أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أمر المصلي أن يقرُب من السترة التي نصبها لتحجبه عن المار بين يديه.
٧٤٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩]، تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (إِسحاق بن منصور) الكوسج المروزي، ثقة ثبت، من [١١]، تقدم في ٧٢/ ٨٨.
٣ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة، ثبت حجة، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (صفوان بن سليم) المدني، أبو عبد الله الزهري، مولاهم،
[ ٩ / ٣٤٠ ]
ثقة مفتٍ عابد رمي بالقدر، توفي سنة ١٣٢، عن ٧٢ سنة، من [٤]، تقدم في ٤٧/ ٥٩.
٥ - (نافع بن جُبير) بن مُطْعِم النوفلي، أبو محمد، أو أبو عبد الله، المدني، ثقة فاضل، توفي سنة ٩٩، من [٣]، تقدم في ٩٦/ ١٢٤، أخرج له الجماعة.
٦ - (سهل بن أبي حثمة) -بفتح الحاء المهملة، وسكون المثلثة- واسمه عبد الله، وقيل: عامر بن ساعدة بن عامر بن عَديّ بن جُشَم بن مَجْدَعَة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو يحيى، ويقال: أبو محمد، المدني صاحب رسول الله -ﷺ-.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه: بايع تحت الشجرة، وكان دليل النبي -ﷺ- ليلة أحد، وشهد المشاهد كلها، إلا بدرًا. قال عبد الرحمن سمعت رجلًا من ولده سأله أبي عن ذلك؟ فأخبره به.
وقال الواقدي: مات النبي -ﷺ-، وهو ابن ثمان سنين، وحفظ عنه. قال ابن منده: قول الواقدي أصح. وكذا جزم به ابن حبان، وأبو جعفر الطبري، وابن السكن، والحاكم أبو أحمد، وغيرهم. ومنهم من عين مولده سنة ثلاث من الهجرة.
وقال ابن القطان: قول أبي حاتم لا يصح عندهم البتة، والغلط فيه من هذا الرجل الذي لا يُدرَى مَنْ هو؟ وإنما الذي بعثه النبي -ﷺ- خارصًا: أبوه، أبو حثمة، وهو الذي كان دليل النبي -ﷺ- إلى أحد، كذا ذكره ابن
[ ٩ / ٣٤١ ]
جرير، وغيره. وتوفي في أول خلافة معاوية، وهكذا ذكر ابن عبد البر.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه اشتبه بسهل ابن الحنظلية، فإنه مذكور بهذا الوصف، وقرأت بخط الذهبي: أظن سهلًا مات زمن معاوية. قال الحافظ: ويقويه حكمهم على رواية الزهري بالإرسال. لكن الذي جزم به الطبري أن الذي مات في خلافة معاوية هو أبوه، أبو حثمة. والله أعلم. أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شيخه عليًا، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وإسحاق، فما أخرج له أبو داود. وأنهم مدنيون، إلا شيخيه فمروزيان، وسفيان فكوفي ثم مكي، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سهل بن أبي حثمة) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إِذا صلي أحدكم إِلى سترة، فليدن منها) أمر من الدنوّ، وهو القرب. أي ليقرب من تلك السترة. والظاهر أن الأمر فيه للوجوب -كما قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى لظاهر الأمر. وسيأتي مقدار الدنو في الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
قال في "المنهل" جـ ٥ ص ٨٧: فيه إشارة إلى أن اتخاذ السترة
[ ٩ / ٣٤٢ ]
للمصلي محقق، حيث عبر بـ"إذا" ويؤيده ما جاء من الأحاديث التي فيها الأمر باتخاذها، وليس المراد أنه مخير في اتخاذ السترة، وعدمه، كما قد يتوهم من العبارة. اهـ.
قال الجامع: ما قاله في "المنهل" حسن جِدًّا، كما تقدم تحقيقه. والله سبحانه، وتعالى أعلم.
(لا يقطع الشيطان صلاته) برفع "يقطع" على أن الجملة مستأنفة، في قوة التعليل، أي لئلا يقطع الشيطان صلاته، بأن يحمل من يمر بين يديه، فيقطع صلاته عليه حقيقة، كالمرأة، والحمار، والكلب، عند قوم، أو يقطع عليه خشوعه، عند آخرين. وسيأتي تمام الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى. ويحتمل أن المراد بالشيطان الكلب، أو المار، فقد جاء في الحديث إطلاق الشيطان على كل منهما، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
والحديث يدل على مشروعية القرب من السترة، وعلى أن القرب منها يحفظ على المصلي صلاته، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث سهل بن أبي حثمة ﵄ هذا صحيح. أخرجه المصنف هنا (٥/ ٧٤٨)، و"الكبرى" (٤/ ٨٢٤)، بالسند المذكور.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه معه:
[ ٩ / ٣٤٣ ]
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن محمد بن الصباح، وعثمان بن أبي شيبة، وحامد بن يحيي، وابن أبي السرح، كلهم عن سفيان بن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة، يبلغ به النبي -ﷺ-، قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة … " الحديث.
المسألة الثالثة: أنه وقع اختلاف في هذا الحديث:
قال أبو داود بعد إخراجه له: ورواه واقد بن محمد، عن صفوان، عن محمد بن سهل، عن أبيه، أو عن محمد بن سهل، عن النبي -ﷺ-. وقد قال بعضهم: عن نافع بن جبير، عن سهل بن سعد، واختلف في إسناده. اهـ.
وأخرجه البيهقي جـ ٢ ص ٢٧٢، من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، أنه سمع صفوان يحدث عن محمد ابن سهل، عن أبيه، أو عن محمد بن سهل، عن النبي -ﷺ-. وأخرجه من طريق ابن وهب، عن داود بن قيس المدني، عن نافع بن جبير بن مطعم، أن رسول الله -ﷺ- قال: … الحديث. مرسلًا. قال البيهقي رحمه الله تعالى: قد أقام إسناده سفيان بن عيينة، وهو حافظ حجة. اهـ.
وأخرجه البغوي رقم ٥٣٧ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن داود ابن قيس، عن نافع بن جبير، عن سهل -ولم ينسبه- عن رسول الله -ﷺ-.
قال الجامع عفا الله عنه: القول قول البيهقي رحمه الله تعالى حيث رجح رواية سفيان بن عيينة، لكونه حافظًا حجة، فيكون الحكم
[ ٩ / ٣٤٤ ]
للوصل لأنه زيادة ثقة ثبت. فالحديث صحيح. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٣٤٥ ]