أي هذا باب ذكر الحديث الدال على نهي النبي -ﷺ- عن أن يصلي المرء في مبارك الإبل حول الماء.
وإضافة "ذكر" لما بعده من إضافة المصدر إلى فاعله، وحذف مفعوله للتعميم، أي كل من يريد الصلاة.
و"الأعطان" -بفتح فسكون-: جمع عَطَنٍ -بفتحتين. وهو مَبْرَكُ الإبلِ حولَ الماء.
قال العلامة الفيّومي رحمه الله تعالى: العَطَن للإبل: المُنَاخُ، والمَبْركُ، ولا يكون إلا حول الماء، والجمع أعْطان، مثلُ سَبَبٍ، وأسْبَاب، والمَعْطِنُ، وزَان مَجْلِس، مثلُهُ، وعَطَنت الإبلُ، من بابَيْ ضرب، وقتل، عُطُونًا، فهي عاطنة، وعَوَاطن، وعَطَنُ الغنمِ، ومَعْطِنُها أيضًا: مَرْبِضُها حولَ الماء، قاله ابن السكيت، وابن قتيبة. وقال ابن فارس: قال بعض أهل اللغة: لا تكون أعطان الإبل إلا حول الماء، فأما مباركها في البَرِّيّة، أو عند الحيّ فهي المأوَى.
وقال الأزهري أيضًا: عَطنُ الإبل: موضعُها الذي تتنحى إليه إذا شربت الشَّرْبَةَ الأولى، فتَبْركُ فيه، ثم يُمُلأ الحوضُ لها ثانيًا، فتعود من
[ ٩ / ٢٤٧ ]
عَطَنِهَا إلى الحوض، فتَعُلُّ، أي تشرب الشَّرْبَةَ الثانيةَ، وهو العَلَلُ، لا تعطن الإبل على الماء إلا في حَمَارَّةِ القَيْظِ (^١)، فإذا برُدَ الزمان، فلا عطن للإبل. والمراد بالمَعاطن في كلام الفقهاء المبارك. اهـ.
وفي اللسان: العَطَن للإبل، كالوَطنِ للناس، وقد غلب على مَبْرَكِها حولَ الحوض، والمَعْطَن كذلك، والجمع أعْطَان، وعَطَنَت الإبلُ عن الماء، تَعْطِن -بكسر الطاء- وتعطُنُ -بضمها- عُطُونًا، فهي عَوَاطن، وعُطُون: إذا رَوِيَتْ، ثم بَرَكَتْ، فهي إبل عاطنة، وعواطن، ولا يقال: إبل عُطَّانٌ، وعَطَّنتْ أيضًا، وأعطنها: ساقها، ثم أناخها، وحبسها عند الماء، فبركت بعد الورود، لتعود، فتشرب؛ قال لبيد [من الرمل]:
عَافَتَا المَاءَ فَلَمْ نُعْطِنْهُمَا … إِنَّمَا يُعْطِنُ أصْحَابُ العَلَلْ
والاسم العَطَنَةُ. وقال الليث: كل مَبْرك يكون مَألَفًا للإبل فهو عَطَن له بمنزلة الوَطَن للغنم والبقر، قال: ومعنى معاطن الإبل في الحديث: مواضعها، وأنشد [من البسيط]:
وَلا تُكَلِّفُنِي نَفْسِي وَلا هَلَعِي … حِرْصًا أقيمُ بِهِ في مَعْطَنِ الهُونِ
وقال الأزهري: أعْطان الإبل، ومَعَاطنها لا تكون إلا مَبَاركها على الماء، وإنما تُعْطِنُ العرب الإبل على الماء حين تَطلُعُ الثُّرَيَّا، ويرجع الناس من النُّجَعِ إلى المَحَاضِرِ، وإنما يُعْطِنُون النعم يوم ورْدِها، فلا يزالون
_________________
(١) الحمَارَّة -بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الميم، وتشديد الراء، وقد تخفف في الشعر: شدة الحرّ. أفاده في "ق".
[ ٩ / ٢٤٨ ]
كذلك إلى وقت مَطْلعِ سُهَيْلِ في الخَرِيف، ثم لا يُعطنونها بعد ذلك ولكنها ترد الماء، فتشرب شربتها، وتَصْدُرُ من فَورها. اهـ "لسان" جـ ٤ ص ٣٠٠٠.
والإبل: اسم جمع، لا واحد لها، وهي مؤنثة؛ لأن اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التأنيث، وتدخله الهاء إذا صغر، نحو أبَيْلَة، وغُنَيْمَة، وسمع إسكان الباء للتخفيف، ومن التأنيث، لاسكان الباء قولُ أبي النجم [من الرجز]:
وَالإبْلُ لا تَصْلُحُ لِلْبُسْتَانِ … وَحَنَّتِ الإِبْلُ إِلى الأوْطَانِ
والجمع آبالٌ، وأبِيلٌ، وزان عَبيد، وإذا ثُنِّيَ، أو جمع فالمراد قَطيعَان، أو قطيعات. وكذلك أسماء الجموع، نحو أبقار، وأغنام. والإبل بناء نادر. قال سيبويه: لم يجيء على فِعِل -بكسر الفاء، والعين- من الأسماء إلا حرفان، إبل، وحبرٌ، وهو القَلَح، -أي صفرة الأسنان- ومن الصفات إلا حرف، وهي امرَأَة بِلِزٌ، وهي الضخمة، وبعضى الأئمة يذكر ألفاظًا غير ذلك، لم يثبت نقلها عن سيبويه. اهـ "المصباح" جـ ١ ص ٢. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٣٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ".
[ ٩ / ٢٤٩ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي أبو حفص البصري، ثقة حافظ، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (أشعث) قال الجامع عفا الله عنه: هو إما ابن عبد الله بن جابر الحدّاني (^١) -بمهملتين مضمومة، ثم مشددة- الأزدي البصري، أبو عبد الله الحُمْلي -بضم المهملة، وسكون الميم- صدوق، من [٥] أخرج له البخاري تعليقًا، والأربعة.
وإما ابن عبد الملك الحُمْرَاني -بضم المهملة، وسكون الميم- أبو هانىء البصري، ثقة فقيه، توفي سنة ١٤٦، من [٦]، أخرج له البخاري تعليقًا، والأربعة أيضًا.
فإن كلًا منهما يروي عن الحسن البصري، ويروي عنهما يحيى بن سعيد القطان، ولم يتبين لي من هو المراد هنا.
وأما أشعث بن سوَّار الكندي النجار الأفرق الأثرم صاحب التوابيت، قاضي الأهواز، ضعيف من [٦]، وإن روى عن الحسن،
_________________
(١) الحدّاني -بضم الحاء المهملة، وتشديد الدال المهملة-: نسبة إلى حُدّان بطن من الأزد، ومحلة لهم بالبصرة. أفاده في اللب. جـ ١ ص ٢٣٨.
[ ٩ / ٢٥٠ ]
وأخرج له النسائي، فليس مرادًا هنا؛ لأنه لا يروي عنه يحيى القطان، فقد قال عمرو بن علي الفلاس -كما في "تهذيب الكمال" جـ ٢ ص ٢٦٧: كان يحيى -يعني القطان- وعبد الرحمن -يعني ابن مهدي- لا يحدثان عنه. ولذا لم يذكروا يحيى في الرواة عنه.
وقال أبو بكر البَرْقَاني: قلت للدارقطني: أشعث عن الحسن؟ قال: هم ثلاثة، يحدثون عن الحسن جميعًا، أحدهم الحُمْرَاني، منسوب إلى حُمْرَان مولى عثمان، ثقة. وأشعث بن عبد الله الحُدَّاني، بصري، يروي عن الحسن، وأنس بن مالك يُعْتَبَر به. وأشعث بن سوَّار الكوفي، يعتبر به، وهو أضعفهم، وروى عنه شعبة حديثًا. اهـ "تهذيب الكمال" جـ ٢ ص ٢٨٥.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري، ثقة فاضل فقيه، من [٣]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٥ - (عبد الله بن مُغَفَّل) بن عبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزني صحابي بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، ومات ﵁ سنة ٥٧، وقيل: بعد ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
[ ٩ / ٢٥١ ]
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن الرواة اتفق الجماعة بالرواية لهم، إلا أشعث، فلم يخرج له البخاري إلا تعليقًا، كما تقدم قريبًا.
ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الستة بدون واسطة، كما تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن مغفل) المزني ﵁ (أن رسول الله -ﷺ- نهى عن الصلاة في أعطان الإِبل) جمع عَطن، وهو مَبْرك الإبل حول الماء. وقد تقدم تمام البحث في العَطَن أول الباب، فراجعه، تستفد.
قال السندي رحمه الله تعالى: قالوا: ليس علة النهي نجاسة المكان، إذ لا فرق حينئذ بين أعطان الإبل وبين مرابض الغنم، مع أن الفرق بينهما قد جاء في الأحاديث، وإنما العلة شدة نفار الإبل، فقد يؤدي ذلك إلى بطلان الصلاة، أو قطع الخشوع، وغير ذلك. والله أعلم. اهـ كلام السندي رحمه الله تعالى. جـ ٢ ص ٥٦.
وقال ابن الأثير ﵀: لم ينه عن الصلاة فيها من جهة النجاسة، فإنها موجودة في مرابض الغنم، وقد أمر بالصلاة فيها، والصلاة مع النجاسة لا تجوز، وإنما أراد أن الإبل تزدحم في المنهل، فإذا شربت رفعت رؤوسها، ولا يؤمن من نِفارِها، وتفرقها في ذلك الموضع، فتؤذي المصلي عندها، أو تلهيه عن صلاته، أو تنجسه
[ ٩ / ٢٥٢ ]
برشاش بولها. اهـ نهاية جـ ٣ ص ٢٥٨ - ٢٥٩.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: تنجسه برشاش بولها هذا على مذهب من يرى نجاسة بولها، وقد تقدم في الطهارة أن الراجح عدم نجاسة الأبوال إلا من الآدمي، والروث، فراجع (١٩١/ ٣٠٥) تستفد.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في شرح حديث: "صَلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" رواه أحمد، والترمذي، وصححه، وابن ماجه ما نصه: والحديث يدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم، وعلى تحريمها في معاطن الإبل. وإليه ذهب أحمد بن حنبل، فقال: لا تصح بحال، وقال مرة: من صلى في عطن إبل أعاد أبدًا. وسئل مالك عمن لا يجد إلا عَطنَ إبل؟ قال: لا يصلي فيه. قيل: فإن بسط عليه ثوبًا؟ قال: لا. وقال ابن حزم: لا تحل في عطن إبل.
وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة، وعلى التحريم مع وجودها. وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة، وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل، وأزْبالها، وقد عرفت ما قدمنا فيه. ولئن سلمنا النجاسة فيه لم يصح جعلها علة؛ لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها، وبين مرابض الغنم، إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين، وأبوالها، كما قال العراقي. وأيضًا قد قيل: إن حكمة النهي ما فيها من النفور، فربما نفرت، وهو
[ ٩ / ٢٥٣ ]
في الصلاة، فتؤدي إلى قطعها، أو أذًى يحصل له منها، أو تَشَوُّشُ الخاطر المُلْهِي عن الخشوع في الصلاة. وبهذا عَلَّلَ النهيَ أصحابُ الشافعي، وأصحاب مالك، وعلى هذا، فيفرق بين كون الإبل في معاطنها، وبين غيبتها عنها، إذ يؤمن نفورها حينئذ، ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل ﵁ عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: "لا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها، وهيئتها إذا نفرت؟ ". وقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها، أو يستمر فيها مع شغل خاطره.
وقيل: لأن الراعي يبول بينها. وقيل: الحكمة في النهي كونها خلقت من الشياطين، ويدل على هذا أيضًا حديث ابن مغفل السابق. وكذا عند النسائي من حديثه. وعند أبي داود من حديث البراء ﵁. وعند ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة ﵁.
إذا عرفت هذا الاختلاف في العلة تَبَيَّنَ لك أن الحق الوقوف على مقتضى النهي، وهو التحريم، كما ذهب إليه أحمد، والظاهرية.
وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فأمر إباحة، وليس للوجوب. قال العراقي: اتفاقًا. وإنما نبه -ﷺ- على ذلك لئلا يُظنَّ أن حكمها حكم الإبل، أو أنه خرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين، فأجاب
[ ٩ / ٢٥٤ ]
في الإبل بالمنع، وفي الغنم بالإذن. وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ: "إنها بركة" فهو إنما ذُكِرَ لقصد تبعيدها عن حكم الإبل، كما وُصِفَ أصحابُ الإبل بالغلظ والقسوة، ووصف أصحاب الغنم بالسكينة. اهـ كلام الشوكاني رحمه الله تعالى جـ ٢ ص ٢٤٠ - ٢٤٢.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه الشوكاني ﵀ من حمل النهي على التحريم هو الراجح؛ لأن النهي للتحريم إذا لم يوجد صارف، وهنا لم يوجد. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مغفل ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف ﵀:
أخرجه هنا (٤١/ ٧٣٥)، و"الكبرى" (٤١/ ٨١٤) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عنه، بلفظ: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين".
وأخرجه أحمد في "مسنده" ٤/ ٨٥، ٨٦، ٥/ ٥٤، ٥٥، ٥٦. وعبد ابن حميد برقم ٥٠١. والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ٢٥٥ ]
المسألة الرابعة:
قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى في شرح الترمذي: والمواضع التي لا يُصَلَّى فيها ثلاثة عشر موضعًا: المَزْبَلَة، والمَجْزَرة، والمقبَرَة، وقارعة الطريق، والحَمَّامُ، ومعاطن الإبل، وفوق بيت الله، والصلاة إلى القبر، وإلى جدارِ مِرْحَاض عليه نجاسة، والكنيسة، والبِيعَة، وإلى التماثيل، وفي دار العذاب.
وزاد العراقي الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة إلى النائم، والمتحدث، والصلاة في بطن الوادي، والصلاة في الأرض المغصوبة، والصلاة في مسجد الضرار، والصلاة إلى التنور. فصارت تسعة عشر موضعًا.
ودليل المنع من الصلاة في هذه المواطن، أما السبعة الأولى، فلحديث ابن عمر ﵄ "أن رسول الله -ﷺ- نَهَى أن يُصَلَّى في سبعة مواطن: في المَزْبَلَة، والمَجْزَرَة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمَّامِ، وفي أعطان الأِبل، وفوق ظهر بيت الله". أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وعبد بن حميد في مسنده.
قال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي، وقد تُكُلَّمَ في زيد بن جَبِيرة من قبل حفظه. وفي التقريب: متروك. وفي التلخيص الحبير: إنه ضعيف جدًا، وفي إسناد ابن ماجه عبد الله بن صالح، وعبد الله بن عمر العمري، وهما ضعيفان. قال ابن أبي حاتم في العلل: هما جميعًا -يعني الحديثين- واهيان.
[ ٩ / ٢٥٦ ]
قال الجامع عفا الله عنه: أما الصلاة في المقبرة، والحمام وأعطان الإبل، فقد صحت أحاديثها. وأما غير ذلك مما ذكر في هذا الحديث فلا يصح له دليل. والله أعلم.
قال العلامة الشوكاني ﵀: وأما الصلاة إلى جدار مِرْحاض، فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة ﵃ بلفظ: "نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حُشُّ". أخرجه ابن عدي، قال العراقي: ولم يصح إسناده. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: "لا يصلى إلى الحش". وعن علي ﵁ قال: "لا يصلى تجاه حش". وعن إبراهيم: كانوا يكرهون ثلاثة أشياء، فذكر منها الحش. وفي كراهة استقباله خلاف بين الفقهاء.
وأما الكنيسة، والبيعة، فروى ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس ﵄ أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تصاوير. وقد رويت الكراهة عن الحسن. ولم ير الشعبي، وعطاء بن أبي رباح بالصلاة في الكنيسة، والبيعة بأسًا. ولم ير ابن سيرين بالصلاة في الكنيسة بأسًا. وصلى أبو موسى الأشعري، وعمر بن عبد العزيز في كنيسة. ولعل وجه الكراهة ما تقدم من اتخاذهم لقبور أنبيائهم، وصلحائهم مساجد؛ لأنها تصير جميع البِيَع والكنائس مظنة لذلك.
وأما الصلاة إلى التماثيل، فلحديث عائشة ﵂ الصحيح أنه قال لها -ﷺ-: "أزيلي عني قِرَامك هذا، فإنه لا تزال
[ ٩ / ٢٥٧ ]
تصاويره تَعْرِض لي في صلاتي". وكان لها ستر فيه تماثيل.
وأما الصلاة في دار العذاب فلما عند أبي داود من حديث علي ﵁، قال: "نهاني حِبِّي أن أصلي في أرض بابل؛ لأنها ملعونة". وفي إسناده ضعف.
وأما إلى النائم، والمتحدث، فهو في حديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود، وابن ماجه، وفي إسناده من لم يسم.
وأما في بطن الوادي، فورد في بعض طرق حديث النهي عن الصلاة في سبعة مواطن، بدل المقبرة. قال الحافظ: وهي زيادة باطلة، لا تعرف.
وأما الصلاة في الأرض المغصوبة، فلما فيها من استعمال مال الغير بغير إذنه.
وأما الصلاة في مسجد الضرار، فقال ابن حزم: إنه لا يجزىء أحدًا الصلاة فيه، لقصة مسجد الضرار، وقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، فصح أنه ليس موضع صلاة.
وأما الصلاة إلى التَّنُّور، فكرهها محمد بن سيرين، وقال: بيت نار. رواه ابن أبي شيبة في المصنف. وزاد ابن حزم، فقال: لا تجوز الصلاة في مسجد يُستَهزأ فيه بالله، أو برسوله، أو شيء من الدين، أو في مكان يكفر بشيء من ذلك فيه.
وزادت الهادوية كراهة الصلاة إلى المحدث، والفاسق، والسراج.
[ ٩ / ٢٥٨ ]
وزاد الإِمام يحيى: الجنب، والحائض، فيكون الجميع ستة وعشرين موضعًا.
واستدل على كراهة الصلاة إلى المحدث بحديث ذكره الإِمام يحيى في "الانتصار" بلفظ: "لا صلاة إلى محدث، لا صلاة إلى جنب، لا صلاة إلى حائض".
وقيل في الاستدلال على كراهة الصلاة إليه القياس على الحائض، وقد ثبت أنها تقطع الصلاة. وأما الفاسق فإهانة له، كالنجاسة. وأما السراج فللفرار من التشبه بعبدة النار، والأولى عدم التخصيص بالسراج، ولا بالتنور، بل إطلاق الكراهة على استقبال النار، فيكون استقبال التنور والسراج وغيرهما من أنواع النار قسمًا واحدًا.
وأما الجنب، والحائض فللحديث الذي في الانتصار، ولما في الحائض من قطعها الصلاة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث الذي ذكره صاحب "الانتصار"، لم يبين الشوكاني ﵀ درجته، ولا أورده بسنده حتى ننظر فيه، فالله أعلم بصحته.
قال: واعلم أن القائلين بصحة الصلاة في هذه المواطن، أو في أكثرها تمسكوا في المواطن التي صحت أحاديثها بأحاديث: "أينما أدركتك الصلاة فصل"، ونحوها، وجعلوها قرينة قاضية بصحة تأويل الأحاديث القاضية بعدم الصحة. وقد عرفناك أن أحاديث النهي عن المقبرة، والحمام، ونحوهما خاصة، فتبنى العامة عليها. وتمسكوا في
[ ٩ / ٢٥٩ ]
المواطن التي لم تصح أحاديثها بالقدح فيها، لعدم التعبد بما لم يصح، وكفاية البراءة الأصلية حتى يقوم دليل صحيح ينقل عنها، لاسيما بعد ورود عمومات قاضية بأن كل موطن من مواطن الأرض مسجد تصح الصلاة فيه، وهذا متمسك صحيح، لابد منه. اهـ "نيل الأوطار" جـ ٢ ص ٢٤٣ - ٢٤٥.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما قرره العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى أن الصحيح صحة الصلاة في جميع بقاع الأرض، إلا ما صح استثناء الشارع له، وقد تقدم من ذلك: أعطان الإبل، والمقبرة، والحَمَّام، وما عدا ذلك فهو باق على معنى حديث جابر ﵁: "جعلت لي الأرض مسجدًا، وصهورًا، أينما أدرك رجلٌ من أمتي الصلاة صلى" وهو الحديث الآتي للمصنف في الباب التالي، وتقدم نحوه برقم ٢٦/ ٤٣٢.
والحاصل أن الصلاة تصح في كل مكان، إلا ما صح الدليل باستثنائه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٢٦٠ ]