أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مقدار القرب من السترة. فاسم الإشارة راجع إلى قوله: "الدنو من السترة" في الترجمة السابقة.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالى على مقدار الدنو بحديث الباب واضح من قوله: "وجعل بينه، وبين الجدار نحوًا من ثلاثة أذرع". فإن فعله -ﷺ- هذا يفسر ما أجمله قوله في الحديث السابق: "فليدن منها".
فإِن قلت: أخرج مسلم في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي ﵄، قال: "كان بين مُصَلَّى رسول الله -ﷺ-، وبين الجدار ممر الشاة".
والمراد بالمصلى موضع السجود. كما قاله النووي في شرحه. جـ ٤ ص ٢٢٥ فكيف يُوَفَّقُ بينه، وبين حديث الباب؟
أجيب بأن حديث الباب يكون بيانًا لأقصى الدنوّ، وحديث سهل بيان لأدنى الدنو.
هذا إذا قلنا: إن الأذرع الثلاثة تبدأ من موضع السجود، وأما إذا قلنا: أنها تبدأ من موضع القيام فلا تخالف بين الحديثين. والله أعلم.
٧٤٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: "حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
[ ٩ / ٣٤٦ ]
-ﷺ- دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ، مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى، وَجَعَلَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجَمَلي أبو الحارث المصري، ثقة ثبت، من [١١]، تقدم في ١٩/ ٢٠.
٢ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصري أبو عمرو الفقيه، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن أبو عبد الله المصري، ثقة فقيه، من كبار [١٠]، تقدم في ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الحجة الثبت الفقيه، من كبار [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
والباقيان تقدما قبل باب، وكذا لطائف الإسناد واضحة حيث تكررت غير مرة. والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ٣٤٧ ]
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمر) ﵄ (أن رسول الله -ﷺ- دخل الكعبة) وتقدم برقم ٥/ ٦٩٢ أن ذلك كان في عام الفتح (هو، وأسامة بن زيد) بن حارثة، وهو، وأبوه، وجده صحابيون، ﵃، مات بالمدينة سنة ٥٤ وهو ابن ٥٧ سنة، وتقدمت ترجمته برقم ٩٦/ ١٢٠.
(وبلال) بن رباح أبو عبد الله المؤذن، مولى أبي بكر ﵄، مات سنة ١٧، وقيل: غير ذلك. وتقدمت ترجمته برقم ٨٦/ ١٠٤.
(وعثمان بن طلحة) بن أبي طلحة (الحجبي) بفتحتين: نسبة إلى حجابة الكعبة، مات ﵁ سنة ٤٢، وقيل غير ذلك. وتقدمت ترجمته برقم ٥/ ٦٩٢. وتقدم وجه حكمة إدخال هؤلاء الثلاثة فقط، بالرقم المذكور، فراجعه، تستفد.
(فأغلقها عليه) أي أغلق عثمان الكعبة على النبي -ﷺ-، لئلا يجتمع عليه الناس، ويزدحموا، فينالهم بذلك ضرر، ويتشوش عليه الحال بسبب لغطهم.
(قال عبد الله بن عمر) ﵄ (فسألت بلالًا حين خرج، ماذا صنع رسول الله -ﷺ-؟) أيْ أيَّ شيء صنع داخل الكعبة (قال) بلال ﵁ (جعل) -ﷺ- (عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه) هذه رواية البخاري، عن إسماعيل بن
[ ٩ / ٣٤٨ ]
أبي أويس، وهي أصح الروايات. وفي رواية للبخاري "جعل عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه". وفي رواية لمسلم "عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه".
وقال في "الفتح" عند قوله: "بين العمودين المقدمين" ما نصه: كذا في هذه الرواية، وفي رواية مالك التي تليها: "جعل عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه".
وليس بين الروايتين مخالفة، لكن قوله في رواية مالك: "وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة" مشكل؛ لأنه يشعر بكون ما عن يمينه أو يساره كان اثنين، ولهذا عقبه البخاري برواية إسماعيل التي قال فيها: "عمودين عن يمين". ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه حيث ثُنِّيَ أشار إلى ما كان عليه البيت في زمن النبي -ﷺ-، وحيث أُفرِدَ أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك، ويرشد إلى ذلك قوله: "وكان البيت يومئذ"؛ لأن فيه إشعارًا بأنه تغير عن هيئته الأولى.
وقال الكرماني: لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجمل بينته رواية "عمودين". ويحتمل أن يقال: لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل اثنان على سمت، والثالث على غير سمتهما، ولفظ "المقدمين" في الحديث السابق مشعر به. والله أعلم.
قال الحافظ: ويؤيده أيضًا رواية مجاهد عن ابن عمر فإن فيها "بين الساريتين اللتين على يسار الداخل". وهو صريح في أنه كان هناك عمودان على اليسار، وأنه صلى بينهما، فيحتمل أنه كان ثَمَّ عمود آخر
[ ٩ / ٣٤٩ ]
عن اليمين، لكنه بعيد، أو على غير سَمْت العمودين، فيصح قول من قال: "جعل عن يمينه عمودين" وقول من قال: "جعل عمودًا عن يمينه".
وجوز الكرماني احتمالًا آخر، وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفة، فصلى إلى جنب الأوسط، فمن قال: "جعل عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره" لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن قال: "عمودين" اعتبره.
قال الحافظ: ثم وجدته مسبوقًا بهذا الاحتمال. وأبْعَدُ منه من قال: انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان، ولا تبطل الصلاة بذلك؛ لقلته. والله أعلم. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ١٦٠.
وقد تقدم الكلام في اختلاف الروايات، وبيان التوفيق بينها مستوفى في شرح حديث (٥/ ٦٩٢) فراجعه تستفد.
(وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة) فيه إشعار بأن البيت تغير عما كان عليه في عهد النبي -ﷺ-، فقد هُدم، وبُني في عهد ابن الزبير ﵄. كما أفاده في "الفتح".
(ثم صلى، وجعل بينه، وبين الجدار) الذي أمامه (نحوًا من ثلاثة أذرع) أي مقدارها. وهذه الرواية توافق ما في صحيح البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل، وجعل الباب قبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه، وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع صلى،
[ ٩ / ٣٥٠ ]
يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي -ﷺ- صلى فيه. قال: "وليس على أحد بأس إن صلى في أي نواحي البيت شاء".
وفي تاريخ مكة للأزرقي أن معاوية سأل ابن عمر ﵃ أين صلى رسول الله -ﷺ- عام دخلها؟ قال: بين العمودين المقدمين، اجعل بينك، وبين الجدار ذراعين، أو ثلاثة.
وفي رواية أبي داود من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك "ثم صلى، وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع". وذكر ابن عبد البر أن ابن عفير، وابن وهب، وشبابة بن سوار، رووها عن مالك كذلك.
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى: وينبغي تحري هذه البقعة للصلاة فيها، وقد يقال بأن الصلاة فيها أفضل من غيرها من بقاع الكعبة للاتباع. وقد يقال: إنما فعل ﵊ ذلك اتفاقًا، لا أنه مقصود، فيكون كالأمور الجبلية. والله أعلم.
وقال والدي ﵀ في "إحياء القلب الميت": ينبغي أن لا يجعل بينه وبين الجدار أقل من ثلاثة أذرع، فإما أن يصادف مصلاه، أو يقع وجهه، وذراعاه في مكان قدميه، فهو أولى من التقدم عنه. اهـ. طرح جـ ٥ ص ١٣٧ - ١٣٨.
قال الجامع عفا الله عنه: قول ولي الدين ﵀: "فيكون كالأمور الجبلية"؛ فيه أن الأمور الجبلية ليست محل تأسٍّ، وهذا خلاف الصواب، بل الصواب أن أفعاله -ﷺ- محل تَأسّ، إلا أن تكون خصوصية
[ ٩ / ٣٥١ ]
له. وقد أشبعت الكلام في هذا في غير هذا المحل. فتنبه. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا من رواية نافع متفق عليه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦/ ٧٤٩)، و"الكبرى" (٥/ ٨٢٥)، عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك، عن نافع، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. قال: وقال لنا إسماعيل: حدثني مالك، فقال: "عمودين عن يمينه". ومسلم في "الحج" عن يحيى بن يحيى. وأبو داود في "المناسك" عن القعنبي -وعن عبد الله بن محمد الأذرمي، عن عبد الرحمن بن مهدي- كلهم عن مالك به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
[ ٩ / ٣٥٢ ]
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مقدار القرب من السترة، فقد أفاد الحديث أن المسافة التي تكون بين المصلي، وبين السترة لا تزيد عن ثلاثة أذرع، وأما ما أخرجه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي ﵄، أنه قال: "كان بين مصلى رسول الله -ﷺ-، وبين الجدار ممر الشاة". فيحمل على أقل المسافة. وقال بعضهم: الأول في حال القيام والقعود، والثاني في حال الركوع والسجود. وقال ابن الصلاح ﵀: قدروا ممر الشاة بثلاثة أذرع. قال الحافظ ﵀ ولا يخفى ما فيه.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: استحب أهل العلم الدنو من السترة، بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف، وقد ورد الأمر بالدنو منها.
وفيه بيان الحكمة في ذلك، وهو حديث سهل بن أبي حثمة المذكور في الباب الماضي.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم أن الظاهر وجوب الدنوّ لظاهر الأمر، فتنبه. والله أعلم.
ومنها: جواز الصلاة في داخل الكعبة.
ومنها: حرص عبد الله بن عمر ﵄ على اتباع أفعال النبي -ﷺ-.
[ ٩ / ٣٥٣ ]
ومنها: جواز غلق أبواب المساجد للحاجة.
وقد تقدم تمام ما يتعلق بالحديث مستوفى (٥/ ٦٩٢) فراجعه تستفد. والله ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٣٥٤ ]