أي هذا باب في ذى الحديث الدال على جواز الصلاة على الخمرة.
و"الخمرة" -بضم الخاء، وسكون الميم-: وزان غُرْفة: يأتي تفسيرها قريبًا، إن شاء الله تعالى.
٧٣٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي الشَّيْبَانِيَّ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري أبو مسعود البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٨، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت توفي سنة ١٨٦ هـ، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، الإِمام الحجة الثبت، توفي سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في
[ ٩ / ٢٧٦ ]
٢٤/ ٢٦.
٤ - (سليمان) بن أبي سليمان، فيروز، أبو إسحاق الشيباني الكوفي ثقة، توفي في حدود سنة ١٤٠ هـ، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧٢/ ٢٦٧.
٥ - (عبد الله بن شداد) بن الهاد، واسم الهاد: أسامة بن عمرو ابن عبد الله بن جابر، وقيل: خالد بن بشر بن عَتوارة بن عامر بن مالك ابن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار الليثي، أبو الوليد المدني، كان يأتي الكوفة، وأمه سلمى بنت عميس الخثعمية، أخت أسماء بن عميس.
قال الميموني: سئل أحمد، أسمع عبد الله بن شداد من النبي -ﷺ- شيئًا؟ قال: لا. وقال ابن المديني: شهد مع علي يوم النهروان. وقال العجلي، والخطيب: هو من كبار التابعين، وثقاتهم. وقال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عثمانيًا، ثقة في الحديث، توفي في ولاية الحجاج على العراق. وقال الواقدي: خرج مع القراء أيامَ ابن الأشعث على الحجاج، فقتل يوم دُجَيْل، وكان ثقة فقيهًا، كثير الحديث، متشيعًا. وقال ابن نمير: قتل بدجيل سنة ٨١. وقال يحيى بن بكير، وغير واحد: فُقِدَ ليلة دجيل سنة ٨٢. وقال الثوري: فقد ابن شداد، وابن أبي ليلى بالجَمَاجِم. وكذا قال العجلي، وزاد: اقتحم بهما فرساهما الماء، فذهبا. وقال ابن حبان في الثقات: غَرِقَ بدُجيل. وقال
[ ٩ / ٢٧٧ ]
ابن عبد البر في الاستيعاب: ولد على عهد النبي -ﷺ-. وقال يعقوب ابن شيبة في مسند عمر: كان يتشيع. قال الحافظ: وما تقدم عن ابن سعد: كان عثمانيًا. فيه نظر. أخرج له الجماعة. وفي "ت" مات بالكوفة مقتولًا سنة ٨١، وقيل بعدها.
٦ - (ميمونة) بنت الحارث الهلالية، زوج النبي -ﷺ-، قيل: اسمها برة، فسماها النبي -ﷺ- ميمونة، تزوجها بسرف سنة ٧، وماتت به، ودفنت سنة ٥١، على الصحيح، أخرج لها الجماعة. تقدمت في ١٤/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده.
ومنها: أنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وكوفي، وهو سليمان، ومدنييْن، وهما عبد الله بن شداد، وميمونة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، سليمان، عن عبد الله بن شداد.
[ ٩ / ٢٧٨ ]
شرح الحديث
(عن ميمونة) أم المؤمنين ﵂ (أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي على الخمرة) هذا الحديث مختصر، ولفظه عند البخاري: "كان رسول الله -ﷺ- يصلي، وأنا حِذاءه، وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، قالت: وكان يصلي على الخمرة".
والخُمْرة -بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم-: قال الطبري: هو مصَلَّى صغير يعمل من سَعَفِ النخل، سميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها، فإن كانت كبيرة سميت حصيرًا. وكذا قال الأزهري في تهذيبه، وصاحبه أبو عبيد الهروي، وجماعة بعدهم. قاله في الفتح. جـ ١ ص ٥٧٢.
وقال ابن منظور: الخُمْرة: حَصِيرة أو سَجَّادة صغيرة، تُنْسَج من سَعَف النخل (^١) وتُرَمَّلُ (^٢) بالخيوط. وقيل: حَصِيرة أصغر من المُصَلَّى. وقيل: الخمرة: الحصير الصغير الذي يُسجَدُ عليه. قال الزجاج: سميت خمرة لأنها تستر الوجه من الأرض. لسان. جـ ٢ ص ١٢٦١.
وقال ابن الأثير ﵀: هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه
_________________
(١) السَّعَف -بفتحتين- أغصان النخل ما دامت بالخوص، فإن زال الخوص عنها قيل: جَريد، الواحدة سَعَفَة، مثل قَصَب، وقَصَبَة. والخوص بالضم: ورق النخل، الواحدة خُوصة. اهـ المصباح.
(٢) قوله: "يُرَمَّل"، يقال: رَمَّلَ النسْجَ: رفَّقَه، كأرملة، والسريرَ، أو الحصيرَ: زيَّنه بالجوهر، ونحوه. اهـ "ق".
[ ٩ / ٢٧٩ ]
في سجوده من حصير، أو نسيج خُوص، ونحوه، من النبات، قال: ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعَفَها. وقد تكررت في الحديث". هكذا فسرت. وقد جاء في سنن أبي داود، عن ابن عباس ﵄، قال: "جاءت فأرة، فأخذت تَجُرُّ الفَتِيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله -ﷺ- على الخمرة التي كاَن قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم". وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. اهـ "نهاية". جـ ٢ ص ٧٧ - ٧٨.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المراد هنا الكبيرة، إذ لو كانت صغيرة لقالت: "كان يسجد على الخمرة".
وفي "المنهل": أن الخمرة يجعلها المصلي تحت جبهته، لتَقِيه من الحر، والبرد، وتطلق أيضًا على الكبير من نوعها، وهو المراد في الحديث. اهـ. جـ ٥ ص ٤٦.
وفيه دلالة على جواز الصلاة على الخمرة. قال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة على الخمرة، إلا ما روي عن عمر ابن عبد العزيز أنه كان يؤتى بالتراب، فيوضع على الخمرة، فيسجد عليه. ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع، والخشوع، فلا يكون فيه مخالفة للجماعة. اهـ.
[ ٩ / ٢٨٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا الفعل لا ينبغي الاقتداء به، وإن كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عَمِلَ به مبالغة في التواضع، فالنبي -ﷺ- أشد تواضعًا منه، وهو القدوة الحسنة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فلا ينبغي العدول عما ثبت عنه؛ لأن الله تعالى ضمن الهداية في اتباعه فقط، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ميمونة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٤٤/ ٧٣٨)، و"الكبرى" (٤٤/ ٨١٧) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي الوليد، عن شعبة، بلفظ المصنف. وفي "الطهارة" مطولًا عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن الشيباني، به بلفظ "أنها كانت تكون حائضًا، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله -ﷺ- وهو يصلي على الخمرة- فإذا سجد أصابني بعض ثوبه". وفي "الصلاة" عن مسدد، باللفظ
[ ٩ / ٢٨١ ]
المتقدم في شرح الحديث. وقال في موضع آخر تعليقًا: وزاد مسدد، عن خالد ابن عبد الله -وعن عمرو بن زُرَارة، عن هُشيم- وعن أبي النعمان، عن عبد الواحد -ثلاثتهم عن الشيباني، به.
وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن خالد، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عباد بن عباد، عن الشيباني، به.
وأخرجه أبو داود فيه عن عمرو بن عون، عن خالد، به.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، به.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٢٨٢ ]