أي هذا باب ذكر الحديث الدال على التشديد والوعيد على من يمر بين المصلي وبين سترته.
٧٥٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ، يَسْأَلُهُ، مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس، الإمام الحجة الفقيه المدني، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (أبو النضر) سالم بن أبي أمية المدني، ثقة ثبت، توفي سنة ١٢٩، من [٥]، تقدم في ٩٦/ ١٢١.
[ ٩ / ٤٠٧ ]
٤ - (بسر بن سعيد) المدني العابد، ثقة جليل، توفي سنة ١٠٠، من [٢]، تقدم في ٥١٧.
٥ - (أبو جُهَيم) -بالتصغير- بن الحارث بن الصِمّة -بكسر المهملة، وتشديد الميم- بن عمرو الأنصاري، قيل: اسمه عبد الله، وقد ينسب لجده، وقيل: هو عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة، وقيل: اسمه الحارث بن الصمة، وقيل: هو آخر غيره، صحابي معروف، وهو ابن أخت أُبَي بن كعب، بقي إلى خلافة معاوية ﵄. روى عن النبي -ﷺ-، وعنه بشر بن سعيد الحضرمي، وأخوه مسلم بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن يسار، مولى ميمونة.
قال الحافظ (^١): وصحح الحاكم كون الحارث اسم أبيه، لا اسمه. وقال ابن أبي حاتم: عبد الله بن جهيم، أبو جهيم، فرق بينه وبين ابن الصمة. وفي أسد الغابة، عن الاستيعاب، والمعرفة: عبد الله بن جهيم ابن الحارث بن الصمة، فذكره؛ جعل الحارث جده، وهكذا قاله ابن منده، وكأنه أراد أن يجمع الأقوال المختلفة، ومع ذلك فما سلم. والله أعلم. أخرج له الجماعة. له أحاديث، اتفق الشيخان منها على حديثين. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" جـ ١٢ ص ٦١. وصه ص ٤٤٧.
[ ٩ / ٤٠٨ ]
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلاني، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو جهيم ﵁ من المشهورين بالكنية، وهذا الباب أول موضع ذكره في هذا الكتاب، وهو من المقلين في الرواية، فليس له في الكتب الستة، إلا هذا الحديث، وآخر في التيمم، وقد تقدم برقم ١٩٥/ ٣١١. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن بسر بن سعيد) المدني العابد (أن زيد بن خالد) هو الجُهَني الصحابي المشهور، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة، المدني، روى عن النبي -ﷺ-، وعن عثمان، وأبي طلحة، وعائشة. وعنه ابناه خالد، وأبو حرب، ومولاه أبو عمرة، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وقيل: أبو عمرة الأنصاري، وأبو الحباب سعيد بن يسار، وعبيد الله الخولاني، وغيرهم. قال أحمد بن البرقي: توفي بالمدينة سنة ٧٨ وهو ابن ٨٥ سنة. وقال غيره: بالكوفة. وقال ابن سعد، وآخرون: مات في آخر أيام معاوية. وقال البغوي: مات سنة ٦٨، وقال ابن حبان في الصحابة: مات سنة ٧٨، قال: وقد قيل: سنة ٦٨، وقال أبو عمر: كان صاحب لواء جهينة يوم الفتح. أخرج له الجماعة (^١).
_________________
(١) تهذيب التهذيب جـ ٣ ص ٤١٠ - ٤١١.
[ ٩ / ٤٠٩ ]
(أرسله) أي أرسل بسرَ بنَ سعيد (إِلى أبي جُهَيم) ﵁، قال الحافظ ﵀: هكذا روى مالك هذا الحديث في الموطأ، لم يختلف عليه فيه أن المُرسِل هو زيد، وأن المرسَل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر عند مسلم، وابن ماجه، وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة، عن أبي النضر، فقال: عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله، فذكر هذا الحديث.
قال ابن عبد البر: هكذا رواه ابن عيينة مقلوبًا، أخرجه ابن أبي خيثمة عن أبيه، عن ابن عيينة، ثم قال ابن أبي خيثمة: سئل عنه يحيى ابن معين، فقال: هو خطأ، إنما هو أرسلني زيد إلى أبي جهيم، كما قال مالك. وتعقب ذلك ابن القطان، فقال: ليس خطأ ابن عيينة فيه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسرًا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم يستثبت كل منهما ما عند الآخر.
قال الحافظ: تعليل الأئمة للأحاديث مَبْنِيّ على غلبة الظن، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال، فيعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشذوذ، وهو ما يخالف الثقة فيه من أرجح منه في حد الصحيح.
قال الجامع: اشتراط انتفاء الشذوذ في حد الصحيح فيه نظر، قد حققته في الشرح الكبير على ألفية السيوطي في الحديث.
[ ٩ / ٤١٠ ]
وبالله تعالى التوفيق.
(يسأله) جملة حالية من المفعول، أي حال كون بسر يسأل أبا جهيم (ماذا سمع من رسول الله -ﷺ- يقول في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم: قال رسول الله -ﷺ-: لو يعلم المار بين يدي المصلي) أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما. واختلف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده. وقيل بينه وبين قدر ثلاثة أذرع.
وقيل: بينه وبين قدر رمية بحجر (^١) (ماذا عليه) كلمة "ما" استفهام، ومحله الرفع علي الابتداء، وكلمة "ذا" إشارة خبره، والأولى أن تكون "ذا" موصولة بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأن تقديره ماذا عليه من الإثم، أو نحوه، ثم إن "ماذا عليه" في محل النصب على أنه سد مسد المفعولين لقوله: "يعلم" وقد علق عمله بالاستفهام. أفاده العيني (^٢).
وقال في "الفتح": زاد الكشميهني "من الإثم" وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في الموطأ بدونها. وقال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب المسانيد، والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء
_________________
(١) فتح الباري جـ ٢ ص ١٦٨.
(٢) عمدة القاري جـ ٤ ص ٢٩٤،
[ ٩ / ٤١١ ]
من الروايات مطلقًا. لكن في مصنف ابن أبي شيبة: "يعني من الإثم"، فيحتمل أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية، فظنها الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا من الحفاظ، بل كان راوية.
وقد عزاها المحب الطبري في الأحكام للبخاري، وأطلق، فعيب ذلك عليه، وعلى صاحب العمدة في إيهامه أنها في الصحيحين. وأنكر ابن الصلاح في مشكل الوسيط على من أثبتها في الخبر، فقال: لفظ "الإثم" ليس في الحديث صريحًا. ولما ذكر النووي في شرح المهذب دونها، قال: وفي رواية رويناها في الأربعين لعبد القادر الرهاوي: "ماذا عليه من الإثم" (^١).
(لكان أن يقف أربعين) جواب "لو"، وكلمة "أن" مصدرية، والتقدير لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي لكان وقوفه أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه.
وقال الكرماني ﵀: جواب "لو" ليس هو المذكور، بل التقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. اهـ. وتعقبه العيني، فقال: لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرف فيه تعسف، وحق التركيب ما تقدم (^٢).
قال الكرماني: وأبهم المعدود تفخيمًا للأمر، وتعظيمًا.
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ١٦٨.
(٢) عمدة القاري جـ ٤ ص ٢٩٤.
[ ٩ / ٤١٢ ]
قال الحافظ ﵀: قلت: ظاهر السياق أنه عيَّنَ المعدود، ولكن شك الراوي فيه. اهـ.
وقال الكرماني ﵀: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟ قلت: أسرار أمثال هذا لا يعلمها إلا الشارع. ويحتمل أن يكون ذلك لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طور بأربعين، كأطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل (^١) الإنسان في أربعين سنة، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأن أجزاءه هي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أريد التكثير ضوعف كلٌّ إلى عشرة أمثاله. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الذي ذكره الكرماني ﵀ أوّلًا هو الأوجه عندي، فهذا العدد ونحوه مما لا يعرف وجه حكمته، وأما الوجه الثاني فإنه تكلف ظاهر، ترده رواية المائة، ففي رواية ابن ماجه، وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁: "لكان أن يقف مائة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها".
وأما ما ذكره العيني في وجه الحكمة للمائة أيضًا، فتكلف ظاهر. وقال الحافظ بعد ذكر رواية المائة ما نصه: وهذا يشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين.
_________________
(١) هكذا نسخة العمدة "عدل" بالدال، ولعل الصواب "عقل" بالقاف.
(٢) عمدة القارىء جـ ٤ ص ٢٩٤.
[ ٩ / ٤١٣ ]
وجنح الطحاوي ﵀ إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين زيادة في تعظيم الأمر على المار؛ لأنهما لم يقعا معًا؛ إذ المائة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر. ومميز المائة إن كان هو السنة ثبت المُدَّعَى، وأما ما دونها فمن باب أولى.
وقد وقع في مسند البزار من طريق ابن عيينة التي ذكرها ابن القطان: "لكان أن يقف أربعين خريفًا". أخرجه عن أحمد بن عبدة الضبي، عن ابن عيينة. وقد جعل ابن القطان الجزم في طريق ابن عيينة، والشك في طريق غيره، دالًا على التعدد. لكن رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وغيرهم من الحفاظ عن ابن عيينة، عن أبي النضر على الشك أيضًا، وزاد فيه "أو ساعة" فيبعد أن يكون الجزم، والشك، وقعا معًا من راوٍ واحد في حالة واحدة، إلا أن يقال: لعله تذكر في الحال، فجزم، وفيه ما فيه (^١).
(خيرًا له) أي لكان الوقوف خيرًا له من المرور عنده، ولهذا علق بالعلم، وإلا فالوقوف خير له، سواء علم، أو لم يعلم. و"خيرًا" وقع في بعض النسخ بالنصب خبرًا لـ "كان" وهو الذي في روايات البخاري، ووقع في النسخة الهندية، والكبرى بالرفع، كما في نسخ أبي داود، والترمذي، وأعربها ابن العربي على أنها اسم "كان"، وأشار
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ١٦٩.
[ ٩ / ٤١٤ ]
إلى تسويغ الابتداء بالنكرة؛ لكونها موصوفة. ويحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها (^١).
واعترض السندي ﵀ بأن القواعد تَأْبَى ذلك؛ لأن قوله: "أن يقف" بمنزلة الاسم المعرفة، فلا يصلح أن يكون خبرًا لـ "كان"، وتكون النكرة اسمًا له، بل "أن" مع الفعل يكون اسمًا لـ "كان" مع الخبر معرفة متقدمة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٤٧]. ولهذا نظائر في القرآن، وكذلك المعنى يأبى ذلك عند التأمل، فالوجه أن اسم "كان" ضمير الشأن، والجملة مفسرة للشأن، أو أن "خيرًا" منصوب على أنه خبر "كان"، وترك الألف بعده من تسامح أهل الحديث، فإنهم كثيرًا ما يتركون كتابة الألف بعد الاسم المنصوب، كما صرح به النووي، والسيوطي، وغيرهما في مواضع. والله تعالى أعلم (^٢).
(من أن يمر) متعلق بـ "خير" (بين يديه) متعلق بـ "يمر" أي من مروره أمام المصلي.
زاد في رواية الشيخين: "قال أبو النضر: لا أدري، أقال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة". قال الحافظ: هو من كلام مالك، وليس من تعليق البخاري؛ لأنه ثابت في الموطأ من جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية الثوري، وابن عيينة.
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ١٦٩.
(٢) شرح السندي جـ ٢ ص ٦٦.
[ ٩ / ٤١٥ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي جهيم ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٨/ ٧٥٦)، وفي "الكبرى" (٧/ ٨٣٢) عن قتيبة، عن مالك، عن أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، به. ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وعن عبد الله بن هاشم، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، به. وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، به. والترمذي فيه عن إسحاق ابن موسى الأنصاري، عن مَعْنٍ، عن مالك، به. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو التشديد في المرور بين يدي المصلي، وبين سترته. قال النووي ﵀: فيه دليل عَلَى تحريم المرور؛ فإن مَعْنَى الحديث النهي الأكيد، والوعيد الشديد على ذلك.
[ ٩ / ٤١٦ ]
انتهى. قال الحافظ: ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر.
ومنها: أخذ القرين عن قرينه ما فاته، أو استثباته فيما سمعه.
ومنها: الاعتماد على خبر الواحد.
ومنها: ما كان عليه الصحابة من شدة طلبهم للعلم حيث يتلقونه بالمراسلة.
ومنها: الاقتصار على النزول مع القدرة على العلو؛ لأن زيد بن خالد أرسل بسر بن سعيد، إلى أبي جهيم، ولو طلب العلو لسعى إليه بنفسه.
ومنها: جواز استعمال "لو" في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي؛ لأن محل النهي أن يشعر بما يعاند المقدور.
ومنها: أن ابن بطال ﵀ استنبط من قوله: "لو يعلم" أن الإثم يختص بمن يعلم بالنهي، وارتكبه. اهـ. قال الحافظ: وفي أخذ ذلك منه بعد، ولكنه معروف من أدلة أخرى.
ومنها: أن ظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يختص بمن مر، لا بمن وقف عامدًا مثلًا بين يدي المصلي، أو قعد، أو رقد، لكن إن كانت العلة التشويش على المصلي فهو في معنى المار. قاله في الفتح.
قال الجامع: عندي الأولى ما دل عليه ظاهر النص؛ لأن علة النهي ليست معروفة. والله أعلم.
[ ٩ / ٤١٧ ]
ومنها: أن ظاهره يدل على عموم النهي في كل مصل، وخصه بعض المالكية بالإمام والمنفرد؛ لأن المأموم لا يضره مَنْ مر بين يديه؛ لأن سترة إمامه سترة له، أو إمامه سترة له. اهـ. قال في الفتح: والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعَى، لأن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي، لا عن المار، فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد في ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله في "الفتح" فيه نظر، بل ما ذكره بعض المالكية واضح، فإن قوله -ﷺ-: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك" إباحة للمرور وراء السترة، وقد قدمنا أن الراجح أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، ولو طالت الصفوف، فالسترة ترفع الحرج عن المصلي، والمار، فيختص منع المرور بالإمام والمنفرد، فقط. فتأمل، والله أعلم.
المسألة الخامسة: ذكر ابن دقيق العيد ﵀ أن بعض الفقهاء قسم أحوال المار والمصلي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام:
يأثم المار، دون المصلي، وعكسه، ويأثمان جميعًا، وعكسه.
فالصورة الأولى: أن يصلي إلى سترة في غير مشرع، وللمار مندوحة (^١)، فيأثم المار دون المصلي.
_________________
(١) أي متسع، من النَّدْح، وهو ما اتسع من الأرض. اهـ. عدّة حاشية العمدة. جـ ٢ ص ٤٥٠.
[ ٩ / ٤١٨ ]
الثانية: أن يصلي في مشرع مسلوك بغير سترة، أو مباعدًا عن السترة، ولا يجد المار مندوحة، فيأثم المصلي دون المار.
الثالثة: مثل الثانية، لكن يجد المار مندوحة، فيأثمان جميعًا.
الرابعة: مثل الأولى، لكن لم يجد المار مندوحة، فلا يأثمان جميعًا. انتهى (^١).
قال الحافظ رحمه الله تعالى بعد نقله لكلام ابن دقيق العيد هذا، ما حاصله: وظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقًا، ولو لم يجد مسلكًا، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته. ويؤيده قصة أبي سعيد الخدري ﵁يعني الآتية في الحديث التالي- فإن فيها: "فنظر الشاب، فلم يجد مساغًا، إلا بين يديه".
وقال إمام الحرمين: إن الدفع لا يشرع للمصلي في هذه الصورة. وتبعه الغزالي، ونازعه الرافعي. وتعقبه ابن الرفعة بما حاصله أن الشاب إنما استوجب من أبي سعيد الدفع لكونه قصر في التأخر عن الحضور إلى الصلاة حتى وقع الزحام. انتهى. وما قاله محتمل، لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأن أبا سعيد لم يعتذر بذلك، ولأنه متوقف على أن ذلك وقع قبل صلاة الجمعة، أو فيها مع احتمال أن يكون ذلك وقع بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ
_________________
(١) اهـ. إحكام الأحكام جـ ٢ ص ٤٥٠ - ٤٥١ بتوضيح من الفتح.
[ ٩ / ٤١٩ ]
أوجه. والله أعلم (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح هو ما دل عليه ظاهر الحديث من منع المرور مطلقًا. والله أعلم.
تنبيه:
قال في الفتح: وقع في رواية أبي العباس السراج من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر: "لو يعلم المار بين يدي المصلِّي والمصلَّى" فحمله بعضهم على ما إذا قصر المصلِّي في دفع المار، أو بأن صلى في الشارع. ويحتمل أن يكون قوله: "والمصلى بفتح اللام، أي بين يدي المصلى من داخل سترته، وهذا أظهر. والله أعلم. قاله في الفتح (^٢). والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ".
_________________
(١) فتح جـ ١ ص ٦٩٨ طبعة دار الريان للتراث.
(٢) فتح جـ ١ ص ٦٩٨.
[ ٩ / ٤٢٠ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد.
٢ - (مالك).
تقدما في السند السابق.
٣ - (زيد بن أسلم) العدوي المدني، ثقة عالم يرسل، توفي سنة ١٣٦، من [٣]، تقدم في (٦٤/ ٨٠).
٤ - (عبد الرحمن بن أبي سعيد) الخدري المدني، ثقة توفي سنة ١١٢، من [٣]، تقدم في (١/ ٣٢٦).
٥ - (أبو سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري الصحابي المشهور ابن الصحابي ﵄. تقدم في (١٦٩/ ٢٦٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفق الجماعة عليهم، فقد علق البخاري لعبد الرحمن بن أبي سعيد، وأخرج له الباقون.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أن فيه رواية الأقران، فإن زيدًا، وعبد الرحمن تابعيان كلاهما من الطبقة الثالثة، ورواية الراوي عن أبيه.
[ ٩ / ٤٢١ ]
ومنها: أن أبا سعيد أحد المكثرين السبعة، روى ١١٧٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد) الخدري ﵁ (أن رسول الله -ﷺ- قال: إِذا كان أحدكم يصلي) أي إلى شيء يستره، كما قيد في الرواية الأخرى؛ ففي رواية أبي سعيد ﵁ عند الشيخين: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه" الحديث. فإطلاق حديث الباب مقيد بهذا الحديث، ونحوه.
قال أبو بكر بن المنذر ﵀: ليس لأحد أن يمر بين يدي من يصلي إلى سترة، وإن مر بين يديه، وهو يصلي إلى سترة كان له دفعه، فإن لم يندفع قاتله إن أبى إلا أن يمر بين يديه. وقد رخص في المرور بين يدي من يصلي إلى غير سترة بعض أهل العلم، واحتج بحديث المطلب ابن أبي وداعة. يعني الآتي للمصنف في الباب التالي (^١).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: وقد يستدل بالحديث على أنه إذا لم يكن له سترة لم يثبت هذا الحكم من حيث المفهوم، وبعض المصنفين من أصحاب الشافعي نص على أنه إذا لم يستقبل شيئًا، أو تباعد عن السترة، فأراد أن يمر وراء موضع السجود لم يكره، وإن أراد أن يمر في موضع السجود كره، ولكن ليس للمصلي أن يقاتله، وعلل ذلك
_________________
(١) الأوسط جـ ٥ ص ٩٥.
[ ٩ / ٤٢٢ ]
بتقصيره. حيث لم يقرب من السترة. اهـ (^١).
تنبيه:
ذكر عند الشيخين سبب ذكر أبي سعيد الخدري ﵁ لهذا الحديث، فقد أخرجا من طريق حميد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو صالح السمان، قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم الجمعة، يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب، فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟. قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان".
(فلا يدع) أي لا يترك (أحدًا أن يمر) هكذا نسخ "المجتبى" بزيادة "أن" المصدرية، وفي الكبرى: "يمر" بدونها، وهي التي عند مسلم، وأبي داود، وهي واضحة؛ إذ الجملة في محل جر صفة لـ "أحد"، ويمكن توجيه ما في "المجتبى" بجعل المصدر المئَول مجرورًا بحرف جر محذوف، أي في مروره، يعني أنه لا يترك أحدًا في حال مروره.
_________________
(١) إحكام الأحكام جـ ٢ ص ٤٥٤.
[ ٩ / ٤٢٣ ]
(بين يديه) متعلق بـ "يمر"، أي أمامه، والمراد المرور بينه وبين السترة. زاد في رواية مسلم، وأبي داود: "وليدرأ ما استطاع". أي ليدفع المصلي من أراد المرور بينه وبينها قدر استطاعته.
ثم إن ظاهر الأمر وجوب الدفع، وبه قال أهل الظاهر. وقال النووي ﵀: الأمر بالدفع أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه، بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب. اهـ (^١).
قال الحافظ ﵀: فكأنه لم يراجع كلام أهل الظاهر، أو لم يعتد بخلافهم. اهـ (^٢).
قال القاضي عياض ﵀: اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده، وإنما يدفعه، ويرده من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح لى قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أمر بالقرب من سترته، وإنما يرده إذا كان بعيدًا منه بالإشارة، أو التسبيح. اهـ.
(فإِد أبى) أي امتنع المار من عدم المرور. يقال: أبَى الرجل يَأبَى إباء -بالكسر والمد- وإباءة: امتنع، فهو آب، وأبِيّ، على فاعل، وفَعِيل، وتأبَّى مثله، وبناؤه شاذ؛ لأن فَعِلَ يَفْعَل -بفتحتين- يكون
_________________
(١) شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٢٣.
(٢) فتح جـ ١ ص ٦٩٥.
[ ٩ / ٤٢٤ ]
حلقيَّ العين، أو اللام. وحكى ابن سِيدَهْ عن قوم: أبِيَ يَأبَى، كنَسِي يَنْسَى، وحكى ابن جني، وصاحب القاموس: أبَى يَأبِي، كضرب يضرب.
(فليقاتله) زاد في الكبرى: "فإن معه القرين"؛ أي الشيطان. وفي رواية البخاري: "فليدفعه"، ولمسلم "فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله"؛ أي يدفع بيده في نحره، فإن لم يندفع بذلك، فليدفعه، ولو بما يؤدي إلى قتله.
وقال في الفتح: قوله: "فليدفعه"؛ قال القرطبي ﵀: أي بالإشارة، ولطيف المنع. وقوله: "فليقاتله"؛ أي يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول. قال: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والخشوع فيها. اهـ.
قال الجامع: ما قاله القرطبي مخالف لظاهر الحديث؛ فإن رواية مسلم صريحة في الدفع باليد، لا بالإشارة. وأصرح منه رواية الإسماعيلي، ولفظه: "فإن أبى فليجعل يده في صدره، ويدفعه"، وأما دعواه مخالفة الإقبال على الصلاة، والخشوع، فليس بمسلم؛ لأن من أمر بالخشوع في الصلاة هو الذي شرع المقاتلة فيها، فلا منافاة، ولا معارضة؛ إذ كل من عند الله. فتبصر.
قال الحافظ ﵀: وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله
[ ٩ / ٤٢٥ ]
حقيقة.
واستبعد ابن العربي ذلك في "القبس" وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة.
وأغرب الباجي، فقال: يحتمل أن يكون المراد بالمقاتلة اللعن، أو التعنيف. وتعقب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة، وهو مبطل، بخلاف الفعل اليسير. ويمكن أن يكون أراد أنه يلعنه داعيًا، لا مخاطبًا، لكن فعل الصحابي يخالفه، وهو أدرى بالمراد. وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: "فإن أبى فليجعل يده في صدره، ويدفعه" وهو صريح في الدفع باليد.
ونقل البيهقي ﵀ عن الشافعي ﵀ أن المراد بالمقاتلة، دفع أشد من الدفع الأول.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر ﵄، قال: "لا تدع أحدًا يمر بين يديك، وأنت تصلي، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله". وهذا يقتضي أن المقاتلة إنما تشرع إذا تعينت في دفعه. قال الحافظ: وبنحوه صرح أصحابنا -يعني الشافعية- فقالوا: يرده بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشد، ولو أدى إلى قتله. فلو قتل، فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها.
ونقل عياض وغيره أن عندهم -يعني المالكية- خلافًا في وجوب الدية في هذه الحالة. ونقل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته؛ لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور.
[ ٩ / ٤٢٦ ]
وذهب الجمهور إلى أنه إذا مر، ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده؛ لأن فيه إعادة للمرور. وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود، وغيره أن له ذلك. أفاده في الفتح.
وقال أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في رد المصلي من مر بين يديه من حيث جاء، فرخص قوم في رده إذا مر. روي هذا القول عن عبد الله بن مسعود، وكذلك فعله سالم. وروي هذا عن الحسن البصري.
وقال آخرون: لا يرده بعد أن جاز، كذلك قال الشعبي، والثوري، وإسحاق بن راهويه. وكذلك نقول؛ لأن رجوعه من حيث جاء يكون مرورًا ثانيًا بين يدي المصلي، وليس لذلك وجه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه ابن المنذر رحمه الله تعالى هو القول الراجح عندي. لما ذكره. والله أعلم.
تنبيه:
قدمنا أنه زاد في الكبرى "فإن معه القرين"، ولمسلم، وأبي داود: فإنما هو شيطان".
قال القاضي عياض ﵀: قيل: معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان. وقيل: معناه يفعل فعل الشيطان؛ لأن
[ ٩ / ٤٢٧ ]
الشيطان بعيد من الخير وقبول السنة. وقيل: المراد بالشيطان القرين. كما جاء في الحديث الآخر "فإن معه القرين". والله أعلم.
وقال في "الفتح": أي فعله فعل الشيطان؛ لأنه أبَى إلا التشويش على المصلي، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
وقال ابن بطال: في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشيطان على من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء؛ لاستحالة أن يصير المار شيطانًا بمجرد مروره. انتهى.
وهو مبني على أن لفظ "الشيطان" يطلق حقيقة على الجني، ومجازًا على الإنسي، وفيه بحث. ويحتمل أن يكون المعنى: فإنما الحامل له على ذلك الشيطان. وقد وقع في رواية الإسماعيلي: "فإنما معه الشيطان"، ونحوه لمسلم من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ: "فإن معه القرين".
قال الجامع: عندي أن الاحتمال الأخير هو الأولى؛ لأن أولى ما تفسر به الرواية رواية جاءت من طريق آخر. كما قال السيوطي ﵀ في "ألفية الحديث":
وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أِوْ … عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
أي خير ما فسر به الغريب التفسير الذي جاء من طريق آخر، أو جاء
[ ٩ / ٤٢٨ ]
عن الصحابي، أو جاء عن بعض الرواة. والله أعلم.
واستنبط ابن أبي جمرة من قوله: "فإنما هو شيطان" أن المراد بقوله: "فليقاتله" المدافعة اللطيفة، لا حقيقة القتال، قال: لأن مقاتلة الشيطان إنما هو بالاستعاذة والتستر عنه بالتسمية ونحوها. وإنما جاز الفعل اليسير في الصلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشد على صلاته من المار.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأولى هو حمل المقاتلة على حقيقته، كما تقدم تحقيقه. والله أعلم.
قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور، أو لدفع الإثم عن المارّ؟ فالظاهر الثاني. انتهى.
وقال غيره: بل الأول أظهر؛ لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ "أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته".
وروى أبو نعيم عن عمر: "لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس" (^١). فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص
_________________
(١) فتح جـ ١ ص ٦٩٥ - ٦٩٦.
[ ٩ / ٤٢٩ ]
بالمار، وهما وإن كانا موقوفين لفظًا، فحكمهما حكم الرفع؛ لأن مثلهما لا يقال بالرأي. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٨/ ٧٥٧)، و"الكبرى" (٧/ ٨٣٣) عن قتيبة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
اعلم أن حديث أبي سعيد له طريقان أحدهما: طريق عبد الرحمن ابن أبي سعيد، عن أبيه، فأخرجه منها المصنف هنا كما ذكر آنفًا، ومسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، به. وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، به. وعن محمد بن العلاء، عن أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، به نحوه. وابن ماجه فيه عن أبي كريب محمد بن العلاء، به.
الثانية: طريق أبي صالح السمان، فأخرجه منها البخاري،
[ ٩ / ٤٣٠ ]
ومسلم، وأبو داود، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن يونس بن عبيد -وعن آدم بن أبي إياس، عن سليمان ابن المغيرة- كلاهما عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي صالح، عنه. وأعاده عن أبي معمر في "صفة إبليس" من "بدء الخلق". ومسلم في "الصلاة" عن شيبان بن فَرُّوخ، وأبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل كلاهما عن سليمان بن المغيرة به (^١). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته، حيث إن المار شرع دفعه، ولو أدى إلى قتله، وحيث سمي شيطانًا.
ومنها: مشروعية دفع المار بين المصلي وسترته، وهذا إذا اتخذ سترة، أما إذا لم يتخذها، أو ابتعد عنها، فليس له الدفع على الراجح.
ومنها: أن دفع المار يكون بالأسهل فالأسهل، فإن لم يرتدع، فبالأشد، ولو بقتله.
ومنها: أن المار بين يدي المصلي شيطان، في كونه يشغل قلب المصلي عن المناجاة لربه، وأنه يجوز أن يقال لمن يفسد في الدين
_________________
(١) تحفة الأشراف جـ ٣ ص ٣٤٢، ٣٨٥.
[ ٩ / ٤٣١ ]
شيطان. والله الهادي إلى سواء السبيل.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ٩ / ٤٣٢ ]