أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان فضل مسجد النبي - ﷺ -، وبيان فضل أداء الصلاة فيه.
٦٩٤ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْديِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، مَوْلَى الْجُهَنِيِّينَ، وَكَانَا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَمَسْجِدُهُ آخِرُ الْمَسَاجِدِ.
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَمْ نَشُكَّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَمُنِعْنَا أَنْ نَسْتَثْبِتَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ أَبُو هُرَيْرَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ، وَتَلَاوَمْنَا أَنْ لَا نَكُونَ كَلَّمْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي
[ ٨ / ٥٣٠ ]
ذَلِكَ، حَتَّى يُسْنِدَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِنْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ جَالَسْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ، وَالَّذِي فَرَّطْنَا فِيهِ مِنْ نَصِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "فَإِنِّي آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّهُ آخِرُ الْمَسَاجِدِ".
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (كثير بن عبيد) بن نمير المَذْحِجِي، أبو الحسن الحمصي الحذاء المقرئ، ثقة، توفي في حدود سنة ٢٥٠، من [١٠] أخرج له
أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٥/ ٤٨٦.
٢ - (محمد بن حرب) الخَوْلاني الحمصي الأبرش، ثقة، من [٩] توفي سنة ١٩٤، تقدم في ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (الزُّبَيْدِي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، من [٧] تقدم
في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر المدني الإمام الحافظ الحجة، من [٤] تقدم في ١/ ١.
[ ٨ / ٥٣١ ]
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، اسمه كنيته على الصحيح، ثقة مكثر، توفي سنة بضع وعشرين ومائة، من
[٣] تقدم في ١/ ١.
٦ - (أبو عبد الله الأغر) سلمان المدني، أصله من أصبهان، ثقة من كبار [٣].
قال حجاج عن شعبة: كان الأغر قاصًا من أهل المدينة، وكان رضي. وقال الواقدي: سمعت ولده يقولون: لقي عمر بن الخطاب، ولا أثبت ذلك عن أحد غيرهم، وكان ثقة، قليل الحديث.
وقال عبد الغني بن سعيد في الإيضاح: سلمان الأغر مولى جهينة، هو أبو عبد الله الأغر الذي روى عنه الزهري، وهو أبو عبد الله المدني مولى جهينة، وهو أبو عبد الله الأصبهاني الأغر، وهو أبو مسلم المديني الذي يحدث عنه الشعبي. وقال قوم: هو الأغر أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة. وقال ابن أبجر: هو الأغر بن سليك. ولا يصح ذلك، الأغر بن سليك آخر. انتهى.
وأبو مسلم الذي يروي عنه الشعبي آخر، وكذا الأغر أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة، وأن حديثه عند أهلها دون أهل المدينة، وهو مولى أبي هريرة، وأبي سعيد، وهذا مولى جهينة. والله أعلم.
قال الحافظ: وممن فرق بينهما البخاري، ومسلم، وابن المديني، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم، والأغر أبو عبد الله هذا ذكره
[ ٨ / ٥٣٢ ]
ابن حبان في الثقات. وقال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة. وقال ابن خلفون: وثقه الذهلي. أخرج له الجماعة.
٧ - (عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ) وقيل: إبراهيم بن عبد الله ابن قارظ، ووهم من زعم أنهما اثنان، صدوق، من [٣] أخرج له
مسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في ١٢٢/ ١٧١.
٨ - (أبوهريرة) - ﵁ -، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له الشيخان، والترمذي، وعبد الله بن إبراهيم، فما أخرج له البخاري، وابن ماجه.
ومنها: أنهم ما بين حمصيين ومدنيين، فإلى الزبيدي حمصيون، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيين، الزهري عن أبي سلمة والأغر.
ومنها: أن فيه رواية الأقران، فأبو سلمة والأغر وابن قارظ أقران.
[ ٨ / ٥٣٣ ]
ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة رواية، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري (وأبي عبد الله الأغر، مولى الجهنيين) -بضم الجيم، وفتح الهاء- نسبة إلى جهينة قبيلة من قُضَاعة. قاله في اللب. (وكانا) أي أبو سلمة، وأبو عبد الله الأغر (من أصحاب أبي هريرة) - ﵁ - (أنهما سمعا أبا هريرة يقول: صلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - أفضل) ثوابًا (من) ثواب (ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إِلا المسجد الحرام) فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجده - ﷺ -، وقيل: التقدير: إلا المسجد الحرام، فإنه يفضله بدون الألف، والأول هو الراجح، وتقدم تحقيقه في شرح الحديث (٤/ ٦٩١)، فراجعه تستفد.
ثم علل هذا التفضيل بقوله (فإِن رسول الله - ﷺ - آخر الأنبياء) قال الله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وأخرج الشيخان وغيرهما عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها، فنظر إليها، قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة، خُتِمَ بِي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام".
(ومسجده آخر المساجد) قال الحافظ أبو حاتم بن حبان -﵀-
[ ٨ / ٥٣٤ ]
في صحيحه جـ ٤ ص ٥٠٢: يريد به آخر المساجد للأنبياء، لا أن مسجد المدينة آخر مسجد بني في هذه الدنيا. انتهى.
وقال السندي -﵀-: أي آخر المساجد الثلاثة المشهود لها بالفضل، أو آخر مساجد الأنبياء، أو أنه يبقى آخر المساجد، ويتأخر عن المساجد الأُخَرِ في الفناء، أي فكما أنه تعالى شرف آخر الأنبياء، شرف كذلك مسجده الذي هو آخر المساجد، بأن جعل الصلاة فيه كألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام. والله أعلم. انتهى.
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن (وأبو عبد الله) الأغر (لم نشك أن أبا هريرة، كان يقول عن حديث رسول الله - ﷺ -) أي يخبر بهذا الحديث، آخذًا عن حديث رسول الله - ﷺ -، والمراد أنهما كانا لا يشكان في كون أبي هريرة - ﵁ - يخبر بهذا الحديث عنه - ﷺ - لا من عنده، ولجزمهما بذلك لم يسألاه من أين أخذه، كما بَيَّنَا ذلك بقولهما: فَمُنِعْنَا أن نستثبت. . . إلخ.
فائدة:
يجوز في قوله: "لم نشك" تحريك كافه بالحركات الثلاث: الفتح تخفيفًا، والكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، والضم، وهو أكثر في كلامهم، اتباعًا لحركة الفاء، وكذا كل فعل مضعف مجزوم، إذا كان مضموم الفاء، كلم يرد، أو مكسورها، كلم يَفِرّ، وأما مفتوحها، فليس فيه الضم، كلم يَعَضّ، ومثله الأمر في هذا
[ ٨ / ٥٣٥ ]
كله، كرُدّ، وفِرّ، وعَضّ.
(فمنعنا) ببناء الفعل للمفعول، و"نا" نائب فاعله، يقال: منعته الأمر، ومنعته من الأمر، منعًا، فهو ممنوع: أي محروم. يتعدى إلى
مفعولين تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر إلى الثاني، كما في المصباح.
(أن نستثبت أبا هريرة في ذلك الحديث) أي نطلب منه ثبوت كون الحديث عنه - ﷺ -. قال في اللسان: واستثبت في أمره: إذا شاور، وفحص عنه.
فقوله: أن نستثبت إلخ في تأويل المصدر مفعول ثان لمُنِعْنَا على الأول، وعلى الثاني يكون مجرورًا بمن محذوفة قياسًا، كما قال في
الخلاصة:
وَعدِّ لازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وِإنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي أنَّ وَأنْ يَطَّرِدُ … مَعَ أمْنِ لَبْسٍ كعَجِبْتُ أنْ يَدُوا
والتقدير: مُنِعْنَا من استثباته في ذلك الحديث.
(حتى إِذا توفي أبو هريرة ذكرنا ذلك) الحديث (وتلاومنا) أي لام بعضنا بعضًا، أي عذله (أن لا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك الحديث) والمصدر المؤول مجرور بعلى مقدرة أيضًا، أي عذل بعضنا بعضًا على عدم تكليمنا إياه في شأن هذا الحديث (حتى يسنده إِلى رسول الله - ﷺ -، إِن كان سمعه منه) - ﷺ -. وفي الكبرى "حتى
[ ٨ / ٥٣٦ ]
نسنده" بالنون بدل الياء، أي حتى نرويه مسندًا إليه - ﷺ - (فبينا نحن على ذلك) أي على ذكر شأن ذلك الحديث، وتلاومهم على تقصيرهم في عدم الاستثبات.
وأصل بينا: بين، فأشبعت فتحتها، فصارت ألفًا، ويقال: بينما، وبينا، وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجاة، ويضافان إلى الجملة، فعلية كانت أو اسمية، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وقد يقترن بإذ وإذا، والأفصح عدمه، كما بينه ابن منظور في لسان العرب.
فبينا هنا مضافة إلى جملة نحن على ذلك، وجوابها قوله: (جالسنا عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ) المدني (فذكرنا ذلك الحديث، و) ذكرنا الأمر (الذي فرطنا فيه) أي قصرنا فيه. يقال: فرط في الأمر، تفريطًا: قصر فيه، وضيعه، وأفرط إفراطًا، أسرف، وجاوز الحد. قاله الفيومي.
وقوله: (من نص أبي هريرة) بيان للموصول، أي من رفعه الحديث إلى النبي - ﷺ -؟ يقال: نَصَصْت الحديثَ نَصًّا، من باب قتل: رفعته إلى من أحْدَثَه، ونص النساء العروس، نصًا، رفعنها على المِنَصَّة- بكسر الميم، وهي الكرسي الذي تقف عليه في جِلائها. قاله الفيومي.
يعني أنهما ذكرا لعبد الله بن إبراهيم تفريطهما في شأن هذا الحديث، حيث إنهما لم يسألاه هل سمعه من النبي - ﷺ -، أو لا؟
[ ٨ / ٥٣٧ ]
قال الجامع عفا الله عنه: إنما تلاوما على هذا، وإن كان الأمر لا يحتاج إلى ذلك، إذ الحديث ليس مما يقال من قبل الرأي، فهو مرفوع حكمًا لكونهما تركا الأولى في ذلك، وهو الرفع اللفظي، فإنه أرفع منزلة من الرفع الحكمي.
والحاصل أنهما تأسفا على عدم تلقيهما الحديث مرفوعًا لفظًا، وإن كان مرفوعًا حكمًا. والله أعلم.
(فقال لنا عبد الله بن إِبراهيم: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: فإِني آخر الأنبياء، وإِنه آخر المساجد) الظاهر أن الحديث فيه اختصار من أوله، وهو قوله: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام"، فتكون الفاء في قوله: "فإني" للتعليل، كما سبق.
ويدل على أن عبد الله بن إبراهيم سمع أول الحديث المذكور من أبي هريرة - ﵁ - ما يأتي للمصنف في المناسك، من طريق سعد بن إبراهيم: أن أبا سلمة قال: سألت الأغر عن هذا الحديث، فحدث الأغر، أنه سمع أبا هريرة، يحدث أن رسول الله - ﷺ - قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا الكعبة".
يعني أن عبد الله بن إبراهيم أفادهما كون أبي هريرة أثبت سماعه من رسول الله - ﷺ -، فصار الحديث مرفوعًا لفظًا أيضًا.
[ ٨ / ٥٣٨ ]
والحاصل أن أبا هريرة - ﵁ - حدث بهذا الحديث أبا سلمة، وأبا عبد الله الأغر، وهو بصورة الموقوف، وحدث به عبد الله بن إبراهيم مصرحًا فيه بالسماع من رسول الله - ﷺ -، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من رواية أبي سلمة، وأبي عبد الله الأغر كلاهما عنه متفق عليه، ومن روايتهما عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، عنه أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٦٩٤)، و"الكبرى" (٧/ ٧٧٣) عن كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر، كلاهما عنه، وفي "المناسك" (١٢٤/ ٢٨٩٩)، و"الكبرى" (١٢٤/ ٣٨٨٢) عن عمرو بن علي، عن محمد بن جعفر، غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن الأغر، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
[ ٨ / ٥٣٩ ]
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن زيد بن رباح، وعبيد الله بن أبي عبد الله الأغر، كلاهما عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة.
ومسلم في "الحج" عن إسحاق بن منصور، عن عيسى بن المنذر، عن محمد بن حرب، بسند المصنف وسياقه.
والترمذي في "الصلاة" عن إسحاق الأنصاري، عن معن، عن مالك، به. وعن قتيبة، عن مالك، عن زيد بن رباح وحده به.
وابن ماجه في "الصلاة" عن أبي مصعب، عن مالك به عنهما.
وأخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، والطحاوي في مشكل الآثار، والدارمي، وابن حبان. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٩٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠] تقدم في ١/ ١.
[ ٨ / ٥٤٠ ]
٢ - (مالك) بن أنس، الإمام المدني، أبو عبد الله، ثقة ثبت حجة، من [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة، توفي سنة ١٣٥، عن ٧٠ سنة، أخرج
له الجماعة، تقدم في ١١٨/ ١٦٣.
٤ - (عباد بن تميم) بن غزية الأنصاري المازني المدني، ثقة، من [٣] وقيل: له رؤية، تقدم في ٥٩/ ٧٤.
٥ - (عبد الله بن زيد) بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، أبو محمد الصحابي المشهور - ﵁ -، استشهد بالحرة سنة ٦٣، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٠/ ٩٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن زيد) - ﵁ -، أنه (قال: قال
[ ٨ / ٥٤١ ]
رسول الله - ﷺ -: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة") "ما" اسم موصول مبتدأ، والظرف صلتها، و"روضة" خبرها، و"من رياض الجنة" بيان لما.
فقوله: "ما بين بيتي ومنبري" كذا وقع عند البخاري في فضائل المدينة، في رواية الأكثرين، قال الحافظ: ووقع في رواية ابن عساكر وحده "قبري" بدل "بيتي"، وهو خطأ، فقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة قبيل الجنائز بهذا الإسناد بلفظ "بيتي"، وكذلك هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه.
وقال القرطبي: الرواية الصحيحة "بيتي" ويروى "قبري" وكأنه بالمعنى؛ لأنه دفن في بيت سكناه.
نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: "بيتي" أحد بيوته، لا كلها، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره، وقد ورد الحديث بلفظ "ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة"، أخرجه الطبراني في الأوسط. انتهى. فتح جـ ٤ ص ١٢٠، بزيادة من جـ ٣ ص ٨٤.
وقد أخرج النسائي في "الكبرى" في "المناسك" (٣١٣/ ٤٢٨٩)، قال: أنبأنا قتيبة بن سعيد، والحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا
[ ٨ / ٥٤٢ ]
أسمع، عن سفيان عن عمار الدهني، عن أبي سلمة، عن أم سلمة: أن النبي - ﷺ - قال: "إن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" قال النسائي في حديث الحارث: "ما بين قبري ومنبري".
قال الجامع عفا الله عنه: رجاله رجال الصحيح، فما قاله في الفتح من أن رواية "قبري" خطأ غير صحيح، اللهم إلا إذا أراد بالنسبة
لرواية البخاري.
فالصواب أن رواية "قبري" صحيحة، ويكون ذلك علمًا من أعلام النبوة، بأن أشار - ﷺ - أنه سيدفن في ذلك المحل، أو يكون من الرواية بالمعنى، والأول أولى. والله أعلم.
ثم قيل: هو على ظاهره، وأنه روضة حقيقة، بأن ينقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة.
وقال في "الفتح": قوله: "روضة من رياض الجنة": أي كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة، وحصول السعادة بما يحصل من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده - ﷺ -، فيكون تشبيهًا بغير أداة، أو المعنى: أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، فيكون مجازًا، أو هو على ظاهره، وأن المراد أنه روضة حقيقة، بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة. هذا محصل ما أوله العلماء في هذا الحديث، وهي على ترتيبها هذا في القوة. انتهى. "فتح" جـ ٣ ص ١٢٠.
[ ٨ / ٥٤٣ ]
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى كون الحديث على ظاهره؛ لأن حمل النص على ظاهر ما يتبادر إلى الذهن إذا أمكن هو المتعيّن، ثم هو مع ذلك لا ينافي المعاني الأُخَر، بأن يقال: هو روضة من رياض الجنة، وهو محل نزول الرحمة، وأن العبادة فيه توصل إلى الجنة. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٧/ ٦٩٥)، و"الكبرى" هنا (٧/ ٧٧٤)، وفي المناسك (٣١٣/ ٤٢٨٩) عن قتيبة، عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم، عن عباد بن تميم، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم.
فأخرجه البخاري في آخر "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، به.
ومسلم في "المناسك" عن قتيبة، عن مالك، به. وعن يحيى بن
[ ٨ / ٥٤٤ ]
يحيى، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن حزم به. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٩٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي هَذَا رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبله.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي، ثم المكي الإمام الحجة المثبت، من [٨] تقدم في ١/ ١.
٣ - (عمار الدُّهْنِيُّ) بن معاوية، ويقال: ابن أبي معاوية، ويقال: ابن صالح، ويقال: ابن حبان، أبو معاوية البجلي الكوفي، صدوق يتشيع، من [٥].
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني، عن سفيان: قطع بشر بن مروان عرقوبيه في التشيع. وقال القواريري، عن أبي بكر بن عياش: قال لي عمار: إنه لم يسمع من سعيد بن جبير. وذكره ابن حبان في الثقات. قال مطين: مات سنة ١٣٣، أخرج له مسلم، والأربعة.
[ ٨ / ٥٤٥ ]
فائدة:
الدُّهْني -بضم الدال المهملة، وسكون الهاء، وفي آخره نون: نسبة إلى دُهْن بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار، وهو بطن من بَجِيلة. قاله في اللباب جـ ١ ص ٥٢٠.
٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ثقة فقيه، من [٣] تقدم في ١/ ١.
٥ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، أم المؤمنين - ﵂ -، توفيت سنة ٦٢ على الأصح، أخرج لها الجماعة، تقدمت في ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف -﵀-.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا عمارًا، فلم يخرج له البخاري.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، فإن عمارًا الدهني من الطبقة الخامسة، يروي عن أبي الطفيل.
ومنها: أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أم سلمة) - ﵂ - (أن النبي - ﷺ - قال: إن قوائم
[ ٨ / ٥٤٦ ]
منبري) جمع قائمة، وهي ما يقوم عليها المنبر، كقوائم الدابة، وفي اللسان: وقوائم الخِوَان، ونحوها: ما قامت عليه. قال الجوهري: قائم السيف، وقائمته: مَقْبِضُهُ، والقائمة: واحدة قوائم الدواب. وقوائم الدواب: أرْبَعَتُهَا، وَقد يستعار ذلك في الإنسان. انتهى.
(رواتب في الجنة) جمع راتبة، من رتب: إذا انتصب قائمًا، أي إن الأرض التي هو فيها من الجنة، فصارت القوائم مقرها الجنة، أو أنه
سينقل إلى الجنة. والله أعلم. قاله السندي.
وقال في "الفتح" في شرح حديث "ومنبري على حوضي"، ما نصه: أي ينقل يوم القيامة، فينصب على الحوض. وقال الأكثر: المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة، وهو فوقه. وقيل: المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة، والأول أظهر. ويؤيده حديث أبي سعيد المتقدم. ورواه الطبراني في الكبير من حديث أبي واقد الليثي، رفعه: "إن قوائم منبري رواتب في الجنة".
وقيل معناه: أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض، ويقتضي شربه منه. والله أعلم. ونقل ابن زبالة أن ذراع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعًا، وقيل: أربع وخمسون وسدس، وقيل: خمسون إلا ثلثي ذراع، وهو الآن كذلك، فكأنه نقص لما أدخل من
[ ٨ / ٥٤٧ ]
الحجرة في الجدار.
واستدل به على أن المدينة أفضل من مكة؛ لأنه أثبت التي بين البيت والمنبر من الجنة، وقد قال في الحديث الآخر: "لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها".
وتعقبه ابن حزم بأن قوله: إنها من الجنة مجاز، إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، كما يقال في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة، وكما قال رسول الله - ﷺ -: "الجنة تحت ظلال السيوف" قال: ثم لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلا لتلك البقعة خاصة، فإن قيل: إن ما قرب منها أفضل مما بعد، لزمهم أن يقولوا: إن الجحفة أفضل من مكة، ولا قائل به. انتهى. "فتح" جـ ٤ ص ١٢٠.
تنبيه:
حديث أم سلمة - ﵂ - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف -﵀-، كما أشار إليه في "تحفة الأشراف" جـ ١٣ ص ٤١ - أخرجه هنا (٧/ ٦٩٦)، و"الكبرى" (٧/ ٧٧٥)، وفي "المناسك" منه (٣١٢/ ٤٢٨٧) عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمار بن معاوية الدهني، عن أبي سلمة، عنها. وعن عمرو بن علي، عن يحيى، عن سفيان الثوري، عن عمار، به.
[ ٨ / ٥٤٨ ]
تنبيه:
أسقط في نسخة "الكبرى" ذكر سفيان الثوري بعد يحيى، فجعله عن يحيى، عن عمار، والإصلاح من "تحفة الأشراف" جـ ١٣ ص ٤١. فتنبه.
وأخرجه ابن حبان، وابن سعد في الطبقات، وأبو نعيم في "الحلية"، وأحمد. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٥٤٩ ]