أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الحكم فيما إذا تقدم رجل من القوم لغيبة الإمام الوالي، ثم جاء ذلك الوالي، فهل يتأخر الرجل الذي تقدم للوالي، أم يستمرّ على إمامته؟
والحديث يدل على جواز الأمرين، ولذا ترجم به البخاري، فقال: (باب من دخل ليؤم الناس، فجاء الإمام الأول، فتأخر الأوّل، أو لم يتأخر، جازت صلاته).
و"الرَّعِيَّةُ: فَعِيلَة، بمعنى مفعولة، هم عامة الناس الذين عليهم راعٍ، يدبر أمرهم، ويرعى مصالحهم، جمعه رَعَايا، كعطية وعطايا. والله تعالى أعلم.
٧٨٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَحَانَتِ الأُولَى، فَجَاءَ بِلَالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟
[ ٩ / ٦٧٣ ]
قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلَالٌ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَكَبَّرَ بِالنَّاسِ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ ﷿، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِلاَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِى لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
[ ٩ / ٦٧٤ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاريّ -بتشديد التحتانية- المدني، نزيل الإسكندرية، حليف بني زهرة، ثقة، مات سنة ١٨١، من [٨]، أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، تقدم في ١٨/ ٧٣٩.
٣ - (أبو حازم) سلمة بن دينار التمار الأعرج الزاهد، ثقة عابد، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٤ - (سهل بن سعد) الساعدي الخزرجي ﵄، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٧٣٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو [٤٧] لرباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنهم من رجال الجماعة.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين؛ وقتيبة، وإن كان بَغْلانيًا، لكنه دخل المدينة.
ومنها: أن فيه قوله: "وهو ابن عبد الرحمن"، وذلك لأن القاعدة
[ ٩ / ٦٧٥ ]
أن الراوي إذا لم ينسب شيخه من فوقه، وأراد الراوي توضيحه بذكر نسبه لزمه أن يفصل زيادته من كلام شيخه بما يعرف به ذلك، من نحو "يعني"، و"هو" و"أنه"، وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطي ﵀ في "ألفية المصطلح"، حيث قال:
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ "بِأَنَّ" أَوْ "بِهُو" … أَمَّا إذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ … وَالْفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سهل بن سعد) الأنصاري الساعدي الصحابي ابن الصحابي ﵄ (أن رسول الله -ﷺ- بلغه أن بني عمرو بن عوف) أي ابن مالك بن الأوس، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وهما الأوس، والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كثير من الأوس، فيه عدة أحياء، كانت منازلهم بقباء. منهم بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو ابن عوف، وبنو ضبيعة بن زيد، وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف (^١).
(كان بينهم شيء) وفي الرواية الآتية (١٥/ ٧٩٣) من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم: "كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٣٩٢، وعمدة القارىء جـ ٥ ص ٢٠٩.
[ ٩ / ٦٧٦ ]
ذلك النبي -ﷺ-". وفي الرواية الآتية في "كتاب القضاء" (٢٤/ ٥٤١٣) من طريق سفيان: "وقع بين حيين من الأنصار كلام حتى تراموا بالحجارة". وفي رواية للبخاري في "الصلح" من طريق محمد بن جعفر، عن أبي حازم: "أن أهل قباء اقتتلوا، حتى تراموا بالحجارة، فأخبر بذلك رسول الله -ﷺ-، فقال: "اذهبوا بنا نصلح بينهم".
(فخرج رسول الله -ﷺ- ليصلح بينهم، في أناس معه) الجار والمجرور متعلق بحال محذوف، أي حال كونه كائنًا في جملة أناس، والظرف متعلق بمحذوف أيضًا صفة لأناس، أي كائنين معه -ﷺ-. وسمى الطبراني منهم من طريق موسى بن محمد، عن أبي حازم أبيَّ بن كعب، وسهيل بن بيضاء. وسيأتي للمصنف (١٥/ ٧٩٣) من طريق حماد بن زيد المذكورة أن توجهه كان بعد صلاة الظهر. وللطبراني من طريق عمر ابن علي، عن أبي حازم: "أن الخبر جاء بذلك، وقد أذن بلال لصلاة الظهر".
(فحبس رسول الله -ﷺ-) ببناء الفعل للمفعول، و"رسول الله" نائب فاعله، أي مُنِعَ من الحضور لأداء صلاة العصر، ويحتمل أن يكون مبنيًا للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الإصلاح المفهوم من "يصلح"، أي منعه الإصلاح من الحضور. أفاده السندي، والأول أولى. وفي بعض النسخ "فجلس" من الجلوس.
(فحانت الأولى) أي الصلاة الأولى، والمراد بها العصر، ففي
[ ٩ / ٦٧٧ ]
رواية البخاري في "الأحكام": "فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال، وأقام، وأمر أبا بكر، فتقدم … ".
فإن قلت: إن الأولى اسم لصلاة الظهر، لكونها أول صلاة صلاها جبريل إمامًا بالنبي -ﷺ- أول ما فرضت الصلاة ليلة الإسراء، فلِمَاذا سميت العصر في رواية المصنف هنا بالأُولى؟
أجيب: بأنها إنما سميت به لكونها أوّل صلاة حضرت بعد ذهاب النبي -ﷺ- للإصلاح. والله أعلم.
(فجاء بلال) بن رَبَاح المؤذن ﵁ (إِلى أبي بكر) الصديق ﵁ (فقال: يا أبا بكر، إِن رسول الله -ﷺ- قد حبس) بالبناء للمفعول، أي منع من الحضور (وقد حانت الصلاة) أي قد قرب وقت الصلاة وهي العصر، كما تقدم.
(فهل لك أن تؤم الناس؟) ظاهر ما هنا أن بلالًا ﵁ هو الذي طلب من أبي بكر ﵁ أن يصلي بالناس، وفي رواية حماد بن زيد الآتية (١٥/ ٧٩٣) أن ذلك بأمر النبي -ﷺ-، ولفظها: ثم قال لبلال: "يا بلال، إذا حضر العصر، ولم آت، فمر أبا بكر، فليصل بالناس"، فلما حضرت أذن بلال، ثم أقام، فقال لأبي بكر ﵁: تقدم، فتقدم أبو بكر … " ورواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، ونحوه للطبراني، من رواية موسى بن محمد، عن أبي حازم.
[ ٩ / ٦٧٨ ]
ولا تنافي بين الروايتين؛ لأنه يحمل على أن بلالًا استفهم أبا بكر هل يبادر أول الوقت لتنفيذ أمر رسول الله -ﷺ-، أم أنه ينتظر قليلًا مجيئه -ﷺ-، حتى يصلي بالناس؟ فترجح لأبي بكر ﵁ المبادرة؛ لأنها فضيلة متحققة، فلا تترك لفضيلة متوهمة. أفاده في الفتح (^١).
(قال) أبو بكر ﵁: (نعم، إِن شئت) وإنما فوض لمشيئته مع كونه أمره -ﷺ- أن يؤم الناس؛ لاحتمال أن يكون عنده زيادة علم من النبي -ﷺ- في ذلك.
(فأقام بلال) ﵁ بالصلاة (وتقدم أبو بكر) ﵁ (فكبر بالناس) وفي بعض النسخ "فكبر الناسُ" والظاهر أن يكون الناس فاعلًا، أي كبر أبو بكر، وكبر الناس معه.
وعند الطبراني من رواية المسعودي: "فاستفتح أبو بكر الصلاة". وعند البخاري: "فصلى أبو بكر"، أي دخل في الصلاة، وابتدأ فيها.
وبهذا يفرق بين ما هنا، حيث امتنع أبو بكر ﵁ أن يستمر إمامًا، وبين ما وقع في مرض موته -ﷺ-، حيث استمر على صلاته، وصلى النبي -ﷺ- خلفه الركعة الثانية من الصبح، كما صرح به موسى بن عقبة في المغازي، فكأنه لمّا مضى معظم الصلاة هناك حسن الاستمرار، ولما لم يمض منها هنا إلا اليسير لم يستمرّ.
_________________
(١) جـ ٢ ص ٣٩٢ - ٣٩٣.
[ ٩ / ٦٧٩ ]
وكذا ما وقع لعبد الرحمن بن عوف ﵁ حيث صلى النبي -ﷺ- خلفه الركعة الثانية من الصبح، فإنه استمر في صلاته إمامًا لهذا المعنى. أفاده في الفتح (^١).
وقصة عبد الرحمن قد تقدمت من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ (٨٨/ ١٠٩).
(وجاء رسول الله -ﷺ-) وفي الرواية الآتية: "ثم جاء" وفي البخاري: "فجاء" (يمشي في الصفوف) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (حتى قام في الصف) أي الأول، ففي رواية حماد ابن زيد الآتية: "فجعل يشق الناس، حتى قام خلف أبي بكر". وفي رواية للبخاري: "فجاء النبي -ﷺ-، يمشي في الصفوف، يشُقُّها شَقًَّا، حتى قام في الصف الأول". ولمسلم: "فخرق الصفوف، حتى قام عند الصف المتقدم".
(فأخذ الناس في التصفيق) أي شرع الناس في ضرب إحدى اليدين بالأخرى إعلامًا لأبي بكر بحضور النبي -ﷺ-، ففي رواية عبد الأعلى الآتية (٤/ ١١٨٣): "وصفح الناس بأبي بكر ليؤذنوه برسول الله -ﷺ-".
والتصفيق -بالقاف- والتصفيح -بالحاء، واحد، وقيل: التصفيح-
_________________
(١) جـ ٢ ص ٣٩٢ - ٣٩٣.
[ ٩ / ٦٨٠ ]
بالحاء-: الضرب بظاهر اليد إحداهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه، والتصفيق -بالقاف-: ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهو اللهو، واللعب.
وقال الكرماني ﵀: "التصفيق": الضرب الذي يسمع له صوت، والتصفيق باليد: التصويت بها. انتهى (^١).
وقال أبو داود ﵀: قال عيسى بن أيوب: التصفيح للنساء تضربُ بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى (^٢).
(وكان أبو بكر) ﵁ (لا يلتفت في صلاته) لِمزيد خشوعه، واستغراقه في مناجاة ربه، ولأنه ورد ذم الالتفات في الصلاة، كما أخرج البخاري ﵀، ويأتي للمصنف (١٠/ ١١٩٦) عن عائشة ﵂، قالت: سألت رسول الله -ﷺ- عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
وأخرج أحمد، وأبو داود، والمصنف -كما يأتي برقم (١٠/ ١١٩٥) - وصححه ابن خزيمة من حديث أبي ذرّ ﵁ مرفوعًا: "لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه. وعن الحارث الأشعري ﵁ نحوه، وزاد: "فإذا
_________________
(١) أفاده في عمدة القاري جـ ٥ ص ٢٠٩ - ونقلته بتصرف.
(٢) سنن أبي داود بشرح المنهل- جـ ٦ ص ٤٨.
[ ٩ / ٦٨١ ]
صليتم، فلا تلتفتوا". وسيأتي تمام البحث فيه بالرقم المذكور، إن شاء الله تعالى.
(فلما أكثر الناس التفت) مفعول "أكثر" محذوف، وهو التصفيق، وقد بُين في رواية البخاري، وغيره، وفي رواية حماد بن زيد الآتية: "فلما رأى أبو بكر التصفيح لا يُمْسَكُ عنه". يعني أنه لما صَفّقَ أكثر الناس التفت أبو بكر ﵁ لينظر ما أوجب تصفيقهم (فإذا رسول الله -ﷺ-) "إذا" تُسَمَّى فُجائية، لدلالتها على هجوم ما بعدها لما قبلها، وهي ظرف زمان، أو مكان خبر مقدم، و"رسول الله" مبتدأ مؤخر، أي رسول الله -ﷺ- كائن في ذلك الوقت، أو في ذلك المكان، هذا على القول باسمية "إذا"، وأما على القول بحرفيتها، فالخبر محذوف جوازًا، تقديره "حاضر".
(فأشار إِليه رسول الله -ﷺ-) عطف على محذوف، أي فأخذ أبو بكر في التأخر ليتقدم رسول الله -ﷺ-، فأشار إليه رسول الله -ﷺ- بعدم التأخر. (يأمره أن يصلي) جملة في محل نصب على الحال من "رسول الله". أي أشار إليه حال كونه آمرًا له بالصلاة إمامًا. وفي رواية حماد الآتية (١٥/ ٧٩٣): "فأومأ إليه رسول الله -ﷺ- بيده". وفي رواية البخاري وغيره: "فأشار إليه أن امكث مكانك". وفي رواية: "فدفع في صدره ليتقدم، فأبى".
(فرفع أبو بكر يديه) قال السندي ﵀: فيه دليل لمشروعية
[ ٩ / ٦٨٢ ]
رفع اليدين بالدعاء في الصلاة، حيث لم ينكر النبي -ﷺ- على أبى بكر ﵁ رفعه يديه.
(فحمد الله ﷿) شكرًا، ففي رواية حماد المذكورة: فحمد الله ﷿ على قول رسول الله -ﷺ- له: "امْضِهْ".
وإنما حمد الله تعالى لأجل إكرام النبي -ﷺ- إياه بالتقدم بين يديه، وإنما ترك امتثال الأمر؛ لكونه فهم أن الأمر بذلك مجرد إكرام، وليس للإلزام، فاختار التأدب، وإلا فلا يجوز له مخالفة الأمر.
ثم إن ظاهره أنه تلفظ بالحمد، لكن في رواية الحميدي عن سفيان: "فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكرًا لله، ورجع القهقرى".
وادعى ابن الجوزي أنه أشار بالشكر، والحمد بيده، ولم يتكلم. وليس في رواية الحميدي هذه ما يمنع من أنه تلفظ بالحمد. وتقويه رواية أحمد، عن أبي حازم: "يا أبا بكر لِمَ رفعت يديك، وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟ " قال: رفعت يدي لأني حمدت الله ﷿ على ما رأيت منك (^١). أي مما فضله به -ﷺ- من إرادة الاستمرار على الإمامة.
(ورجع القهقرى وراءه) وفي رواية سفيان: "ثم نكص القهقرى". و"القَهْقَرَى": المشي إلى خَلْفٍ من غير أن يعيد وجهه إلى وجهة مشيه. قال ابن منظور ﵀: والقهقرى: الرجوع إلى
_________________
(١) قاله في الفتح جـ ٢ ص ٣٩٣ - ٣٩٤.
[ ٩ / ٦٨٣ ]
خلف، فإذا قلت: رجعت القهقرى، فكأنك قلت: رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم؛ لأن القهقرى ضرب من الرجوع. وقهقر الرجل في مِشيته: فعل ذلك. وتقهقر: تراجع على قفاه. انتهى لسان العرب (^١).
يعني أن أبا بكر ﵁ رجع وراءه؛ لئلا ينحرف عن القبلة -التي يجب استقبالها في الصلاة- ويستدبرها.
فقوله: "القهقرى" منصوب على أنه مفعول مطلق مبين للنوع لـ "رجع"، وقوله: "من وراءه" متعلق بـ "رجع" مؤكد لمعنى القهقرى؛ إذ معناه الرجوع إلى وراء، كما عرفت مما ذكره في اللسان.
(حتى قام في الصف) أي الذي يليه (فتقدم رسول الله -ﷺ-) وفي رواية حماد: "ثم مشى أبو بكر القهقرى على عقبيه، فتأخر، فلما رأى ذلك رسول الله -ﷺ-، تقدم (فصلى بالناس) فيه دليل على أن الإمام الراتب إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير بين أن يأتم به، أو يؤم هو، ويصير النائب مأمومًا من غير أن يقطع الصلاة، ولا يُبْطِلُ شيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين. وهو الذي أراده المصنف ﵀ بالترجمة.
(فلما فرغ) -ﷺ- من الصلاة (أقبل على الناس، فقال: "يا أيها الناس، ما لكم) "ما" استفهامية، مبتدأ، والجار والمجرور خبره،
_________________
(١) جـ ٥ ص ٣٧٦٥.
[ ٩ / ٦٨٤ ]
والاستفهام للإنكار (حين نابكم) أي أصابكم، والظرف متعلق بـ "أخذتم" (شيء في الصلاة أخذتم) أي شرعتم (في التصفيق) وفي رواية البخاري، وغيره: "مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق". قال في الفتح: ظاهره أن الإنكار إنما حصل عليهم؛ لكثرته، لا لمطلقه. انتهى (^١).
(إِنما التصفيق للنساء) وفي رواية عبد العزيز الماجشون عند البخاري: "وإنما التصفيح للنساء" -بالحاء. وفي رواية حماد الآتية للمصنف بصيغة الأمر، ولفظه: "إذا نابكم أمر فليسبح الرجال، وليصفح النساء".
أي يشرع لهن فعله إذا نابهن شيء، كما تدل عليه الروايات الأخرى، أو هو من أفعال النساء، ولعبهن، فلا يليق لأحد أن يفعله في الصلاة، فقوله: "من نابه" على الأول يحمل على الرجال، وعلى الثاني يعم الرجال والنساء، والأول مختار الجمهور، وتشهد له الروايات، والثاني مختار المالكية. وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى (من نابه شيء في صلاته) "من" شرطية، مبتدأ، أي من عرض له في خلال صلاته شيء مما يقتضي إعلام غيره بشيء من تنبيه إمامه على خلل يريد فعله في الصلاة، أو رؤية أعمى يقع في بئر، أو نحو ذلك (فليقل: سبحان الله) حمل الجمهور الأمر على الندب.
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٣٩٤.
[ ٩ / ٦٨٥ ]
وسيأتي البحث عنه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(فإِنه) الفاء للتعليل، والجملة تعليل للأمر بالتسبيح، والضمير للشأن (لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إِلا التفت إِليه) ببناء "التفت" للفاعل، والفاعل ضمير "أحد". وفي رواية البخاري، وغيره: "فإنه إذا سَبَّحَ التُفِتَ إليه" بالبناء للمفعول.
(يا أبا بكر، ما منعك أن تصلي) "أن" مصدرية (للناس) أي إمامًا لهم، وإلا فالصلاة لله. ويحتمل أن تكون اللام بمعنى الباء. قاله السندي (^١). (حين أشرت إِليك) وفي رواية حماد "ما منعك إذ أومأت إليك أن لا تكون مضيت". وعند البخاري، وأبي داود: "ما منعك أن تثبت إذ أمرتك". وفيه دلالة على أن الإشارة المفهومة تقوم مقام اللفظ، حيث إن رسول الله -ﷺ- سماها أمرًا، وعاتب أبا بكر ﵁ على مخالفتها.
(قال أبو بكر) ﵁: (ما كان ينبغي) أي ما كان يستقيم (لابن أبي قحافة) -بضم القاف، وتخفيف الحاء المهملة- والد أبي بكر الصديق ﵄، واسمه عثمان بن عامر القرشي، أسلم عام الفتح، وعاش إلى خلافة عمر ﵁، ومات سنة أربع عشرة، وإنما لم يقل أبو بكر ﵁: ما كان لي، أو ما كان
_________________
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٧٩.
[ ٩ / ٦٨٦ ]
لأبي بكر؛ تحقيرًا لنفسه، واستصغارًا لمرتبته عند رسول الله -ﷺ- (أن يصلي بين يدي رسول الله -ﷺ-) وفي رواية سفيان الآتية (٢٤/ ٥٤١٣) "ما كان الله ليرى ابن أبي قحافة بين يدي نبيه".
والمراد من "بين يديه". قُدّامه، وقال الكرماني ﵀: ولفظ "يدي" مقحم. قال العلامة العيني ﵀: إذا كان لفظ "يدي" مقحمًا لا ينتظم المعنى على ما لا يخفى. اهـ (^١).
وقال في المنهل: قوله: ما كان لابن أبي قحافة … إلخ. يعني ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يؤم النبي -ﷺ-، فكأنّ رسول الله -ﷺ- قَبِل عذره، حيث لم يُعَنِّفه على مخالفة أمره.
وفيه أن من أُكرِم بكرامة يُخيّر فيها بين القبول والترك إذا علم أن الأمر بها ليس على طريق الإلزام. اهـ (^٢). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث سهل بن سعد الساعدي ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٧٨٤)، وفي "الكبرى" (٧/ ٨٥٩)، عن قتيبة
_________________
(١) عمدة القاري جـ ٥ ص ٢١٠.
(٢) المنهل جـ ٦ ص ٤٦ - ٤٧.
[ ٩ / ٦٨٧ ]
ابن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم، عن سهل ﵁. وفي (١٥/ ٧٩٣) عن أحمد بن عبدة، عن حماد ابن زيد، عن أبي حازم به. وفي (٤/ ١١٨٣)، و"الكبرى" (٤٠/ ١١٠٦)، عن محمد بن عبد الله بن بَزيع، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن عبيد الله بن عُمَر، عن أبي حازم به. وفي (٢٤/ ٥٤١٣) عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن أبي حازم به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي حازم به. وعن عبد الله بن مسلمة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه به. وعن يحيى، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم به. وعن قتيبة، عن عبد العزيز، ويعقوب بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي حازم به. وعن سعيد بن أبي مريم، عن أبي غَسَّان، عن أبي حازم به. وعن أبي النعمان، عن حماد بن زيد عن أبي حازم به.
ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وعن قتيبة بن سعيد به. وعن محمد بن عبد الله بن بَزيع به.
وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به. وعن عمرو بن عون، عن حماد بن زيد به.
وابن ماجه عن هشام بن عمار، وسهل بن أبي سهل، كلاهما عن
[ ٩ / ٦٨٨ ]
ابن عيينة به.
ومالك في الموطأ رقم (١١٩). والحميدي رقم (٩٢٧). وأحمد (٥/ ٣٣٠، ٣٣١، ٣٣٢، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٣٧، ٣٣٨)، وعبد بن حميد رقم (٤٥٠)، والدارمي (١٣٧١)، وابن خزيمة رقم (٨٥٣، ٨٥٤، ١٥١٧، ١٥٧٤، ١٦٢٣). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز تأخر الإمام لحضور الإمام الراتب.
ومنها: فضل الإصلاح بين الناس، وجمع كلمة القبيلة، وحسم مادة القطيعة.
ومنها: توجه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته للإصلاح، وتقديم ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه، واستُنبِط منه توجهُ الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا رجح ذلك على استحضارهم.
ومنها: جواز الصلاة الواحدة بإمامين، أحدهما بعد الآخر.
ومنها: أن الإمام الراتب إذا غاب يستخلف غيره، وأنه إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير بين أن يأتم به، أو يؤم هو، ويصير النائب مأمومًا من غير أن يقطع الصلاة، ولا يُبطِلُ شيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين.
وادعى ابن عبد البرّ أن ذلك من خصائص النبي -ﷺ-، وادعى
[ ٩ / ٦٨٩ ]
الإجماع على عدم جواز ذلك لغيره -ﷺ-، ونوقض بأن الخلاف ثابت، فالصحيح المشهور عند الشافعي الجواز (^١)، وعن ابن القاسم في الإمام يحدث، فيستخلف، ثم يرجع، فيخرج المستخلف، ويتم الأول أن الصلاة صحيحة.
ومنها: إحرام المأموم قبل الإمام، وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إمامًا، وفي بعضها مأمومًا، وأن من أحرم منفردًا، ثم أقيمت الصلاة جاز له الدخول في الجماعة من غير قطع لصلاته. كذا استنبطه الطبري من هذه القصة، وهو مأخوذ من لازم جواز إحرام الإمام بعد المأموم، كما ذكرنا (^٢).
ومنها: فضل أبي بكر على جميع الصحابة ﵃.
واستدل به جمع من الشراح، ومن الفقهاء، كالروياني على أن أبا بكر ﵁ كان عند الصحابة أفضلهم؛ لكونهم اختاروه دون غيره، وعلى جواز تقديم الناس لأنفسهم إذا غاب إمامهم، قالوا: ومحل ذلك إذا أمنت الفتنة، والإنكار من الإمام، وأن الذي يتقدم نيابة عن الإمام يكون أصلحهم لذلك الأمر، وأقومهم به، وأن المؤذن، وغيره يَعرِض التقدم على الفاضل، وأن الفاضل يوافقه بعد أن يعلم أن ذلك برضا الجماعة. اهـ.
_________________
(١) وما قاله العيني ردًّا على الحافظ لنصرة مذهبه غير صحيح.
(٢) وما اعترض به العيني نصرة لمذهبه غير صحيح أيضًا.
[ ٩ / ٦٩٠ ]
قال الحافظ ﵀: وكل ذلك مبني على أن الصحابة فعلوا ذلك بالاجتهاد، وقد قدمنا أنهم إنما فعلوا ذلك بأمر النبي -ﷺ-.
ومنها: أن الإقامة، واستدعاء الإمام من وظيفة المؤذن، وأنه لا يقيم إلا بإذن الإمام.
ومنها: أن فعل الصلاة -لاسيما العصر- في أول الوقت مقدم على انتظار الإمام الأفضل.
ومنها: أن فيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة؛ لأنه من ذكر الله تعالى، ولو كان مراد المسبح إعلام غيره بما صدر منه.
ومنها: أن فيه رفع اليدين في الصلاة عند الدعاء والثناء كذلك.
ومنها: أن فيه استحباب حمد الله لمن تجددت له نعمة، ولو كان في الصلاة.
ومنها: أن فيه جواز الالتفات للحاجة.
ومنها: أن مخاطبة المصلي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة.
ومنها: أن الإشارة تقوم مقام النطق؛ لمعاتبة النبي -ﷺ- أبا بكر ﵁ على مخالفته إشارته.
ومنها: جواز شق الصفوف، والمشي بين المصلين، لقصد الوصول إلى الصف الأول، لكنه مقصور على من يليق ذلك المقام به، كالإمام، أو من بصدد أن يحتاج إليه الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سد فرجة
[ ٩ / ٦٩١ ]
في الصف الأول، أو ما يليه، مع ترك من يليه سدها، ولا يكون ذلك معدودًا من الأذى.
قال المهلب: لا تعارض بين هذا، وبين النهي عن التخطي؛ لأن النبي -ﷺ- ليس كغيره في أمر الصلاة، ولا غيرها؛ لأنه له أن يتقدم بسبب ما ينزل عليه من الأحكام، وأطال في تقرير ذلك.
وتعقب بأن هذا ليس من الخصائص، وقد أشار هو إلى المعتمد في ذلك؛ فقال: ليس في ذلك شيء من الأذى، والجفاء الذي يحصل من التخطي، وليس كمن شق الصفوف، والناس جلوس، لما فيه من تخطي رقابهم.
ومنها: كراهية التصفيق في الصلاة.
ومنها: مشروعية الحمد والشكر على الوجاهة في الدين.
ومنها: أن من أكرم بكرامة يتخير بين القبول والترك، إذا فهم أن ذلك الأمر عَلَى غير جهة اللزوم، وكأن القرينة التي بينت لأبي بكر ﵁ ذلك هي كونه -ﷺ- شق الصفوف إلى أن انتهى إليه، فكأنه فهم من ذلك أن مراده أن يؤم الناس، وأن أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له، والتنويه بقدره، فسلك هو طريق الأدب والتواضع، ورجح ذلك عنده احتمال نزول الوحي في حال الصلاة، لتغيير حكم من أحكامها، وكأنه لأجل هذا لم يتعقب -ﷺ- اعتذاره بالرد عليه.
[ ٩ / ٦٩٢ ]
ومنها: جواز إمامة المفضول للفاضل.
ومنها: سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك؛ لاحتمال أن يكون له عذر يبيح المخالفة.
ومنها: إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية.
ومنها: اعتماد ذكر الرجل لنفسه بما يشعر بالتواضع من جهة استعمال أبى بكر خطاب الغيبة مكان خطاب الحضور، إذ كان حق الكلام أن يقول أبو بكر ﵁: ما كان لي، فعدل عنه إلى قوله: "ما كان لابن أبي قحافة"؛ لأنه أدل على التواضع من الأول.
ومنها: جواز العمل القليل في الصلاة، لتأخر أبي بكر ﵁ عن مقامه إلى الصف الذي يليه، وأن من احتاج إلى مثل ذلك يرجع القهقرى، ولا يستدبر القبلة، ولا ينحرف عنها.
ومنها: أن الحافظ ابن عبد البر ﵀ استنبط من الحديث جواز الفتح على الإمام؛ لأن التسبيح إذا جاز جازت التلاوة من باب أولى (^١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم في حكم التسبيح للرجل، إذا نابه شيء في صلاته:
_________________
(١) راجع هذه الفوائد في "الفتح" جـ ٢ ص ٣٩٤ - ٣٩٥. وعمدة القاري جـ ٥ ص ٢١٠ - ٢١٢.
[ ٩ / ٦٩٣ ]
اعلم: أنه إذا ناب المصلي في صلاته شيءٌ مَّا، يقتضي إعلام غيره بشيء من تنبيه إمامه على خلل يريد فعله في الصلاة، أو رؤية أعمى يقع في بئر، أو استئذان داخل، أو كون المصلي يريد إعلام غيره بأمر، ينبغي له أن يسبح بأن يقول: سبحان الله، لإفهام ما يريد التنبيه عليه، لحديث سهل بن سعد ﵄ المذكور في الباب، ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة" متفق عليه، وليس عند البخاري زيادة "في الصلاة". بل هي عند مسلم من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁، وعند النسائي من رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁. وفي رواية للبيهقي من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة: "إذا استؤذن على الرجل، وهو يصلي، فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة، وهي تصلي، فإذنها التصفيق". قال في الخلافيات: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات.
قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀:
وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، والأوزاعي، وأبو ثور، وجمهور العلماء من السلف، والخلف رحمهم الله تعالى.
وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى: متى أتى بالذكر جوابًا بطلت صلاته، وإن قصد به الإعلام بأنه في الصلاة لم تبطل، فحملا التسبيح المذكور في هذا الحديث على ما إذا كان القصد به
[ ٩ / ٦٩٤ ]
الإعلام بأنه في الصلاة، وهما مُحْتَاجان لدليل على ذلك، وكذلك حملا قوله في حديث سهل ﵁: "من نابه شيء في صلاته". على نائبٍ مخصوصٍ، وهو إرادة الإعلام بأنه في الصلاة.
والأصل عدم هذا التخصيص؛ لأنه عام، لكونه نكرة في سياق الشرط، فيتناول النائب الذي يحتاج معه إلى الجواب، والنائب الذي يحتاج معه إلى الإعلام بأنه في الصلاة، فالحمل على أحدهما من غير دليل لا يمكن المصير إليه، كيف، والواقعة التي هي سبب الحديث لم يكن القصد فيها الإعلام بأنه في الصلاة، وإنما كان القصد تنبيه الصديق ﵁ على حضور النبي -ﷺ-، فأرشدهم النبي -ﷺ- إلى أنه كان حقهم عند هذا النائب التسبيحَ، وكذا عند كل نائب، وقد اتفقوا على أن السبب لا يجوز إخراجه، ومن هنا رد أصحابنا -يعني الشافعية- على الحنفية في قولهم: إن الأمة لا تكون فراشًا. بأن قوله -ﷺ-: "الولد للفراش" إنما ورد في أمة، والسبب لا يجوز إخراجه بلا خلاف. وعن أحمد رواية مثل قول أبي حنفية.
انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: فتبين بهذا أن مذهب الجمهور هو الراجح، للأدلة الصحيحة الصريحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٢٤٢ - ٢٤٣.
[ ٩ / ٦٩٥ ]
المسألة السادسة: اختلف أهل العلم في حكم التصفيق للنساء في الصلاة:
ذهب الشافعي، وأحمد والجمهور ﵏ إلى أن المرأة إذا نابها شيء في صلاتها ينبغي لها أن تصفق، وخالف في ذلك مالك ﵀، فقال: إن المشروع في حقها التسبيح، كالرجل، وضعف أمر التصفيق للنساء.
وحكى أبو العباس القرطبي ﵀ عن مشهور قول مالك أنه لا يجوز أن يفعله في الصلاة، لا الرجال، ولا النساء. وحكى القاضي عياض عن أبي حنيفة أنه رأى فساد صلاة المرأة إذا صفقت في صلاتها. قال: وخطأ أصحابه هذا القول. وقال الأبهري من المالكية: إن صفقت المرأة لم تبطل صلاتها، غير أن المختار التسبيح.
وذكر ابن عبد البر في توجيه قول مالك أنه أخذ بظاهر قوله في حديث سهل بن سعد ﵄: "من نابه شيء في صلاته فليسبح". قال: وهذا على عمومه في الرجال والنساء، وتأولوا قوله: "وإنما التصفيق للنساء" على أن التصفيق من أفعال النساء على جهة الذمّ لذلك. انتهى.
قال ولي الدين العراقي ﵀: وهذا التأويل مردود، وهو وإن كان محتملًا في لفظ هذه الرواية، فإنه يتعذر في رواية أخرى، رواها البخاري في صحيحه، لفظها "إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال، وليصفح النساء".
[ ٩ / ٦٩٦ ]
وعن مالك رواية موافقة للجمهور، وجزم بها عنه ابن المنذر، فقال بعد ذكر حديث: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء": قال بظاهر هذا الخبر مالك. انتهى.
واختار جماعة من المالكية موافقة الجمهور في ذلك، فقال القاضي أبو بكر ابن العربي بعد نقله مشهور مذهب مالك في ذلك: وليس بصحيح. وقال أبو العباس القرطبي بعد ذكره مذهب الجمهور في ذلك: وهذا القول هو الصحيح خبرًا، ونظرًا.
وقال ابن حزم: روينا عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أنهما قالا: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ولا يعرف لهما من الصحابة ﵃ مخالف.
قال ولي الدين: قد روي ذلك أيضًا عن جابر بن عبد الله. رواه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه.
وقال القاضي عياض: قيل: كان الرجال والنساء يصفقون في الصلاة والطواف، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] أي صفيرًا وتصفيقًا، فنهوا عن ذلك رجالًا ونساءً، ثم أعلم أنه من عادة النساء في خاصتهن، ولهوهن، لا أنه إباحة لهن، وسنة فيما يعتريهن في صلاتهن. انتهى.
قال الحافظ زين الدين العراقي ﵀: ليس في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ﴾ الآية، أنه نهى النساء عن ذلك، لا في حالة الصلاة، ولا في غيرها، وإنما ذكر غير واحد من المفسرين أنهم
[ ٩ / ٦٩٧ ]
كانوا يؤذون النبي -ﷺ- بذلك في الصلاة والطواف، ليشوشوا عليه، فنزلت الآية بمكة، ثم أمرهم بالمدينة أن يصفق النساء لِمَا نابهن، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن المذهب الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن النساء يصفقن إذا نابهن شيء في صلاتهن، كما أن الرجال يسبحون إذا نابهم ذلك، لصحة الدليل بذلك، ولم يأت المخالف بحجة مقبولة. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: الخنثى المشكل إذا نابه في صلاته ما يحوجه إلى الإعلام، فهل المشروع في حقه التسبيح، أو التصفيق؟ مقتضى المفهوم في حديث أبي هريرة ﵁ فيه متدافع؟ لأنا إذا أخذنا بقوله: "التسبيح للرجال"، وقلنا: مقتضاه تصفيق الخنثى عارضنا قوله: "التصفيق للنساء".
وقيل: مقتضاه تسبيح الخنثى، فظاهر حديث سهل بن سعد ﵄ أنه يسبح، لدخوله في عموم قوله: "من نابه شيء في صلاته، فليسبح"، ثم أخْرَجَ النساءَ من ذلك خاصة بقوله: "وإنما التصفيق للنساء".
وقيل: المشروع في حقه التصفيق، قال بعضهم: إنه القياس؛ لاحتمال أن يكون امرأة، فلا تأتي بالتسبيح جهرًا.
[ ٩ / ٦٩٨ ]
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى تسبيحه، لدخوله في عموم "من نابه شيء في صلاته، فليسبح". والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة:
قال ولي الدين العراقي ﵀:
كون المشروع للرجال التسبيح، وللنساء التصفيق هو على سبيل الإيجاب، أو الاستحباب، أو الإباحة. الذي ذكره أصحابنا؛ ومنهم الرافعي والنووي أنه سنة، وحكاه الرافعي عن الأصحاب.
وحكى والدي في شرح الترمذي عن شيخه الإمام تقي الدين السبكي أنهما إنما يكونان سنتين إذا كان التنبيه قربة، فإن كان مباحًا كانا مباحين، قاله الشيخ أبو حامد، وغيره، قال السبكي: وقياس ذلك إذا كان التنبيه واجبًا كإنذار الأعمى من الوقوع في بئر أن يكونا واجبين إذا تعينا طريقًا، وحصل المقصود بهما. انتهى.
وقال ابن قدامة في المغني: وإذا سها الإمام، فأتى بفعل في غير موضعه لزم المأمومين تنبيهه، فإن كانوا رجالًا سبحوا، وإن كانوا نساء صفقن. اهـ.
وهو موافق لما ذكره السبكي من الوجوب، إلا أنه في صورة غير الصورة التي ذكرها السبكي، ويوافق ما ذكره الشيخ أبو حامد من الإباحة ما رواه ابن ماجه في سننه عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "رخص رسول الله -ﷺ- للنساء في التصفيق، وللرجال في
[ ٩ / ٦٩٩ ]
التسبيح". قال ابن أبي حاتم في العلل: قال أبي: هذا حديث منكر بهذا الإسناد (^١).
والتعبير بالرخصة يقتضي الاقتصار فيه على الإباحة إن جرينا على مدلول الرخصة اللغوي، فأما إذا فسرنا الرخصة بما ذكره غير واحد من أهل الأصول أنها الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر، فلا يدل على الإباحة؛ لأن الرخصة باصطلاحهم قد تكون واجبة، وقد تكون مندوبة، والحق انقسام التنبيه في حالة الصلاة إلى ما هو واجب، وإلى ما هو مندوب، وإلى ما هو مباح بحسب ما يقتضيه الحال.
وأما تعبير الرافعي وغيره بالتنبيه، فإنما عبروا بذلك لأجل التفريق والتفصيل في ذلك بين الرجل والمرأة، فيكون تنبيه الرجل واجبًا بالتسبيح، وتنبيه المرأة يكون بالتصفيق هو السنة، وأما أصل التنبيه فقد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بل قد يكون مكروهًا أيضًا، وقد يكون حرامًا بحسب الْمُنَبَّه عليه، فهما مسألتان:
إحداهما: حكم التنبيه، وهو معروف من حكم المنبه عليه، ومنقسم إلى الأحكام الخمسة.
الثانية: الكيفية التي يحصل بها التنبيه، وهذه الثانية هي التي تكلم عنها الأصحاب، وقالوا: إن السنة في حق الرجل التسبيح، وفي حق
_________________
(١) وصححه الشيخ الألباني، لأنه يشهد له حديثا أبي هريرة، وسهل بن سعد ﵃. انظر صحيح ابن ماجه جـ ١ ص ١٧٠.
[ ٩ / ٧٠٠ ]
المرأة التصفيق. اهـ كلام العراقي (^١) والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب.
المسألة التاسعة: لو خالف الرجل المشروع في حقه، وصفق في صلاته لأمر ينوبه لم تبطل صلاته؛ لأن الصحابة ﵃ صفّقوا في الصلاة في قضية إمامة الصديق ﵁، ولم يأمرهم النبي -ﷺ- بالإعادة.
قال الحافظ العراقي ﵀ في شرح الترمذي:
فيه خلاف للشافعية، والأصح أنه لا تبطل. هكذا أطلق الشيخ تقي الدين السبكي تصحيحه، وينبغي أن يقيد ذلك بالقليل، أما إذا فعل ثلاث مرات متواليات، فتبطل؛ لأنه ليس مأذونًا له فيه.
فإن قيل: ففي حديث سهل "ما لكم أكثرتم التصفيق؟ " ولم يأمرهم بالإعادة مع كثرة التصفيق.
فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنهم لم يكونوا يعلمون امتناع ذلك، وقد لا يكون حينئذ ممتنعًا، وإنما عرف امتناعه بهذا الحديث. والثاني: أن يكون المراد بإكثار التصفيق من مجموعهم، لا من كل واحد، فلا يضر ذلك، إذا لم يكن كل واحد أكثر منه.
وحكى بعضهم وجهًا أنه إن فعل ذلك عمدًا بطلت صلاته، وإن فعله
_________________
(١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٢٤٥ - ٢٤٦.
[ ٩ / ٧٠١ ]
سهوًا وطال سجد للسهو. انتهى.
ومحل هذا الخلاف إذا لم يكن تصفيقه على وجه اللهو واللعب، فإن فعله على وجه اللعب بطلت صلاته قطعًا.
وقال ابن حزم ﵀: لا يحل للرجل أن يصفق بيديه في صلاته، فإن فعل، وهو عالم بالنهي بطلت صلاته. انتهى.
قال الحافظ العراقي ﵀: والقول بهذا على إطلاقه مردود، وليس في الحديث نهي الرجل عن التصفيق في الصلاة، وإنما فيه استفهامهم عن إكثار التصفيق على جهة الإنكار لذلك، لكون المشروع للرجال خلافه، وهو التسبيح، فكيف يهجم ابن حزم على القول بورود النهي عنه؟ وكيف يصح القول ببطلان الصلاة مطلقًا مع كونه ﵊ لم يأمرهم بالإعادة؟ فإن كان يدّعي أنه كان مباحًا، ثم صار حرامًا بهذا الحديث، فليس في الحديث تحريمه، وليس في الحديث التصريح بتغيير حكمه، والأصل عدم التسبيح، وغاية الأمر أن يكون أولئك الصحابة ﵃ لم يكونوا في ذلك الوقت يعلمون الحكم في ذلك، فبيّن ﵊ لهم الحكم المشروع فيه، وليس يلزم تحريم ما عداه، ولو كان حرامًا لبيّنه. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (^١).
_________________
(١) المصدر المذكور جـ ٢ ص ٢٤٦ - ٢٤٧.
[ ٩ / ٧٠٢ ]
المسألة العاشرة: لو خالفت المرأة المشروع في حقها، وسبحت في صلاتها لأمر ينوبها لم تبطل صلاتها، قال ولي الدين العراقي ﵀: لكن إن أسرت به بحيث لم يسمعها أحد فليس هذا تنبيهًا يحصل به المقصود، وإن جهرت به بحيث أسمعت من تريد إفهامه، فالذي ينبغي أن يقال: إن كان امرأة، أو محرمًا، فلا كراهة، وإن كان رجلًا أجنبيًا كره ذلك، بل يحرم إذا قلنا إن صوتها عورة.
قال الجامع عفا الله عنه: كون صوت المرأة عورة يحتاج إلى دليل عليه. والله أعلم.
وقال ابن حزم ﵀: وأما المرأة فإن سبحت، فحسن، قال: وإنما جاز التسبيح للنساء؛ لأنه ذكر الله تعالى، والصلاة مكان ذكر الله تعالى. اهـ كلام ابن حزم.
ورد عليه الحافظ العراقي في شرح الترمذي، فقال: وما قاله من أن تسبيحها حسن ليس بجيد؛ لأن المراد هنا تسبيحها جهرًا للتنبيه، لا تسبيحها في نفسها سرًّا، فإن ذلك حسن، فأما رفعها صوتها بالتسبيح لتنبيه الإمام، أو غيره، فليس بحسن. اهـ. وقد أطال البحث في هذا في طرح التثريب، فراجعه (^١). والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) جـ ٢ ص ٢٤٩.
[ ٩ / ٧٠٣ ]
المسألة الحادية عشرة: لو أتى بغير التسبيح من الأذكار، هل يقوم مقامه، أم لا؟
ظاهر الحديث أنه لا يقوم غيره مقامه في ذلك، لاسيما وقد قال في حديث سهل بن سعد ﵁: "فإنه إذا سبَّحَ التُفِتَ إليه". وفي بعض ألفاظه في الصحيح "فليقل: سبحان الله"، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلا التَفَتَ". فدل على أن التسبيح قد صار شعارًا للتنبيه، وعلامة عليه، فلا يعدل إلى غيره، لعدم حصول المقصود به.
قال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: لا شك أن الاتباع في ذلك مقصود، وربما يكون في التسبيح معنى لا يوجد في غيره من الأذكار؛ لأنه يكون في الغالب تنبيهًا للإمام، أو غيره على ما غفل عنه، فناسب أن يأتي بلفظ يقتضي تنزيه الله تعالى عما هو جائز على البشر من النسيان والغفلة. ولهذا المعنى استحب ابن أبي الدم الحموي أن يسبح الساهي في سجدتي السهو بلفظ: سبحان من لا يسهو ولا يغفل، أو نحو ذلك، لمناسبته في المعنى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما استحبه ابن أبي الدم يحتاج إلى دليل. والله أعلم.
وفي كلام القاضي أبي بكر ابن العربي ما يدل على استعمال غير التسبيح لبعض ما ينوب، فقال عقب حديث علي ﵁:
[ ٩ / ٧٠٤ ]
"كنت إذا استأذنت على النبي -ﷺ-، وهو يصلي يسبح". والذي أفعله أن أعلن بالقراءة، وأرفع صوتي بالتكبير، أيّ حالة كنت فيها أظهرها ليعلم أني مشتغل بها. ثم حكى عن ابن حبيب أنه قال: يجوز للرجل أن يراجع من يستأذن عليه بدعاء، أو قرآن يجوز له في الصلاة، كما فعل ابن مسعود ﵁.
قال العراقي ﵀: والاقتصار على ما ورد به النص أولى، حيث حصل به التنبيه، فإن لم يحصل به التنبيه انتقل إلى ما هو أصرح منه، بل إن احتاج إلى النطق، إذا لم يحصل التنبيه إلا به، وكان في أمر واجب، وجب ذلك.
قال الجامع: الذي ينبغي هو الاقتصار على الوارد، وأما الانتقال إلى غيره، فيحتاج إلى دليل. فتبصر. والله أعلم.
وأما ما رواه سويد بن عبد العزيز، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي -ﷺ- كان يصلي، فمر أعرابي بين يديه، فسبحوا به، فلم يأبَهْ، فقال عمر: يا أعرابي، تَنَحَّ عن قبلة رسول الله -ﷺ-، فلما فرغ النبي -ﷺ- قال: "من القائل هذا؟ " قالوا: عمر. قال: "يا له فقهًا". فقال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث باطل، يشبه أن يكون يحيى، عن النبي -ﷺ- مرسل (^١).
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم جـ ١ ص ١٥٤.
[ ٩ / ٧٠٥ ]
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية عشرة:
لو أتت المرأة بغير التصفيق مما هو في معناه، كالضرب بعصا، أو نحوها، أو على الحائط، فظاهر الحديث أنه لا يشرع لها ذلك، وأن التصفيق لها متعين. قيل: ويحتمل أن يقال: إنما ذكر ﵊ التصفيق لكونه هو المتيسر لها في كل وقت، وهو المعتاد للنساء، دون الضرب على الحائط، أو بعصا، فقد لا تتمكن من ذلك، لعدم وجوده عندها ذلك الوقت، فيكون ذكره ﵊ التصفيق إنما للتنبيه به على ما عداه.
قال الجامع: والاتباع في ذلك كما قال الحافظ العراقي هو الأولى فتصفيق المرأة بيدها متيسر في حقها لاعتيادها ذلك في غير الصلاة، بخلاف الضرب بالعصا ونحوه، فقد يظن المنبه أنه لضرب عقرب ونحوه، والتصفيق باليد لعارض يعرض مما يتعلق بما هي فيه. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة عشرة:
ظاهر الحديث يقتضي حصول المقصود بالتصفيق على أيّ وجه كان. وروى أبو داود في سننه عن عيسى بن أيوب، وهو القيني -بفتح القاف، وإسكان الياء المثناة من تحت، بعدها نون- دمشقي من أصحاب مكحول: أنه قال: التصفيح للنساء تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى. وحكى الرافعي وغيره من الشافعية في كيفية ذلك أوجهًا، بينها ولي الدين العراقي ﵀ في طرحه، فراجعه
[ ٩ / ٧٠٦ ]
جـ ٢ ص ٢٤٩ - ٢٥٠.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الراجح أنها يجوز لها أن تُصَفِّقَ كيف شاءت على ما هو ظاهر الحديث، قال صاحب الحاوي من الشافعية: إنه ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة عشرة:
قال الحافظ ولي الدين ﵀: حكى القاضي عياض، وأبو العباس القرطبي عن الشافعي، ومن قال مثله في أن المشروع للنساء التصفيق، إنهم عللوا ذلك بأن أصواتهن عورة كما منعهن من الأذان، ومن الجهر بالإقامة والقراءة.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في قوله: "وإنما التصفيق للنساء". يعني أن أصواتهن عورة، فلا يُظهِرْنه. اهـ. لكن الصحيح عند الشافعية أن صوتها ليس بعورة، نعم إن خُشِيَ الافتتانُ بسماعه حَرُمَ، وإلا فلا، فالتعليل بخوف الافتتان أولى، كما فعله ابن عبد البر، فقال في الاستذكار. وقال بعضهم: إنما كره التسبيح للنساء؛ لأن أصوات المرأة فتنة، ولهذا منعت من الأذان، والإقامة، والجهر بالقراءة في صلاتها. اهـ.
لكن قول القاضي عياض، والقرطبي: والجهر بالإقامة أولى من قوله: والإقامة؛ لأنها لم تمنع من الإقامة، وإنما منعت من الجهر بها، فالمرأة تقيم إلا أنها لا تجهر بذلك. اهـ.
[ ٩ / ٧٠٧ ]
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ولي الدين؛ من أن الأولى التعليل بالافتتان، لا بأن صوت المرأة عورة هو الصحيح لعدم نص صريح في كون صوت المرأة عورة، بل الأدلة على خلافه، فقد كانت الصحابيات يرفعن أصواتهن، وهن في صفوف النساء، فيسألن رسول الله -ﷺ- مسائل، والصحابة يستمعون، وكذلك في عهد الخلفاء الراشدين، وكان أصحاب رسول الله -ﷺ- يسألون أمهات المؤمنين، وغيرهن من الصحابيات ﵅ عن أشياء، فيجبن، رافعات أصواتهن. وهذا لا ينكره من مارس كتب السنة، ولو ذكرت تفاصيل ما ثبت من هذا لطال عليّ الكتاب.
والحاصل أن صوت المرأة ليس بعورة، لكن إن خِيفَ الافتتانُ يحرم سماعه. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة عشرة: أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث أنه لا يجوز للرجل التصفيق باليدين مطلقًا؛ لا في الصلاة، ولا في غيرها؛ لكونه جعل التصفيق للنساء، لكنه محمول على حالة الصلاة؛ بدليل تقييده بذلك في رواية مسلم، وغيره، كما تقدم. ومقتضى قاعدة من يأخذ بالمطلق -وهم الحنابلة، والظاهرية- عدم جوازه مطلقًا، ومتى كان في تصفيق الرجل تشبه بالنساء، فيدخل في الأحاديث الواردة في ذم المتشبهين من الرجال بالنساء، ولكن ذلك إنما يأتي في ضرب بطن إحدى اليدين على بطن الأخرى، ولا يتأتى في مطلق
[ ٩ / ٧٠٨ ]
التصفيق. قاله ولي الدين ﵀. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (^١).
المسألة السادسة عشرة: أخرج مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن الزهري ﵀ أنه قال: وقد رأيت رجالًا من أهل العلم، يسبحون، ويشيرون. اهـ. -يعني في الصلاة- وإنما جمعوا بينهما لأن في كل منهما إفهامَ ما في النفس.
قال ولي الله ﵀: وهل المراد أنهم كانوا يجمعونهما في حالة واحدة، أو يفعلونهما متفرقين، فيه نظر.
وأكثر العلماء من السلف والخلف على جواز الإشارة في الصلاة، وأنها لا تبطل بها، ولو كانت مُفهمة. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وقد ورد في الإشارة في الصلاة أحاديث تكاد أن تبلغ حد التواتر، والأصح عند أصحاب الشافعية أنه لا تبطل الصلاة بإشارة الأخرس المفهمة، كالناطق.
ونقل ابن حزم من مصنف عبد الرزاق بأسانيده عن عائشة ﵂ أنها كانت تأمر خادمها تقسم المرقة، فتمر بها، وهي في الصلاة، فتشير إليها أن زيدي، وتأمر بالشيء للمسلمين، تومىء به، وهي في الصلاة.
_________________
(١) طرح جـ ٢ ص ٢٥٠.
[ ٩ / ٧٠٩ ]
وعن ابن عمر ﵄ أن أومأ إلى رجل في الصف -ورأى خللًا- أن تقدم.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: إني لأعدها للرجل عندي يَدًا أن يُعَدلني في الصلاة.
وعن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: إنسان يمر بي، فأقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ثلاثًا، فيُقبِل، فأقول له بيدي أين تذهب؟ فيقول: إني كذا، وكذا، وأنا في المكتوبة، هل انقطعت صلاتي؟ فقال: لا، ولكن أكره. قلت: فأسجد للسهو؟ قال: لا.
وعن عائشة ﵂ أنها قامت إلى الصلاة في درع وخمار، فأشارت إلى المِلْحَفَة، فناولتها، وكان عندها نسوة، فأومأت إليهن بشيء من طعام بيدها، يعني وهي تصلي.
وعن أبي رافع كان يجيء الرجلان إلى الرجل من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وهو في الصلاة، فيتشهد أنه على الشهادة، فيصغي لها سمعه، فإذا فرغ يومىء برأسه، أي نعم.
وعن ابن عمر ﵁ إذا كان أحدكم في الصلاة، فسُلِّمَ عليه، فلا يتكلمن، وليشر إشارة، فإن ذلك رده.
وذهب الحنفية إلى بطلان الصلاة بالإشارة المفهمة، ونزلوها منزلة الكلام، واستدلوا لذلك بما رواه أبو داود في سننه، عن أبي هريرة
[ ٩ / ٧١٠ ]
﵁ مرفوعًا: من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه، فليُعِدْ لها". يعني الصلاة، لكنه حديث ضعيف. قال أبو داود: هذا الحديث وَهَم. وقال أبو بكر بن أبي داود: أبو غطفان مجهول، ولعله من قول ابن إسحاق. والصحيح عن النبي -ﷺ- أنه كان يشير في الصلاة.
وقال أبو زرعة: ليس في شيء من الأحاديث هذا الكلام، وليس عندي بذاك الصحيح إنما رواه ابن إسحاق. وقال أحمد بن حنبل: لا يثبت هذا الحديث، إسناده ليس بشيء.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن المذهب الراجح هو ما عليه الجمهور، من جواز الإشارة المفهومة في الصلاة، للأحاديث الصحيحة في ذلك. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
"الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله". "سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين". "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". السلام عليك إياها النبي ورحمة الله وبركاته.
"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك،
[ ٩ / ٧١١ ]
وأتوب إليك".
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي نزيل مكة، عفا الله عنه، وعن والديه: بحمد الله تعالى، وحسن توفيقه تم الجزء التاسع من شرح سنن الإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى، المسمى ذخيرة العُقبى في شرح المجتبى.
وذلك بمكة المكرمة زادها الله تعالى عزًا، وكرامة، وزادني بها إقامة، وسلامة، بحي الهنداوية.
ويلية الجزء العاشر مفتتحًا بـ[صلاة الإِمام خلف رجل من رعيته] / رقم ٨/ ٧٨٥.
أسأل الله تعالى أن ييسر لي إتمامه على الوجه المطلوب، بمنه وكرمه آمين.
***
[ ٩ / ٧١٢ ]
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجزء العاشر
دَار آل بُروم
للنشر والتوزيع
[ ١٠ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
دَار آل بروم للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٤٥ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
[ ١٠ / ٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
١١/ ٩/ ١٤٢٠ هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فأنا المدعو محمد بن علي بن آدم بن موسى الأتيوبي مؤلف كتاب شرح سنن النسائي المسمى "ذخيرة العقبي في شرح المجتبي" أقرّ بأني أذنت لدار آل بروم وصاحبها الشيخ علي بن محمد آل بروم بطبع الكتاب المذكور أعلاه ونشره بشرط أن يلتزم ويقوم بنشر الكتاب علي الوجه المطلوب، ويلتزم بالشروط التي بيننا، وأنه لا يجوز لأيّ دور نشر أن تتولى طبع الكتاب، ولا أيّ جزء منه، ولا تقوم بنشره إلا بإذن من صاحب المكتبة المذكورة، وعلى ذلك أوقع والله تعالى شهيد على ما أقول.
[ ١٠ / ٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ١٠ / ٤ ]