أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة في داخل الكعبة.
٦٩٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا، فَسَأَلْتُهُ، هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ، صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم في السند السابق.
٢ - (الليث) بن سعد، تقدم في السند السابق.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة حجة حافظ، من [٤] تقدم في ١/ ١.
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر المدني، ثقة فقيه عابد، من [٣] تقدم في ٤٩٠.
[ ٨ / ٤٨٤ ]
٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي المشهور ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات حفاظ، من رجال الجماعة.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه فبغلاني، والليث فمصري.
ومنها: أنه نقل عن الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه أن أصح الأسانيد: ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، ذكره في التقريب، مع شرحه التدريب جـ ١ص ٧٧.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، ابن شهاب عن سالم.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، سالم عن عبد الله.
ومنها: أن سالمًا هو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
ومنها: أن صحابيه، هو أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر - ﵄ -، أنه (قال: دخل رسول الله - ﷺ - البيت) أي بيت الله الحرام، فإن البيت
[ ٨ / ٤٨٥ ]
علم له بالغلبة، كما قال في الخلاصة:
وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أو مَصْحُوبُ ألْ كَالْعَقَبَهْ
قال الحافظ -﵀-: وكان ذلك في عام الفتح، كما وقع مبينًا من رواية يونس بن يزيد، عن نافع، عند البخاري في كتاب الجهاد بزيادة فوائد، ولفظه: "أقبل النبي - ﷺ - يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته"، وفي رواية فليح، عن نافع "وهو مردف أسامة -يعني ابن زيد- على القصواء"، ثم اتفقا، "ومعه بلال، وعثمان بن طلحة، حتى أناخ في المسجد، وفي رواية فليح "عند البيت، وقال لعثمان: ائتنا بالمفتاح، فجاءه بالمفتاح، ففتح له الباب، فدخل"، ولمسلم، وعبد الرزاق من رواية أيوب، عن نافع "ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أمه -واسمها: سُلافَة، بضم المهملة، والتخفيف، والفاء- فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه، أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته، فجاء به إلى رسول الله - ﷺ -، ففتح الباب".
فظهر من رواية فليح أن فاعل فتح، هو عثمان المذكور، لكن روى الفاكهي من طريق ضعيفة عن ابن عمر، قال: "كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله - ﷺ - المفتاح، ففتحها بيده".
(هو، وأسامة بن زيد) بن حارثة، حِبُّ رسول الله - ﷺ -، وابن حبه، هو، وأبوه، وجده صحابيون ﵃، مات بالمدينة
[ ٨ / ٤٨٦ ]
سنة ٥٤ - وهو ابن ٥٧ سنة، وتقدمت ترجمته ٩٦/ ١٢٠.
(وبلال) بن رباح، أبو عبد الله المؤذن، وأمه حَمَامة، مولى أبي بكر الصديق - ﵁ -، أحد السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا، وما بعدها، ومات بالشام سنة ١٧، وقيل غير ذلك. تقدمت ترجمته ٨٦/ ١٠٤.
(وعثمان بن طلحة) بن أبي طلحة بن عثمان بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري، ويقال له: الحَجَبِي -بفتح المهملة، والجيم- ولآل بيته الحَجَبَة، لحجبهم الكعبة، يعرفون الآن بالشيبيين، نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عم عثمان هذا، لا ولده، وله أيضًا صحبة ورواية. مات عثمان بن طلحة سنة ٤٢، وقيل: استشهد بأجنادين، وأبطل ذلك العسكري. قاله في الفتح، وتقريب التهذيب.
قال المهلب شارح البخاري: إدخال النبي - ﷺ - معه هؤلاء الثلاثة لمعان تخص كل واحد منهم، فأما دخول عثمان، فلخدمته البيت في الغلق، والفتح، والكنس، ولو لم يدخله لِغَلْقِ بابها، لتوهم الناس أنه عزله. وأما بلال، فمؤذنه، وخادم أمر صلاته. وأما أسامة، فمتولي خدمة ما يحتاج إليه، وهم خاصته، فللإمام أن يخص خاصته ببعض ما يستتر به عن الناس. انتهى.
وزاد في رواية مسلم من طريق أخرى "ولم يدخلها معهم أحد"، ووقع عند المصنف في المناسك (٢١٦/ ٢٩٠٦) من طريق ابن عون،
[ ٨ / ٤٨٧ ]
عن نافع "ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال" فزاد الفضل.
ولأحمد من رواية مجاهد، عن ابن عباس، قال: حدثني أخي الفضل -وكان معه حين دخلها- أن النبي - ﷺ - لم يصل في الكعبة، ولكنه لما دخلها وقع ساجدًا بين العمودين، ثم جلس يدعو. قال ولي الدين العراقي -﵀-: وهذه الرواية شاذة من وجهين: دخول الفضل معهم، والاقتصار على السجود. انتهى. طرح جـ ٥ ص ١٣٢.
(فأغلقوا عليهم) مفعوله محذوف للعلم، أي باب البيت، زاد في رواية حسان بن عطية، عن نافع، عند أبي عوانة "من داخل" وزاد يونس "فمكث نهارًا طويلًا"، وفي رواية فليح "زمانًا" بدل نهارًا، وفي رواية جويرية، عن نافع "فأطال"، ولمسلم من رواية ابن عون، عن نافع "فمكث فيها مَليًّا"، وله من رواية عبيد الله، عن نافع "فأجافوا عليهم الباب طويلًا"، ومن رواية أيوب، عن نافع "فمكث فيها ساعة"، وللمصنف من طريق ابن عون، عن نافع (١٢٦/ ٢٩٠٦)، "فمكث فيه ما شاء الله"، ومن رواية ابن أبي مليكة عن ابن عمر (١٢٧/ ٢٩٠٧) دخل رسول الله - ﷺ - الكعبة، ودنا خروجه، ووجدت شيئًا، فذهبت، وجئت سريعًا، فوجدت رسول الله - ﷺ - خارجًا".
ووقع في الموطأ بلفظ: "فأغلقاها"، والضمير لعثمان، وبلال، ولمسلم من طريق ابن عون، عن نافع "فأجاف عليهم عثمان الباب"،
[ ٨ / ٤٨٨ ]
والجميع بينهما أن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه من وظيفته، ولعل بلالًا ساعده في ذلك، ورواية الجمع يدخل فيها الآمر بذلك، والراضي به. قاله في الفتح جـ ٣ ص ٥٤٢ - ٥٤٣.
قال ابن بطال: وأما غلق الباب -والله أعلم- حين صلى في البيت لئلا يظن الناس أن الصلاة فيه سنة، فيلزمون ذلك.
وقال النووي في شرح مسلم: إنما أغلقها ﵇، ليكون أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، ولئلا يجتمع الناس، ويدخلوه، أو يزدحموا، فينالهم ضرر، ويتهوش عليه الحال بسبب لغطهم. انتهى.
قال ولي الدين: وما ذكره النووي أظهر، وأما ما ذكره ابن بطال، فضعيف، فإنه عليه الصلاة لا يخفي صلاته في البيت، وقد شاهدها جماعة، ونقلوها. وقيل: إنما أغلقها ليصلي إلى جميع جهاتها، فإن الباب إذا كان مفتوحًا، وليس أمامه قدر مؤخرة الرحل لم تصح الصلاة. حكاه المحب الطبري. انتهى. طرح.
قال الجامع: ما قاله النووي أوضح، كما قال ولي الدين، والقولان الآخران ليسا بشيء. والله أعلم.
(فلما فتحها رسول الله - ﷺ -) أي أمر بفتحها، وللبخاري "فلما فتحوا"، وفي رواية فليح "ثم خرج، فابتدر الناس الدخول، فسبقتهم"، وفي رواية أيوب "وكنت رجلًا شابًا قويًا، فبادرت الناس، فبَدَرْتُهم"، وفي زواية جويرية "كنت أول الناس، ولج على
[ ٨ / ٤٨٩ ]
أثره" وفي رواية ابن عون "فرقيت الدرجة، فدخلت البيت"، وفي رواية مجاهد، عن ابن عمر "وأجِدُ بلالًا قائمًا بين البابين"، وأفاد الأزرقي في كتاب مكة: أن خالد بن الوليد كان على الباب، يذب عنه الناس، وكأنه جاء بعد ما دخل النبي - ﷺ -، وأغْلِقَ. قاله الحافظ.
(كنت أول من ولج) أي دخل، يقال: وَلَجَ الشيء في غيره، يَلِجُ، من باب وَعَدَ، وُلُوجًا: دخل، وأولجته، إيلاجًا: أدخلته. أفاده في المصباح.
(فلَقيت بلالًا، فسألته هل صلى فيه) أي داخل البيت (رسول الله - ﷺ -) هكذا رواية سالم بإثبات أول السؤال، ومثلها رواية مجاهد، وابن أبي مليكة، عن ابن عمر عند البخاري "فقلت: أصلى النبي - ﷺ - في الكعبة؟ قال: نعم"، وفي رواية مالك عن نافع "ما صنع؟ "، وفي رواية جويرية، ويونس، وجمهور أصحاب نافع "فسألت بلالًا، أين صلى؟ اختصروا أول السؤال، فظهر بهذا أنه استثبت أولًا، هل صلى، أم لا؟ ثُم سأل عن موضع صلاته من البيت؟
ووقع في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم، فأخبرني بلال، أو عثمان بن طلحة"، والمحفوظ أنه سأل بلالًا، كما في رواية الجمهور.
ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، أنه سأل بلالًا، وأسامة بن زيد، حين خرجا" أين صلى النبي - ﷺ -
[ ٨ / ٤٩٠ ]
فيه؟ فقالا: على جهته"، وكذا أخرجه البزار نحوه. ولأحمد، والطبراني من طريق أبي الشعثاء، عن ابن عمر، قال: "أخبرني أسامة
أنه صلى فيه ها هنا".
ولمسلم، والطبراني من وجه آخر: "فقلت: أين صلى النبي - ﷺ -؟ فقالوا"، فإن كان محفوظًا حمل على أنه ابتدأ بلالًا بالسؤال، كما تقدم تفصيله، ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة، فسأل عثمان أيضًا، وأسامة، ويؤيد ذلك قوله -في رواية ابن عون عند مسلم-: "ونسيت أن أسألهم، كم صلى"، بصيغة الجمع، وهذا أولى من جزم عياض بوهم الرواية التي أشرنا إليها من عند مسلم، وكأنه لم يقف على بقية الروايات.
ولا يعارض قصته، مع قصة أسامة ما أخرجه مسلم أيضًا، وهو الآتي للمصنف برقم (١٣٣/ ٢٩١٧) من حديث ابن عباس: أن أسامة ابن زيد أخبره أن النبي - ﷺ - لم يصل فيه، ولكنه كبر في نواحيه؛ فإنه يمكن الجمع بينهما بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه، لكونه لم يره - ﷺ - حين صلى، وسيأتي تحقيق القول في إثبات بلال لصلاته - ﷺ -، ونفي أسامة لها، في المسائل، إن شاء الله تعالى.
(قال: نعم، صلى بين العمودين) -بفتح، فضم-: الخشبة التي يقوم عليها البيت، جمعه: أعْمِدَة، وعُمُدٌ -بضمتين، وعَمَدٌ-
[ ٨ / ٤٩١ ]
بفتحتين-، يقال: له العماد أيضًا. قاله في اللسان، والمصباح.
(اليمانيين) تثنية يمان، نسبة إلى اليمن البلد المعروف، على غير قياس، إذ القياس: يمني، وفي ياء يمان مذهبان:
أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء، لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يثقل، لئلا يجمع بين العوض، والمعوض عنه.
والثاني: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدال على النسبة تنبيهًا على جواز حذفها.
وسمي اليمن به؛ لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة. أفاده في المصباح.
ثم إن هذه الرواية فيها اختصار سؤال مكان الصلاة، وفي الرواية الآتية رقم (١٢٧/ ٢٩٠٨) "فقلت: يا بلال، أصلى رسول الله - ﷺ - في الكعبة؟ قال: نعم، قلت: أين؟ قال: ما بين هاتين الأسطوانتين".
وسيأتي بيان اختلاف الرواية في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر - ﵄ - متفق عليه.
[ ٨ / ٤٩٢ ]
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥/ ٦٩٢)، و"الكبرى" (٥/ ٧٧١) عن قتيبة، عن الليث ابن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عنه، و(٦/ ٧٤٩)، و"الكبرى" (٥/ ٨٢٥)، عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن مالك، عن نافع، عنه.
وفي "المناسك" (١٢٦/ ٢٩٠٥)، والكبرى (١٢٦/ ٣٨٨٨) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن ابن عون، عن نافع به. و(٢٩٠٦)، و"الكبرى" (١٢٧/ ٣٨٨٩)، عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن ابن عون به. و(١٢٧/ ٢٩٠٧)، و"الكبرى" (١٢٨/ ٣٨٩٠)، عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن السائب بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عنه. و(٢٩٠٨)، و"الكبرى" (٣٨٩١)، عن أحمد ابن سليمان، عن أبي نعيم، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، من طريق مالك، وأخرجه البخاري، ومسلم أيضًا من طريق أيوب السختياني، والبخاري من طريق موسى بن عقبة، وجويرية بن أسماء، وفليح بن سليمان، ويونس بن يزيد، ومسلم، وأبو داود من طريق عبيد الله بن عمر، ومسلم، من طريق عبد الله بن عون، وابن ماجه من طريق حسان بن عطية، كلهم عن نافع.
[ ٨ / ٤٩٣ ]
وأخرجه الشيخان من طريق سالم ابن عبد الله، والبخاري، من طريق مجاهد، كلهم عن ابن عمر - ﵄ -، وروى الترمذي من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال "أن النبي - ﷺ - صلى في جوف الكعبة". وقال: حديث بلال حديث حسن صحيح. انظر "طرح التثريب" جـ ٦ ص ١٢٩ - ١٣٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -﵀-، وهو جواز الصلاة في الكعبة، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في ذلك في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى.
ومنها: رواية الصحابي، عن الصحابي، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به.
ومنها: الاحتجاج بخبر الواحد.
ومنها: اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة.
ومنها: السؤال عن العلم، والحرص فيه.
ومنها: فضيلة ابن عمر - ﵁ - حيث كان شديد الحرص على تتبع آثار النبي - ﷺ -، ليعمل بها.
ومنها: أن الفاضل من الصحابة قد يغيب عن النبي - ﷺ - في بعض المشاهد الفاضلة، ويحضره من هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع
[ ٨ / ٤٩٤ ]
عليه؛ لأن أبا بكر وعمر وغيرهما مِمَّنْ هو أفضل من بلال ومن ذكر معه، لم يشاركوهم في ذلك.
ومنها: أن البخاري -﵀- استدل بهذا الحديث على أن الصلاة إلى مقام إبراهيم غير واجبة، وعلى جواز الصلاة بين السواري في غير جماعة.
ومنها: ما قيل: إن السترة إنما يشرع اتخاذها حيث يخشى المرور، فإنه - ﷺ - صلى بين العمودين، ولم يصل إلى أحدهما، لكن هذا -كما قال الحافظ- فيه أنه إنما ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار، إذ كان بين مصلاة وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع، ولذلك استدل المصنف به على مقدار الدنو من السترة، كما يأتي برقم (٧٤٩).
ومنها: أن قول العلماء: تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة، لكونه - ﷺ - جاء فأناخ عند البيت، فدخله، فصلى فيه ركعتين، فكانت تلك الصلاة، إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل، أو هو تحية المسجد العام.
قال الجامع عفا الله سنه: هكذا ذكر الحافظ -﵀-، ولي فيه نظر، إذ تحية المسجد الحرام ركعتان، كسائر المساجد؛ لأنه داخل في عمومها، وأما ما ثبت من أنه - ﷺ - أول ما بدأ به في حجه الطوافُ، فلا يتنافى معه؛ لأنه طاف، ثم صلى ركعتين، والنهي إنما جاء عن الجلوس قبل الركعتين.
[ ٨ / ٤٩٥ ]
والحاصل: أن السنة لمن أحرم بأحد النسكين أن يبدأ بالطواف، ومعلوم أن الطواف بعده ركعتان، وأما غيره فإن أراد أن يطوف طاف، وصلى ركعتين، وإلا صلى ركعتين، بدليل حديث الباب، والله أعلم.
ومنها: مشروعية الإغلاق للكعبة، ويقاس عليها غيرها من المساجد، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] إن المراد إغلاقها في غير وقت الصلاة.
وبوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث "باب الأبواب، والغلق للكعبة والمساجد".
وقال ابن بطال: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب لتصان عن مكان الريب، وتنزه عما لا يصلح فيها من غير الطاعات. قاله في الطرح.
قال الجامع: ويدل له حديث عائشة - ﵂ -، قالت: "أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف، وتطيب" رواه أصحاب السنن إلا المصنف. وعن سمرة بن جندب - ﵁ -، قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نتخد المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها". رواه أحمد بإسناد صحيح، والترمذي، وصححه. والمراد بالدار: المحلة.
ومنها: استحباب دخول الكعبة، لكنه مشروط بأن لا يؤذي أحدًا. وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
[ ٨ / ٤٩٦ ]
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف ألفاظه:
رواية المصنف هنا (٦٩٢) "بين العمودين اليمانيين"، وفي (٧٤٩) جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه"، وفي (٢٩٠٦) "ما بين الأسطوانتين"، وفي (٢٩٠٨) "بين الساريتين".
قال الحافظ ولي الدين العراقي -﵀-: قوله: "جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه"، كذا في رواية البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، وكذا في رواية أبي داود عن القعنبي، كلاهما عن مالك، وفي رواية البخاري، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك "جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه".
ونقل ابن عبد البر في التمهيد اللفظ الأول عن الأكثر من رواة الموطأ: منهم يحيى بن يحيى الأندلسي، والقعنبي، وابن القاسم، وأبو مصعب، وابن بكير، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن سليمان، وأحمد بن إسماعيل، وابن مهدي، من رواية أحمد بن سنان القطان عنه، والشافعي، من رواية أبي يحيى، محمد بن سعيد العطار، عنه.
ونقل اللفظ الثاني عن إسحاق بن الطباع، ومكي بن إبراهيم، وأبي قلابة، عن بشر بن عمر، وبندار، عن ابن مهدي، كلهم عن مالك.
[ ٨ / ٤٩٧ ]
ونقل اللفظ الثالث عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وبندار، عن بشر بن عمر، والربيع، عن الشافعي، كلهم عن مالك. قال: ورواه عثمان بن عمر، عن مالك، فقال فيه: "جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره"، وقال: ولم يتابع على هذه الرواية، قال: والرواية الأولى أولى بالصواب، إن شاء الله.
وصحح البيهقي أيضًا هذه الرواية. وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: وهي موافقة لكونه مقابل الباب، وفي رواية في الصحيح أيضًا "صلى بين العمودين اليمانيين"، وإذا تقرر ترجيح الرواية الأولى، فلا ينافيها قوله في الرواية الثانية "عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره" لأن معناها: صلى بين عمودين، وإن كان بجانب أحد العمودين عمود آخر، ولا قوله في الرواية الأخيرة "بين العمودين اليمانيين"، فإن العمد الثلاثة، أحدها يماني، وهو الأقرب إلى الركن اليماني، والآخر، وهو الأقرب إلى الحجر شامي، والأوسط بينهما، إن قرن بالأول، قيل: اليمانيان، وإن قرن بالثاني، قيل: الشاميان، ذكره المحب الطبري، وهو واضح.
وأما الرواية الثالثة، فإنه يتعذر الجمع بينها، وبين الأولى، فهي ضعيفة، لشذوذها، ومخالفتها رواية الأكثرين، كما تقدم.
وأما الرواية الرابعة، فهي مقطوع بوهمها، إذ ليس هناك أربعة أعمدة، حتى يكون عن يمينه اثنان، وعن يساره اثنان. انتهى. "طرح
[ ٨ / ٤٩٨ ]
التثريب". جـ ٥ ص ١٣٦ - ١٣٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة السادسة) في مذاهب العلماء في حكم الصلاة في الكعبة:
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى ما حاصله: في هذا الحديث جواز الصلاة في الكعبة، وهذه الصلاة، وإن كانت نافلة، فالفريضة في معناها؛ لأن الأصل استواء الفرض والنفل في الأركان والشرائط، إلا ما استثني بدليل.
وبهذا قال الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور، كما حكاه النووي.
وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم لا يرون بالصلاة في الكعبة بأسًا. وقال مالك بن أنس: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة، وكره أن تصلى المكتوبة في الكعبة، وقال الشافعي: لا بأس أن تصلى المكتوبة، والتطوع في الكعبة؛ لأن حكم المكتوبة والنافلة في الطهارة والقبلة سواء. انتهى.
وقال بجواز الصلاة مطلقًا في الكعبة من المالكية أشهب، وصححه منهم ابن العربي، وابن عبد البر، والمشهور من مذهب مالك جواز صلاة النافلة فيها، والمنع من الفرض، والسنن، كالوتر، وركعتي الفجر، وركعتي الطواف.
[ ٨ / ٤٩٩ ]
وقيد ابن بطال عنه ذلك بالطواف الواجب. وإطلاق الترمذي عن مالك تجويز النافلة تبعه عليه ابن العربي، فيحتمل أنه مقيد بما حكيته، ويحتمل أن الرواية عن مالك في ذلك مختلفة.
وقد حكي عن عطاء بن أبي رباح تجويز النفل فيها، دون الفرض، فإن كان يقول به على إطلاقه، فهو مذهب ثالث في المسألة.
وفيها مذهب رابع، وهو منع الصلاة فيها مطلقًا. حكاه القاضي عياض، عن ابن عباس، وهو أحد القولين عن مالك، كما حكاه ابن العربي، وقال به من أصحابه أصبغ، وحكاه ابن بطال عن محمد بن جرير الطبري، وبه قال بعضى الظاهرية.
وتمسك هؤلاء بأن الله أمر باستقباله، والمصلي فيه مستدبر لبعضه.
وروى الأزرقي أن ابن عباس قال لسماك الحنفي: ائتم به كله، ولا تجعلن شيئًا منه خلفك. قال ابن عبد البر: لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين، إما الصحة مطلقًا، أو الفساد مطلقًا، والصواب عندي قول الصحة مطلقًا، ثم بسط ذلك.
وفيه مذهب خامس: وهو أن التفريق بين الفرض والنفل إنما في الاستحباب، فلو صلى الفرض فيها صح، وارتكب خلاف الأولى.
ومذهب سادس: وهو التفريق في الفرض بين التعمد والنسيان، فيصح مع النسيان دون التعمد. وتردد الشيخ تقي الدين في شرح العمدة عن مالك، فقال: كره الفرض، أو منعه، وعلل تجويز النفل
[ ٨ / ٥٠٠ ]
بأنه مظنة التخفيف في الشروط. انتهى. طرح ببعض اختصار جـ ٥ ص ١٣٨.
قال الجامع عفا الله عنه: ما صححه الحافظ ابن عبد البر من تصحيح الصلاة مطلقًا، كما هو رأي الجمهور هو الراجح عندي
لحديث الباب، وأما الأقوال الأخرى فمما لا دليل عليها، فلا يلتفت إليها، فتبصر. وبالله التوفيق.
المسألة السابعة: في هذا الحديث استحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خزيمة، والبيهقي من حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا "من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج مغفورًا له".
قال البيهقي: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف.
ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحدًا بدخوله. وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس: إن دخول البيت ليس من الحج في شيء. وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج. ورده بأن النبي - ﷺ - إنما دخله عام الفتح، ولم يكن محرمًا.
وأما ما رواه أبو داود، والترمذي، وصححه هو، وابن خزيمة، والحاكم عن عائشة "أنه - ﷺ - خرج من عندها وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب، فقال: دخلت الكعبة، فأخاف أن أكون شققت على أمتي". فقد يتمسك به لصاحب هذا القول المحكي، لكن عائشة لم تكن معه في الفتح، ولا في عمرته، بل ثبت أنه لم يدخل في الكعبة
[ ٨ / ٥٠١ ]
في عمرته، فتعين أن القصة كانت في حجته، وهو المطلوب، وبذلك جزم البيهقي، وإنما لم يدخل في الكعبة في عمرته لِمَا كان في البيت من الأصنام، والصور، وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها، بخلاف عام الفتح. ويحتمل أن يكون - ﷺ - قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، ونقل عن جماعة من أهل العلم أنه لم يدخل الكعبة في حجته. أفاده في الفتح جـ ٣ ص ٥٤٤ - ٥٤٥.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الذي ذكره الحافظ بأنه قال لها ذلك في المدينة، وأنه ليس في السياق ما يمنعه، عندى بعيد، بل السياق يأباه، إلا بتكلف، فإن قوله: "خرج من عندها، وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب" ظاهر في كون ذلك في مكة. والقول بأنه لم يدخل في حجته البيت لا دليل عليه، فالظاهر ما جزم به البيهقي، من أنه دخل في حجته. والله أعلم.
المسألة الثامنة: في هذه الرواية إثبات صلاته - ﷺ - في الكعبة.
وفي صحيح البخاري، وغيره عن ابن عباس - ﵄ - "أن رسول الله - ﷺ - دخل البيت، فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه". ورواه مسلم بلفظ "ودعا، ولم يصل".
وإنما تلقى ابن عباس ذلك عن أسامة بن زيد، ففي صحيح مسلم عنه: أخبرني أسامة بن زيد: "أن النبي - ﷺ - لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل فيه، حتى خرج، فلما خرج ركع في قُبُلِ
[ ٨ / ٥٠٢ ]
البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة".
والعمل على الإثباث، فإنه مقدم على النفي. قال ابن بطال: الآثار أنه صلى أكثر، ولو تساوت في الكثرة، لكان الأخذ بالمثبت أولى من النافي، فقد رَوَى أنه ﵊ صلى في البيت -غير بلال- جماعة، منهم أسامة بن زيد، وعمر بن الخطاب، وجابر، وشيبة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، من طرق حسان، ذكرها الطحاوي كلها في شرح معاني الآثار.
وقال ابن عبد البر: رواية أنه صلى أولى من رواية أنه لم يصل، لأنها زيادة مقبولة، وليس قول من قال: لم يفعل بشهادة.
وقال النووي في شرح مسلم: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت، فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه. وكذا حكى ابن العربي عن العلماء، ثم قال: وهذا إنما يكون لو كان الخبر عن اثنين، فأما وقد اختلف قول ابن عمر، فأثبت مرة، ونفى أخرى، وقول النفي رواية ابن عباس، فلا أدري ما هذا. انتهى.
قال ولي الدين -﵀-: وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر عن واحد، أو اثنين، فالإثبات مقدم ولو كان الاختلاف على واحد.
الثاني: أن ذكر ابن عمر سهو، فإنه لم يرد عنه النفي، ولعله أراد
[ ٨ / ٥٠٣ ]
أسامة، فسبق قلمه إلى ابن عمر.
فأما نفي أسامة، فقد سبق، وأما إثباته، فروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي الشعثاء، قال: "خرجت حاجًا، فجئت حتى دخلت البيت، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزمت الحائط، فجاء ابن عمر، فصلى أربعًا، فلما صلى، قلت له: أين صلى رسول الله - ﷺ - من البيت؟ فقال: أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى ها هنا، فقلت: كم صلى؟ فقال: على هذا أجدني ألوم نفسي، إني مكثت معه عمرًا، فلم أسأله، كم صلى؟ ".
ويوافق هذه الرواية لفظ رواية مسلم من رواية عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فإن فيها بعد ذكر أسامة، وبلال، وعثمان، "فقلت: أين صلى النبي - ﷺ -؟ قالوا: ها هنا، قال: ونسيت أن أسالهم، كم صلى؟ " ومقتضاها نسبة ذلك إلى جميعهم، والمشهور عن أسامة النفي، كما تقدم.
وقال القاضي عياض -﵀-: إن أهل الحديث وهنوا هذه الرواية، فقال الدارقطني: وهم ابن عون هنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده. قال القاضي: وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق، إلا أن في رواية حرملة، عن ابن وهب "فأخبرني بلال، أو عثمان بن طلحة" هكذا هو عند عامة شيوخنا، وفي بعض النسخ "وعثمان"، قال: وهذا يعضد رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال
[ ٨ / ٥٠٤ ]
برواية ذلك.
(فإِن قلت): كيف الجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة مع دخولهما مع النبي - ﷺ - في مرة واحدة؟
قلت: أجيب عنه بأوجه:
أحدها: قال النووي في شرح مسلم: وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي - ﷺ - يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي - ﷺ - في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي - ﷺ -، فرآه بلال لقربه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، وكانت صلاته خفيفة، فلم يرها أسامة، لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملًا بظنه، وأما بلال فتحققها، فأخبر بها.
الثاني: أنه يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم يشهد صلاته، أجاب به الشيخ محب الدين الطبري. أفاده في الطرح. جـ ٥ ص ١٣٥.
قال الحافظ: ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال: "دخلت على رسول الله - ﷺ - في الكعبة، فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصور"، فهذا إسناد جيد. قال القرطبي: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده. انتهى.
[ ٨ / ٥٠٥ ]
وهو مفرع على أن هذه القصة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن، فقد روى عمر بن شبة في كتاب مكة، من طريق علي بن بَذيمَةَ، وهو تابعي، وأبوه -بفتح الموحدة، ثم معجمة، بوزن عظيمة- قال: "دخل النبي - ﷺ - الكعبة، ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة، قد احتبى، فأخذ بحبوته، فحلها". . . الحديث، فلعله احتبى، فاستراح، فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها، مستصحبًا للنفي، لقصر زمن احتبائه، وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الأمر. هذا جمع بطريقة الترجيح.
ومنهم من جمع بينهما بغير ترجيح أحدهما على الآخر. وذلك من أوجه:
أحدها: حمل الصلاة المثبتة على اللغوية، والمنفية على الشرعية، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضًا ونفلًا، وقد تقدم البحث فيه. ويرد هذا الحمل ما تقدم في بعض طرقه، من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن المراد بها الشرعية، لا مجرد الدعاء.
ثانيها: قال القرطبي: يمكن حمل الإثبات على التطوع، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك، وقد تقدم
البحث فيها.
ثالثها: قال المهلب شارح البخاري: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين، صلى في إحداهما، ولم يصل في الأخرى.
[ ٨ / ٥٠٦ ]
وقال ابن حبان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل، الخبران في وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها، على ما رواه ابن عمر، عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال، وإلى أسامة أيضًا، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض.
قال الحافظ: وهذا جمع حسن. لكن تعقبه النووي بأنه لاخلاف أنه - ﷺ - دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي في كتاب مكة، عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم أنه - ﷺ - إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج، فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السفر، لا الدخول، وقد وقع عند الدارقطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. والله أعلم.
ويؤيد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق حماد، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: "قلت له: كيف أصلي في الكعبة؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبح، وتكبر، ولا تركع، ولا تسجد"، وسنده صحيح. انتهى. "فتح" جـ ٣ ص ٥٤٧ - ٥٤٨.
[ ٨ / ٥٠٧ ]
قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة عندي جواب من حمل نفي أسامة على نفي علمه، فلا ينافي إثبات بلال، وأما ابن عباس،
فنفيه مستند إلى غيره، فجوابه جواب مستنده، وأما ما نقل من إثبات أسامة، فإن صح، فجوابه ما أجاب به ابن حبان، من تعدد الواقعة. والله أعلم.
المسألة التاسعة: لم يبين في رواية المصنف هنا، ولا في أكثر الروايات عدد ركعات صلاته، بل في الصحيحين عن ابن عمر، أنه
قال: ونسيت أن أسأله -يعني بلالًا- كم صلى؟
لكن في أوائل الصلاة من صحيح البخاري عن مسدد، عن يحيى، عن سيف، عن مجاهد، قال: "أتي ابن عمر - ﵄ -، فقيل له: هذا رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة، قال ابن عمر: فأقبلت، والنبي - ﷺ - قد خرج، وأجد بلالًا قائمًا بين البابين، فسألت بلالًا، فقلت: صلى رسول الله - ﷺ - في الكعبة؟ قال: نعم؟ ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره، إذا دخلت، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين".
وقد أعادها البخاري في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، رواها عن أبي نعيم، عن سيف، وليس فيها هذه الزيادة، وهي أن صلاته في الكعبة كانت ركعتين، نعم رواها النسائي (٢٩٠٨) من رواية أبي نعيم، وفيها ذكر الركعتين، وروى النسائي أيضًا (٢٩٠٧) عن
[ ٨ / ٥٠٨ ]
ابن أبي مليكة أن ابن عمر، قال: "دخل رسول الله - ﷺ - الكعبة". . . الحديث، وفيه "فسألت بلالًا، هل صلى رسول الله - ﷺ - في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين".
قال ولي الدين العراقي -﵀-: ولم يستحضر النووي -﵀- في شرح مسلم رواية البخاري، فاقتصر على ذكر ما في سنن أبي داود بإسناد فيه ضعف، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: "قلت لعمر بن الخطاب - ﵁ -: كيف صنع رسول الله - ﷺ - حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين". رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من هذا الوجه، عن صفوان، أو ابن صفوان: "أن النبي - ﷺ - صلى في البيت ركعتين حين دخله".
قال ولي الدين: ولم أتوقف في رواية البخاري لاستغراب كونه ﵊ صلى ركعتين، فإن هذا هو المعروف من عادته،
إنما توقفت فيها لقول ابن عمر: ونسيت أن أسأله، كم صلى؟ وهو في الصحيحين.
وقال والدي: يحتمل أنه لم يسأله عن ذلك، وإنما أخبره به بلال بغير سؤال، وفيه بعد؛ لأنه لم يكن حينئذ يلوم نفسه على ترك السؤال، لحصول مقصوده بدونه، ويحتمل أن ابن عمر حدث به من قبل أن يسأل بلالًا، ثم سأل بلالًا بعد ذلك، أو حدث به بلال بعد ذلك، فذكر فيه أنه صلى ركعتين، وفيه بعد أيضًا؛ لأن بعض من حدثه عنه بكونه لم
[ ٨ / ٥٠٩ ]
يسأل بلالًا عن ذلك إنما سمع منه بعد وفاة بلال.
ويحتمل أن ابن عمر، وإن سمع من بلال أنه صلى ركعتين، لم يكتف بذلك في أنه لم يصل غيرهما؛ لأن من صلى أربعًا أو أكثر يصدق عليه أنه صلى ركعتين على القول بأن مفهوم العدد ليس بحجة، كما هو المرجح في الأصول، فيكون الذي نسي أن يسأله عنه، هل زاد على الركعتين شيئًا، أم لا. انتهى. "طرح التثريب" جـ ٥ ص ١٣٨ - ١٣٩.
قال الجامع عفا الله عنه: ولا يخفى بعد الاحتمال الأخير أيضًا. والله أعلم.
وقال الحافظ -﵀-: وقد استشكل الإسماعيلي، وغيره هذا -يعني قوله: صلى ركعتين- مع أن المشهور عن ابن عمر من طريق نافع، وغيره، عنه، أنه قال: "ونسيت أن أسأله كم صلى"، فدل على أنه أخبره بالكيفية، وهي تعيين الموقف في الكعبة، ولم يخبره بالكمية، ونسي هو أن يسأله عنها.
والجواب عن ذلك أن يقال: يحتمل أن ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرواية ركعتين على القدر المتحقق له، وذلك أن بلالًا أثبت له أنه صلى، ولم ينقل أن النبي - ﷺ - تنفل في النهار بأقل من ركعتين، فكانت الركعتان متحققًا وقوعهما، لما عرف بالاستقراء من عادته. فعلى هذا، فقوله: "ركعتين" من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال.
وقد وجدت ما يؤيد هذا، ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو
[ ٨ / ٥١٠ ]
ما أخرجه عمر بن شبة في "كتاب مكة" من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، في هذا الحديث "فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع رسول الله - ﷺ - ها هنا؟ فأشار بيده، أي صلى ركعتين بالسبابة والوسطى".
فعلى هذا فيحمل قوله: "نسيت أن أسأله كم صلى" على أنه لم يسأله لفظًا، ولم يجبه لفظًا، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه. وأما قوله في الرواية الأخرى: "نسيت أن أسأله كم صلى"، فيحتمل على أن مراده أنه لم يتحقق هل زاد على ركعتين، أو لا؟
وأما قول بعض المتأخرين: يجمع بين الحديثين بأن ابن عمر نسي أن يسأل بلالًا، ثم لقيه مرة أخرى، فسأله، ففيه نظر، من وجهين:
أحدهما: أن الذي يظهر أن القصة -وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة- لم تتعدد؛ لأنه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معًا، فقال في هذه، فأقبلت، ثم قال: فسألت بلالًا، وقال في الأخرى: فبدرت، فسألت بلالًا، فدل على أن السؤال عن ذلك كان واحدًا في وقت واحد.
ثانيهما: أن راوي قول ابن عمر "ونسيت" هو نافع مولاه، ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمر على حكايته النسيان، ولا يتعرض لحكاية الذكر أصلًا. والله أعلم.
وأما ما نقله عياض أن قوله: "ركعتين" غلط من يحيى بن سعيد
[ ٨ / ٥١١ ]
القطان؛ لأن ابن عمر قد قال: "نسيت أن أسأله كم صلى" قال: وإنما دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين بعدُ. فهو كلام مردود، والمغلط هو الغالط، فإنه ذكر الركعتين قبلُ، وبعدُ، فلم يَهِمْ من موضع إلى موضع، ولم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتى يُغَلَّطَ، فقَدْ تابعهُ أبو نعيم، عند البخاري، والنسائي، وأبو عاصم عند ابن خزيمة، وعمر ابن علي عند الإسماعيلي، وعبد الله بن نمير عند أحمد، كلهم عن سيف، ولم ينفرد به سيف أيضًا، فقد تابعه عليه خُصَيْف، عن مجاهد، عند أحمد، ولم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر، فقد تابعه عليه ابن أبي مليكة عند أحمد والنسائي، وعمرو بن دينار، عند أحمد أيضًا باختصار، ومن حديث عثمان بن أبي طلحة، عند أحمد، والطبراني بإسناد قوي. ومن حديث أبي هريرة عند البزار، ومن حديث عبد الرحمن بن صفوان، قال: "فلما خرج سألت من كان معه؟ فقالوا: صلى ركعتين عند السارية الوسطى" أخرجه الطبراني بإسناد صحيح. ومن حديث شيبة بن عثمان، قال: "لقد صلى ركعتين عند العمودين". أخرجه الطبراني بإسناد جيد.
فالعجب من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ بقول من خفي عليه وجه الجمع بين الحديثين، فقال بغير علم، ولو سكت لسلم. انتهى. "فتح" جـ ٣ ص ٥٩٦ - ٥٩٧.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ في وجه الجمع
[ ٨ / ٥١٢ ]
بين الحديثين أقرب مما تقدم، وحاصله أن ابن عمر - ﵁ - فهم من إشارة بلال - ﵁ - أنه صلى ركعتين، ثم ندم على عدم تثبته بالسؤال اللفظي عن عدد الركعات، فبهذا تجتمع الروايتان. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٥١٣ ]