحة لغيره.
ومنها: جواز مدح المرء بما فيه من الخير إذا أمن الفتنة.
ومنها: تسلية نفسه عما لم يحصل له بما وقع لنظيره.
ومنها: فضل أهل بدر، والعقبة.
ومنها: جواز الحلف للتأكيد من غير استحلاف.
ومنها: جواز التورية عن المقصد.
ومنها: رد الغيبة عن المسلم.
ومنها: جواز ترك وطء الزوجة مدة.
ومنها: أن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها، ولا يسوِّف بها لئلا يُحْرمَها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] ومثله قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] ونسأل الله تعالى أن يلهمنا المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبنا ما خَوَّلَنا من نعمته. آمين.
ومنها: جواز تمني ما فات من الخير.
[ ٩ / ٢١٤ ]
ومنها: أن الإِمام لا يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور، بل يُذَكّرُه ليراجع التوبة.
ومنها: جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية لله ورسوله -ﷺ-.
ومنها: جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وَهَمُ الطاعن، أو غلطه.
ومنها: أن المستحب للقادم أن يكون على وضوء، وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته، فيصلي فيه، ثم يجلس لمن يسلم عليه.
ومنها: مشروعية السلام على القادم وتلقيه.
ومنها: الحكم بالظاهر، وقبول المعاذير.
ومنها: استحباب بكاء العاصي أسَفًا على ما فاته من الخير.
ومنها: إجراء الأحكام على الظاهر، ووكول السرائر إلى الله تعالى.
ومنها: ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق ثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًا.
ومنها: أن التبسم قد يكون عن غضب، كما يكون عن تعجب، ولا يختص بالسرور.
[ ٩ / ٢١٥ ]
ومنها: معاتبة الكبير أصحابه، ومن يَعِزُّ عليه دون غيره.
ومنها: بيان فائدة الصدق وشؤم عاقبة الكذب.
ومنها: العمل بمفهوم اللقب إذا حَفَّتْه قرينة، لقوله -ﷺ- لَمَّا حدثه كعب: "أما هذا فقد صدق"، فإنه يشعر بأن سواه كذَبَ، لكن ليس على عمومه في حق كل أحد سواه؛ لأن مُرَارة، وهلالًا أيضًا قد صدقا، فيختص الكذب بمن حلف، واعتذر، لا بمن اعترف، ولهذا عاقب من صَدَق بالتأديب الذي ظهرت فائدته عن قريب، وأخّر من كَذَبَ للعقاب الطويل، وفي الحديث الصحيح: "إذا أراد الله بعبده خيرًا عَجَّل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد به شرًّا أمسك عنه عقوبته، فيرِدُ القيامة بذنوبه". قيل: وإنما غُلِّظَ في حق هؤلاء الثلاثة لأنهم تركوا الواجب عليهم من غير عذر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] وقول الأنصار [من الرجز]:
نَحْنُ الذِين بَايَعُوا مُحَمَّدًا … عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أبَدَا
ومنها: تبريد حَرِّ المصيبة بالتأسي بالنظير.
ومنها: عظم مقدار الصدق في القول والفعل، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرِّهما به.
ومنها: أن من عوقب بالهجر يُعذَر في التخلف عن صلاة
[ ٩ / ٢١٦ ]
الجماعة؛ لأن مُرَارة وهلالًا لم يخرجا من بيوتهما تلك المدة.
ومنها: سقوط رد السلام على المهجور عمن سلم عليه إذ لو كان واجبًا لم يقل كعب: هل حرك شفتيه برد السلام؟.
ومنها: جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه.
ومنها: أن قول المرء: "الله ورسوله أعلم" ليس بخطاب، ولا كلام، ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم فلانًا إذا لم ينو به مكالمته، وإنما قال أبو قتادة ذلك لمَّا ألحَّ عليه كعب، وإلا فقد تقدم أن رسول ملك غسان لَمَّا سأل عن كعب جعل الناس يشيرون له إلى كعب، ولا يتكلمون بقولهم مثلًا: هذا كعب، مبالغة في هجره، والإعراض عنه.
ومنها: أن مسارقة النظر في الصلاة لا تقدح في صحتها.
ومنها: إيثار طاعة الله ورسوله -ﷺ- على مَوَدَّة القريب.
ومنها: مشروعية خدمة المرأة زوجها.
ومنها: الاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه حيث لم يستأذن كعب في خدمة امرأته لذلك.
ومنها: جواز تحريق ما فيه اسم الله تعالى للمصلحة.
ومنها: مشروعية سجود الشكر.
[ ٩ / ٢١٧ ]
ومنها: مشروعية الاستباق إلى البشارة بالخير.
ومنها: مشروعية إعطاء البشير أنْفَسَ ما يحضر الذي يأتيه بالبشارة.
ومنها: مشروعية تهنئة من تجددت له نعمة، والقيام إليه إذا أقبل.
ومنها: اجتماع الناس عند الإِمام في الأمور المهمة.
ومنها: سرور الإِمام بما يَسُرُّ أتباعه.
ومنها: مشروعية العارية.
ومنها: مشروعية مصافحة القادم.
ومنها: التزام المداومة على الخير الذي ينتفع به.
ومنها: استحباب الصدقة عند التوبة.
ومنها: أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) راجع "الفتح" جـ ٨ ص ٤٦٦ - ٤٦٧. و"عمدة القاري" جـ ١٤ ص ٣٨٩.
[ ٩ / ٢١٨ ]