أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على مشروعية اتخاذ السترة للمصلي.
اعلم أنه كان الأولى للمصنف رحمه الله تعالى أن يجعل لأبواب السترة كتابًا خاصًا، ولا يذكرها تحت كتاب القبلة، وأحسن من هذا صنيعه في "الكبرى"، حيث ترجم بقوله: "أبواب السترة"، ثم قال: "سترة المصلي". وهو قريب من صنيع البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، حيث قال: "أبواب سترة المصلي"، ثم قال: "بابٌ سترةُ المصلي سترةُ من خلفه".
والسُّتْرَةُ -بضم المهملة، وسكون المثناة من فوق-: ما استُتِر به، من شيء كائنًا ما كان. قال الفيومي رحمه الله تعالى: السُّتْر -يعني بكسر، فسكون-: ما يُسْتَر به، وجمعه: ستور. والسُّتْرة -بالضم- مثله. قال ابن فارس: والسُّتْرة: ما استترت به، كائنًا ما كان، والسِّتَارة -بالكسر- مثله، والسِّتار بحذف الهاء لغة. وسترت الشيء سَتْرًا، من باب قتل.
ويقال لما يَنصِبه المصلي قُدَّامه علامة لمصلاه، من عصا، وتَسنيم تراب، وغيره: سُتْرَةٌ؛ لأنه يستر المار من المرور، أي يحجبه.
وفي "اللسان": سَتَرَ الشيءَ، يستُره -بضم التاء- ويستره -بكسرها- سَتْرًا -بفتح فسكون- وسَتَرًا -بفتحتين- فافاد أن فعله من بابي
[ ٩ / ٣٢٠ ]
قتل، وضرب.
تنبيه:
حكم اتخاذ السترة الوجوب على الراجح، وقيل باستحبابه، وهو رأي الجمهور. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى.
٧٤٦ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: "مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (العباس بن محمد الدوري) أبو الفضل البغدادي، خُوَارَزْمي الأصل، ثقة حافظ، من [١١] توفي سنة ٢٧١، وقد بلغ ٨٨ سنة، أخرج له الأربعة، تقدم في ١٠٢/ ١٣٥.
و"الدُّورِيّ" -بضم الدال المهملة، بعدها راء مهملة-: نسبة إلى دُور، محلة ببغداد، أو إلى بيع الدُّور، أو إلى دُورِ سُرَّ مَنْ رأى، أو إلى محلة بنيسابور. أفاده في "اللب". جـ ١ ص ٣٢٦.
[ ٩ / ٣٢١ ]
٢ - (عبد الله بن يزيد) أبو عبد الرحمن المقرىء المكي، أصله من البصرة، أو الأهواز، ثقة فاضل، من [٩].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال الخليلي: ثقة، حديثه عن الثقات يحتج به، ويتفرد بأحاديث. وقال أبو سعد الصفار، عن جده، عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء: كان ابن المبارك إذا سئل عن أبي؟ قال: زرزده، يعني ذهبًا مضروبًا خالصًا.
وقال محمد بن عاصم الأصبهاني: سمعت المقرىء يقول: أنا ما بين التسعين إلى المائة، وأقرأت القرآن بالبصرة ستًا وثلاثين سنة، وهاهنا بمكة خمسًا وثلاثين سنة.
وقال البخاري: مات بمكة سنة ٢٣٢، وفيها أرخه ابن سعد، وزاد: في رجب، قال: وكان كثير الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن قانع: مكي ثقة.
وذكر أبو العرب الحافظ أن ابن وهب روى عنه مع تقدمه، قال الحافظ: فلئن كان كذلك، فبين وفاته، ووفاة بشر بن موسى نيف وتسعون سنة. وفي "الزهرة": روى عنه البخاري اثني عشر حديثًا. أخرج له الجماعة.
٣ - (حيوة بن شريح) -بفتح أول حيوة، وسكون التحتانية، وفتح الواو، وتصغير شريح- بن صفوان بن مالك، التُّجِيبي، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت، فقيه زاهد، من [٧].
[ ٩ / ٣٢٢ ]
قال عبد الله بن أحمد: قيل لأبي: حيوة بن شريح، وعمرو بن الحارث، فقال: جميعًا، كأنه سوى بينهما. وقال حرب، عن أحمد: ثقة ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن يونس: كانت له عبادة وفضل.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، وسئل عن حيوة، ويحيى بن أيوب، وسعيد بن أبي أيوب؟ فقال: حيوة أعلى القوم، وهو ثقة، وأحب إليّ من المفضل بن فضالة.
وقال ابن وهب: ما رأيت أشد استخفافًا بعمله من حيوة، وكان يعرف بالإجابة.
وقال ابن المبارك: ما وصف لي أحد، ورأيته، إلا كانت رؤيته دون صفته، إلا حيوة، فإن رؤيته كانت أكبر من صفته.
وقال يعقوب بن سفيان: ثنا المقرىء، ثنا حيوة بن شريح، وهو كندي شريف عدل رضي ثقة، توفي سنة ١٥٨، وأرخه الكلاباذي سنة ٥٩، ووثقه العجلي، ومسلمة.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مستجاب الدعوة، يقال: إن الحصاة كانت تتحول في يده تمرة بدعائه، وقال: مات سنة ٨ أو ٩، وأرخه ابن يونس نقلًا عن ابن بكير ٨.
وقال ابن سعد: مات في آخر خلافة المنصور، وكان ثقة. وقال ابن
[ ٩ / ٣٢٣ ]
وضاح: بلغني أن رجلًا كان يطوف، ويقول: اللهم اقض عني الدين، فرأى في المنام: إن كنت تريد وفاء الدين، فائت حَيْوَةَ بن شُرَيْحٍ، يدعو لك، فأتى الإسكندرية بعد العصر يوم الجمعة، قال: فأقمت حتى صار ما حوله دنانير، فقال لي: اتق الله، ولا تأخذ إلا قدر دينك، فأخذت ثلاثمائة.
وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": كتب إليّ عبد الله بن أحمد، قال: سمعت أبي يقول: لم يسمع حيوة من الزهري، ولا من بكير بن الأشج، ولا من خالد بن أبي عمران. أخرج له الجماعة.
٤ - (أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي، المدني، يتيم عروة، لأن أباه كان أوصى إليه، وكان جده الأسود من مهاجري الحبشة، ثقة، من [٦] توفي سنة بضع و١٣٠.
قال ابن لهيعة: قدم مصر سنة ست وثلاثين. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: ثقة، قيل له: يقوم مقام الزهري، وهشام بن عروة؟ فقال: ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال الواقدي: مات في آخر سلطان بني أمية.
وذكره ابن حبان في الثقات، وزعم أنه توفي سنة سبع عشرة ومائة، قال الحافظ: وهذا وهم لا مرية فيه، والأشبه أن يكون من سقم النسخة، وكأنها كانت سنة سبع وثلاثين. وقال القراب: مات
[ ٩ / ٣٢٤ ]
سنة ٣١، وقال ابن سعد بعد ذكر وفاته عن الواقدي: ليس له عقب. وكان كثير الحديث، ثقة. وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح: هو ثبت، له شأن، وذكر. وقال ابن البرقي: لا يعلم له رواية عن أحد من الصحابة، مع أن سنه يحتمل ذلك. أخرج له الجماعة.
٥ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني الفقيه، ثقة، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخه فمن رجال الأربعة، وشيخه بغدادي، وعبد الله بن يزيد مكي، وحيوة مصري، والباقون مدنيون. وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة، روت ٢٢١٠ أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂) أنها (قالت: سئل رسول الله -ﷺ-، في غزوة تبوك، عن سترة المصلي؟) أي مقدار ما يستر المصلي عما يقطع صلاته (فقال: "مثل مؤخرة الرحل) برفع "مثل"، بتقدير مبتدأ؛ أي هي مثل مؤخرة الرحل، أو مبتدأ حذف خبره؛ أي مثلُ
[ ٩ / ٣٢٥ ]
مؤخرة الرحل يكفي في الستر.
ومُؤْخِرَة الرحل، ومُؤَخَّرَتُهُ، وآخِرته، وآخره: خلاف قادِمَته، وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب، من كُورِ البعير. أفاده في اللسان.
وعبارة "ق" وشرحه: والآخِرَةُ من الرَّحْلِ: خلافُ قادِمَته، وكذا من السرج، وهي التي يستند إليها الراكب، والجمع الأوَاخِر، وهذه أفصح اللغات، كما في المصباح، كآخره، من غير تاء، ومُؤَخَّره، كمُعَظَّم، ومُؤَخَّرته، بزيادة التاء، وتكسر خاؤهما، مخففة، ومشددة، أما الُمؤْخِر، كمُؤْمِنٍ، لغة قليلة، وقد جاء في بعض روايات الحديث، وقد منع منها بعضهم، والتشديد مع الكسر أنكره ابن السِّكِّيت، وجعله في المصباح من اللحن. اهـ. "ق" مع شرحه "تاج". جـ ٣ ص ٩.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصل مما تقدم أن لآخرة الرحل ثماني لغات، آخرة؛ كقائمة، وآخر، كقائم، ومؤخَّر، ومؤَخَّرة، كمعظَّم، ومعَظَّمَة، بصيغة اسم المفعول المضعف، ومؤخِّر، ومؤَخِّرة، كمُعَلِّم، ومُعَلِّمَة، بصيغة اسم الفاعل المضعف، ومؤْخِر، ومؤْخِرة، كمُؤْمِن، ومؤمنة؛ بصيغة اسم الفاعل المخفف. وأفصحها آخرة.
والمؤخرة: هي العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب، من كور البعير. وهي -كما قال النووي ﵀- قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ٩ / ٣٢٦ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة -﵂- هذا أخرجه مسلم في "الصلاة"، عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن يزيد، به. وعن زهير بن حرب، عن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أيوب -كلاهما، عن أبي الأسود، به. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤/ ٧٤٦)، و"الكبرى" (١/ ٨٢١) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: قال النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" جـ ٤ ص ٢١٦ - ٢١٧:
في هذا الحديث الندب إلى السترة بين يدي المصلي، وبيان أن أقل السترة مؤخرة الرحل. وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه هكذا وشرط مالك رحمه الله تعالى أن يكون في غلظ الرمح.
قال الجامع: قوله: "التدب إلى السترة" سيأتي أن الراجح القول بالوجوب، لقوة دليله.
قال العلماء: والحكمة في السترة كف البصر عما وراءه، ومنع من يجتاز بقربه.
[ ٩ / ٣٢٧ ]
واستدل القاضي عياض ﵀ بهذا الحديث على أن الخط بين يدي المصلي لا يكفي، قال: وإن كان قد جاء به حديث، وأخذ به أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى، فهو ضعيف. واختلف فيه، فقيل: يكون مقوسًا كهيئة المحراب. وقيل: قائمًا بين يدي المصلي إلى القبلة. وقيل: من جهة يمينه إلى شماله. قال: ولم ير مالك رحمه الله تعالى، ولا عامة الفقهاء الخط.
قال النووي رحمه الله تعالى: وحديث الخط رواه أبو داود، وفيه ضعف، واضطراب، واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى فيه، فاستحبه في سنن حرملة، وفي القديم، ونفاه في البويطي. وقال جمهور أصحابنا باستحبابه، وليس في حديث مؤخرة الرحل دليل على بطلان الخط. والله أعلم. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى من أن الخط لا يكفي في السترة؛ لأن النبي -ﷺ- بَيَّنَ أقل مقدار السترة لمَّا سئل عنها، فلو كان يكفي أقل من ذلك لبينه، فاتضح بذلك أن ما كان أقل من مؤخرة الرحل لا يعتبر ساترًا للمصلي. والله أعلم.
تنبيه:
حديث الخط المذكور هو ما أخرجه أبو داود في "سننه"، فقال: حدثنا مسدد، ثنا بشر بن المفضل، ثنا إسماعيل بن أمية، حدثني أبو عمرو بن
[ ٩ / ٣٢٨ ]
محمد بن حريث، أنه سمع جده حريثًا، يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد، فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا، فليخط خطًا، ثم لا يضره ما مر أمامه". وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي.
وذكر أبو داود عن ابن عيينة أنه قال: لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث، ولم يجيء إلا من هذا الوجه.
فهو حديث ضعيف؛ لاضطرابه، ولجهالة أبي محمد بن عمرو بن حريث، وجده. وقد ضعفه سفيان بن عيينة، والشافعي، والبغوي، وغيرهم. انظر: "التلخيص الحبير" جـ ١ ص ٢٨٦ - فلا يصلح للاحتجاج به.
وقد حقق الكلام فيه العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه على "مسند أحمد" رحمه الله تعالى جـ ١٣ - ص ١٢٣ - ١٢٦. قال رحمه الله تعالى تحت حديث رقم ٧٣٨٦ ما نصه:
إسناد ضعيف؛ لاضطرابه، ولجهالة حال راويه، كما سنبين في التخريج، إن شاء الله.
فقد رواه أحمد هنا عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث العذري، عن جده. وحكى أحمد أن سفيان قال مرة أخرى: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده -يعني أن
[ ٩ / ٣٢٩ ]
سفيان رواه عن إسماعيل، ثم اضطرب قوله في شيخ إسماعيل، بين أبي محمد بن عمرو بن حريث، وبين أبي عمرو بن محمد بن حريث.
ثم ذكر أحمد اختلافًا ثالثًا في رواية ابن عيينة نفسه -فرواه عقبة ٧٣٨٧ عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه. وكان يمكن الجواب عن هذه الرواية الأخيرة: أنه نسب أبا عمرو إلى جده، وسماه في الرواية أباه، ومثل هذا في الرواية كثير- لولا الاضطراب بعد ذلك على سفيان، وعلى إسماعيل بن أمية.
ثم ذكر رواية رابعة، عقب تيك: ٧٣٨٨ - عن عبد الرزاق، عن معمر، والثوري، كلاهما عن إسماعيل، عن أبي عمرو بن حريث، عن أبيه، مثل رواية ابن عيينة الأخيرة. وستأتي هذه الرواية -رواية عبد الرزاق- مرتين أخريين في "المسند": ٧٤٥٤، ٧٦٠٤.
ورواه أبو داود -٦٩٠: (٢٥٥ - ٢٥٦ - بنسخة "عون المعبود" عن محمد بن يحيى بن فارس، عن ابن المديني، عن ابن عيينة، مثل رواية ابن عيينة التي هنا: ٧٣٨٦ - بإسنادها الأول.
ورواه قبل ذلك: ٦٨٩ - عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده. فهي مثل رواية ابن عيينة التي هنا، بإسنادها الثاني.
ورواه ابن ماجه ٩٤٣ بإسنادين معًا: عن أبي بكر بن خلف، عن حميد بن الأسود -وعن عمار بن خالد، عن ابن عيينة- كلاهما عن
[ ٩ / ٣٣٠ ]
إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث بن سليم.
ورواه ابن حبان في "الثقات" في ترجمة حريث بن عمارة، من بني عذرة، ص ١٦٩ - ١٧٠، عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة، وهو زهير بن حرب، عن سفيان، وهو ابن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن عمرو بن حريث، عن جده.
وللحديث أسانيد أخر من هذا الوجه، توافق بعض هذه الروايات، أو تخالفها، وكلها تدل على الاضطراب، وعلى جهالة هذا الشيخ الذي يروي عنه إسماعيل بن أمية.
وقد ذكر البيهقي بعضها في "السنن الكبرى" جـ ٢ ص ٢٧٠ - ٢٧١، وأشار البخاري في الكبير إليها كلها، أو إلى أكثرها، في ترجمة حريث، من بني عذرة، ٢/ ١/ ٦٦ - ٦٧. وذكر ابن أبي حاتم بعضها، في كتاب العلل، رقم ٥٣٤.
وعلماء الاصطلاح ضربوا هذا الحديث مثلًا للحديث المضطرب الإسناد. ومنهم من تكلف، فحاول ترجيح بعض الأسانيد على بعض. ولو ذهبنا ننقل أقاويلهم، أو نذكر ملخصها طال الكلام جدًا. ويكفي الإشارة إلى أماكنها لمن شاء أن يستوعب:
فانظر "التهذيب": (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و(١٢/ ١٨٠، ١٨١، ٢٣٣). و"الإصابة": (٤/ ٢). و"التلخيص الحبير": ١١١. وشرح العراقي لمقدمة
[ ٩ / ٣٣١ ]
ابن الصلاح: (١٠٤ - ١٠٦). وشرح العراقي أيضًا لألفيته: (١/ ١١٤)، وشرح السخاوي عليها: (٩٩، ١٠٠). وتدريب الراوي: (٩٣، ٩٤).
وابن عيينة نفسه كان يدرك الاضطراب في هذا الحديث من عند نفسه، بل لعله من عند شيخه إسماعيل بن أمية أيضًا، فقد روى عنه علي بن المديني ما يدل على ذلك:
ففي الكبير -بعد رواية إسناد علي بن المديني- قال سفيان: جاءنا بصري عتبة أبو معاذ، قال: لقيت هذا الشيخ الذي روى عنه إسماعيل، فسألته، فخلط عليّ، وكان إسماعيل إذا حدث بهذا يقول: عندكم شيء تشدونه؟!
وروى هذا أيضًا أبو داود عقب رواية الحديث من طريق ابن المديني عن سفيان: ٦٩، بأوضح من ذلك: قال سفيان: لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث! ولم يجىء إلا من هذا الوجه! قال (القائل ابن المديني): قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه؟ فتفكر ساعة، ثم قال: ما أحفظ إلا أبا محمد بن عمرو، قال سفيان: قدم هاهنا رجل بعدما مات إسماعيل بن أمية، فطلب هذا الشيخ أبا محمد، حتى وجده، فسأله عنه، فخلط عليه!!
ثم قد رواه البيهقي (٢/ ٢٧١) مفصلًا بأكثر من هذا، من طريق عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت عليًا -يعني ابن عبد الله بن المديني- يقول: قال سفيان في حديث إسماعيل بن أمية، عن أبي محمد بن
[ ٩ / ٣٣٢ ]
عمرو … (فأشار إلى هذا الحديث) قال علي: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه؛ بعضهم يقول: أبو عمرو بن محمد، وبعضهم يقول: أبو محمد بن عمرو؟ فسكت سفيان ساعة، ثم قال: ما أحفظه إلا أبا محمد بن عمرو. قلت لسفيان: فابن جريج يقول: أبو عمرو بن محمد؟ فسكت سفيان ساعة، ثم قال: أبو محمد بن عمرو، أو أبو عمرو بن محمد! ثم قال سفيان: كنت أراه أخا لعمرو بن حريث. قال مرة: العذري.
قال علي: قال سفيان: كان جاءنا إنسان بصري لكم؛ عتبة، ذاك أبو معاذ، فقال: إني لقيت هذا الرجل الذي روى عنه إسماعيل، قال علي: ذلك بعدما مات إسماعيل بن أمية، فطلب هذا الشيخ، حتى وجده، قال عتبة: فسألته عنه، فخلطه عليّ. قال سفيان: ولم نجد شيئًا يَشُد هذا الحديث، ولم يجىء إلا من هذا الوجه.
قال سفيان: وكان إسماعيل إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟. وعتبة أبو معاذ الذي يحكي سفيان أنه لقي ذاك الشيخ: -أبا عمرو بن حريث، أو أبا محمد بن عمرو- هو عتبة بن حميد الضبي البصري، ضعفه أحمد، وذكره ابن حبان في الثقات، وسأل ابن أبي حاتم عنه أباه؟، فقال: كان بصري الأصل، كان جوّالة في طلب الحديث، وهو صالح الحديث. انظر ترجمته في: التهذيب (٧/ ٩٦)، وفي الجرح والتعديل (٣/ ١/ ٣٧٠). اهـ. ما حققه العلامة أحمد محمد
[ ٩ / ٣٣٣ ]
شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه على مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: يستفاد من هذا التحقيق أن حديث الخط ضعيف، ولا يوجد له تابع، ولا شاهد يقويه، وأما ما رد به الحافظ قولَ ابن عيينة: "لم نجد شيئًا نشد به هذا الحديث" إلخ، في نكته على ابن الصلاح جـ ٢ ص ٧٧٣ - من أن الطبراني رواه من طريق أبي موسى الأشعري، وفي إسناده أبو هارون العبدي، وهو ضعيف. اهـ- فلا يلتفت إليه؛ لأن أبا هارون هذا لا يعتبر به؛ ففي "التقريب": عُمارة ابن جُوَين -مصغرًا- أبو هارون العبدي مشهور بكنيته، متروك، ومنهم من كذبه، شيعي، من الرابعة. فكيف يرد بمثله على قول ابن عيينة: لم نجد شيئًا نشد به إلخ؟ إن هذا لشيء غريب من مثل الحافظ رحمه الله تعالى. وكذا تحسينه له في "بلوغ المرام"، ليس مما ينبغي. فتبصر.
والحاصل أن حديث الخط لا يثبت، وأن من صححه، أو حسنه، لم يأت بشيء يشد به وهنه، فلا ينبغي الالتفات إليه. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: اتخاذ السترة واجب -كما قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى- لصحة الأمر به.
فقد أخرج أبو داود، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا صلى أحدكم، فليصل إلى سترة،
[ ٩ / ٣٣٤ ]
ولْيَدْنُ منها". حديث صحيح.
وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تصل إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله؛ فإنما هو شيطان". رواه ابنا خزيمة، وحبان في "صحيحيهما".
وعن سبرة بن معبد الجهني ﵁ مرفوعًا: "ليستر أحدكم صلاته، ولو بسهم". أخرجه الحاكم، وقال على شرط مسلم.
وحمله جمهور الفقهاء على الاستحباب، بدليل حديث ابن عباس ﵄، أنه قال: أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله -ﷺ- يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليّ أحد". متفق عليه.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: المراد بقوله: "إلى غير جدار" إلى غير سترة. قال الحافظ ﵀: وسياق الكلام يدل على ذلك؛ لأن ابن عباس أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته. ويؤيده رواية البزار بلفظ: "والنبي -ﷺ- يصلي المكتوبة، ليس لشيء يستره". اهـ "فتح". جـ ١ ص ٢٣١.
قال الجامع: حديث ابن عباس ﵄ لا يصلح لصرف الأمر إلى الاستحباب؛ لأن التفسير المذكور غير متفق عليه، حيث إن
[ ٩ / ٣٣٥ ]
بعض أهل العلم فسره بأنه صلى إلى سترة غير جدار، وهو الذي يدل عليه عمل البخاري حيث استدل بالحديث على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وقد تبعه النووي فقال في شرح مسلم في كلامه على فوائد هذا الحديث: "فيه أن سترة الإمام سترة لمن خلفه".
وعندي أن حمل قول ابن عباس ﵄: "إلى غير جدار" على ظاهره -كما فهمه البخاري- هو المتعين، فيكون المراد أنه صلى إلى سترة غير جدار، ولا تنافيه رواية البزار "إلى غير سترة" لإمكان حملها على سترة عريضة تستر الصفوف، أو هي رواية بمعنى ما فهمه الراوي.
والحاصل أنه أراد بذلك أن سترته غير كافية للصفوف؛ إذ لو صلى إلى جدار لستره، وستر الصفوف، فالظاهر أن ابن عباس ﵁ لا يرى سترة الإمام سترة لمن خلفه.
وجملة الأمر أن الاستدلال بهذا الحديث على صرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب غير صحيح. والله أعلم.
وأما قول الشوكاني في شرح حديث ابن عباس ﵄: "صلى رسول الله -ﷺ- في فضاء ليس بين يديه شيء" -وفيه ضعف- ما نصه: "فيه دليل على أن اتخاذ السترة غير واجب، فيكون قرينة لصرف الأمر إلى الندب، ولكنه تقرر في الأصول أن فعله -ﷺ- لا يعارض القول الخاص بنا، وتلك الأوامر السابقة خاصة بالأمة، فلا يصلح هذا الفعل أن يكون قرينة لصرفها"، فغير صحيح؛ إذ هذه القاعدة التي ذكرها ليست محل إجماع، بل فيها خلاف، والراجح قول من يقول: إن فعله
[ ٩ / ٣٣٦ ]
غير الخاص به مثل قوله، فيصلح لما يصلح له القول، فيُخَصّ به العام، ويقيد به المطلق، ونحو ذلك. وقد أشبعت الكلام فيه في غير هذا المحل. والله أعلم.
والحاصل أن اتخاذ السترة واجب، لظاهر الأمر الوارد في النصوص المتقدمة؛ إذ لم يوجد لها صارف. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٤٧ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "كَانَ يَرْكُزُ الْحَرْبَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي إِلَيْهَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قدامة السرخسي، ثقة مأمون سني، من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيي) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (عبيد الله) بن عمر العمري المدني، ثقة ثبت، من [٥]، تقدم في ١٥/ ١٥.
٤ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه، من
[ ٩ / ٣٣٧ ]
[٣]، تقدم في ١٢/ ١٢.
٥ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢.
ولطائف الإسناد واضحة مما تقدم غير مرة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما (عن النبي -ﷺ-، قال) هكذا نسخ المجتبى بزيادة "قال". وفي الكبرى "أنه كان يركز الحربة" إلخ وهو واضح، والأول أيضًا له وجه، فيعود الضمير المستتر في "قال" إلى ابن عمر.
(يركز الحربة) يقال: ركَزت الرمح رَكْزًا، من باب قتل: أثبته بالأرض، والمركِز وِزان مسجِدٍ: موضع الثبوت. قاله الفيومي. وقال ابن منظور: الرَّكز: غَرْزك شيئًا منتصبًا، كالرمح، ونحوه، ترْكُزُه، رَكْزًا في مَرْكَزه -بفتح الكاف. وقد ركزه يركُزُه، ويركِزُهُ رَكْزًا، ورَكَّزه: غرزه في الأرض. اهـ. فأفاد أن فعله من بابي قتل، وضرب، وأن المَرْكَزَ فيه فتح الكاف.
والحَرْبة -بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء-: دون الرمح عريضة النصل.
ومعنى "يركز الحربة": يأمر بغرزها له. ففي رواية الشيخين من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله: "أن رسول الله -ﷺ- كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها … " الحديث.
[ ٩ / ٣٣٨ ]
ويحتمل أنه يركزها بنفسه في بعض الأحيان. والله أعلم.
(فيصلي إِليها) يصلي إلى الحربة، مستترًا بها عمن يمر بين يديه، وفيه مشروعية اتخاذ السترة للمصلي. وفي تعبيره بـ"كان" دلالة على أنه كان يلازم ذلك. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤/ ٧٤٧) و"الكبرى" (٢/ ٨٢٢) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن مسدد، عن يحيي القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عنه، ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن محمد بن بشر العبدي، عن عبيد الله به.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
***
[ ٩ / ٣٣٩ ]