أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان المسجد الذي بنيت قواعده على تقوى الله تعالى.
٦٩٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَمَارَى رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "هُوَ مَسْجِدِي هَذَا".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) المتقدم في الذي قبله.
٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الإمام الفقيه الحجة الثبت المصري، من [٧] تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (عمران بن أبي أنس) القرشي العامري المدني، نزيل الإسكندرية، ثقة من [٥].
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن
[ ٨ / ٥٥٠ ]
يونس: قدم الإسكندرية سنة ١٠٠، وكان سماع الليث منه بالمدينة، وتوفي بالمدينة سنة ١١٧، وكذا أرخه ابن حبان في الثقات، وزعم أن اسم أبيه عبد العزيز بن شُرَحْبيل بن حسنة. وقال العجلي: مدني ثقة.
وقال ابن سعد: كانوا يزعمون أنهم من بني عامر بن لؤي، والناس يقولون: إنهم موالي، ثم انتموا بعد ذلك إلى اليمن، ومات عمران قديمًا، وله أحاديث.
وقال ابن إسحاق: حدثني عمران بن أبي أنس، وكان ثقة.
وحكي عن ابن أبي شيبة أن أبا أنس كان مولى لعبد الله بن سعد بن أبي السرح، واسمه نوفل.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأخرج له البخاري في "الأدب المفرد".
٤ - (ابن أبي سعيد الخدري) عبد الرحمن بن سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي، ثقة، توفي سنة ١١٢ عن ٧٧ سنة، من [٣] أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. تقدم في ١/ ٣٢٦.
٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك الصحابي ﵁، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف -﵀-.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، أخرجوا لهم، إلا عمران، فأخرج
[ ٨ / ٥٥١ ]
له البخاري في الأدب المفرد، ولم يخرج له ابن ماجه، وابن أبي سعيد، فعلق عنه البخاري.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، فعمران بن أبي أنس روى عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو صحابي.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه أبا سعيد الخدري أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد) الخدري - ﵁ -، أنه (قال: تمارى رجلان) أي تخاصما، وتجادلا، وفي رواية أحمد والترمذي "امترى رجل من بني خُدْرَة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله - ﷺ -، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله - ﷺ - في ذلك؟، فقال: "هو هذا" يعني مسجده، وفي ذلك خير كثير".
(في المسجد الذي أسس على التقوى) أي في المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٨].
فقوله: "أسس على التقوى: أي بنيت جُدُرُه، ورُفِعت قواعده.
[ ٨ / ٥٥٢ ]
والأُس: أصل البناء، وكذلك الأسَاسُ، والأسسُ مقصور منه.
وجمع الأُس: إِسَاس، مثل عُسِّ، وعِسَاسَ، وجمع الأسَاس: أسُس، مثل قَذَال، وقُذُل، وجمع الأسَسِ: آسَاس، مثل سَبَب، وأسباب. انتهى. تفسير القرطبي جـ ١ ص ٢٥٩.
وتأسيس البناء: تثبيته، ورفعه. ومعنى تأسيسه على التقوى: تأسيسه على الخصال التي تتقى بها العقوبة. انتهى. فتح القدير جـ ٢ ص ٤٠٣.
(من أول يوم) متعلق بأسس، أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه. فمن لابتداء الغاية في الزمان، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
تُخُيِّرْنَ مِنْ أزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ … إِلَى اليَوْمِ قَدْ جُرِّبْنَ كُلَّ التَّجَارِب
وقيل: من بمعنى "في".
(فقال رجل) تقدم في رواية أحمد، والترمذي: أنه من بني عمرو ابن عوف (هو) أي المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم (مسجد قباء) موقع بقرب مدينة النبي - ﷺ - من جهة الجنوب، نحو ميلين، وهو -بضم القاف، يقصر، ويمد، ويصرف، ولا يصرف. قاله الفيومي.
(وقال الآخر) هو الرجل الخدري (هو مسجد رسول الله - ﷺ -،
[ ٨ / ٥٥٣ ]
فقال رسول الله - ﷺ -) وعند أحمد والترمذي: "فأتيا رسول الله - ﷺ - في ذلك، فقال": (هو مسجدي هذا) أي المسجد الذي ذكره الله تعالى بقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، هو مسجدي هذا. وزاد أحمد والترمذي: "وفي ذلك خير كثير".
قال النووي -﵀-: هذا نص بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن، ورَدٌّ لما يقوله بعض المفسرين: إنه مسجد قباء. وقال العراقي -﵀- في شرح الترمذي: قد وردت أحاديث تدل على أنه مسجد قباء، وهذا الحديث أرجح وأصح وأصرح. وقال ابن عطية -﵀- في تفسيره: الذي يليق بالقصة أنه مسجد قباء، قال: إلا أنه لا نظر مع الحديث. انتهى. "زهر".
قال الجامع: سأحقق اختلاف أهل العلم في هذا الموضوع في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان المواضع التي ذكره المصنف فيها:
أخرجه هنا (٨/ ٦٩٧)، والكبرى (٨/ ٧٧٦)، وفي التفسير فيه
[ ٨ / ٥٥٤ ]
(١١٢٢٨) عن قتيبة، عن الليث، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم والترمذي.
فأخرجه مسلم في "الحج" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثي، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، عن حميد الخراط، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه. وعن محمد ابن حاتم، عن يحيى القطان، عن حميد، عن أبي سلمة: أنه سأل عبد الرحمن بن أبي سعيد، كيف سمعت أباك في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فذكره، فقال: هكذا سمعت أباك.
وأخرجه الترمذي في "التفسير" بسند المصنفة وقال: حسن صحيح.
وأخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٢٣، ٩١، ٢٤، ٨، ٨٩). والله أعلم.
المسألة الرابعة: اختلف أهل العلم في المعنى المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨].
فقالت طائفة: إنه مسجد رسول الله - ﷺ -، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير الطبري.
[ ٨ / ٥٥٥ ]
وقالت طائفة: إنه مسجد قباء، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن عروة بن الزبير، وبه قال عطية العوفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والشعبي، والحسن البصري، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير، وقتادة. انظر تفسير ابن كثير جـ ٢ عى ٤٠٤ - ٤٠٥.
وقال في الفتح: وقد اختلف في المراد بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء، وهو ظاهر الآية، ثم ذكر حديث أبي سعيد المذكور، وغيره، ثم قال: قال القرطبي: هذا السؤال صدر ممن ظهرت له المساواة بين المسجدين في اشتراكهما في أن كلًا منهما بناه النبي - ﷺ -، فلذلك سئل النبي - ﷺ - عنه، فأجاب بأن المراد مسجده، وكأن المزية التي اقتضت تعيينه دون مسجد قباء، لكون مسجد قباء لم يكن بناؤه بأمر جزم من الله لنبيه - ﷺ -، أو كان رأيًا رآه بخلاف مسجده، أو كان حصل له أو لأصحابه فيه من الأحوال القلبية ما لم يحصل لغيره. انتهى.
ويحتمل أن تكون المزية لما اتفق من طول إقامته - ﷺ - بمسجد المدينة، بخلاف مسجد قباء، فما أقام به إلا أيامًا قلائل، وكفى بهذا مزية، من غير حاجة إلى ما تكلفه القرطبي.
والحق أن كلًا منهما أسس على التقوى، وقوله تعالى في بقية الآية:
[ ٨ / ٥٥٦ ]
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، يؤيد كون المراد مسجد قباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "نزلت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ في أهل قباء".
وعلى هذا فالسر في جوابه - ﷺ - بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء. والله أعلم.
قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافًا؛ لأن كلا منهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلي، وزاد غيره أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يقتضي أنه مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حل النبي - ﷺ - بدار الهجرة. والله أعلم. انتهى. "فتح" جـ ٧ ص ٢٨٨ - ٢٨٩.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في تفسيره: وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري، قال: اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، وفي لفظ: تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله - ﷺ -، وقال: العَمْرِي: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله - ﷺ -، فسألاه عن ذلك؟ فقال: "هو هذا المسجد"، لِمَسْجِدِ رسول الله - ﷺ -، قال: "وفي ذلك خير كثير"، يعني مسجد قباء.
[ ٨ / ٥٥٧ ]
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والزبير بن بكار في أخبار المدينة، وأبو يعلى، وابن حبان، والطبراني، والحاكم في الكنى، وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، والضياء في المختارة، عن أبي بن كعب، قال: سألت النبي - ﷺ - عن المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: "هو مسجدي هذا".
وأخرج الطبراني، والضياء المقدسي في المختارة، عن زيد بن ثابت مرفوعًا، مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والطبراني من طريق عروة ابن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد رسول الله - ﷺ -. قال عروة: مسجد النبي - ﷺ - خير منه، إنما نزلت في مسجد قباء.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه عن ابن عمر، قال: المسجد الذي أسس على التقوى: مسجد النبي - ﷺ -. وأخرج المذكوران عن أبي سعيد الخدري مثله.
وقد روي عن جماعة غير هؤلاء مثل قولهم.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في
[ ٨ / ٥٥٨ ]
الدلائل عن ابن عباس أنه مسجد قباء، وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك مثله.
قال العلامة الشوكاني -﵀-: ما خلاصته: أنه لا يخفى أن النبي - ﷺ - قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وجزم بأنه مسجده - ﷺ -، كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة، ولا جماعة منهم، ولا غيرهم، ولا يصح إيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي - ﷺ -، ولا فائدة من إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء، فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أن ما ورد في فضائل مسجده - ﷺ - أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الشوكاني -﵀-، واختاره قبله ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي في تفسيرهم، من ترجيح قول من قال بظاهر حديث الباب، من أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي - ﷺ - لا مسجد قباء، تحقيق حقيق بالقبول، لموافقته الصريح الصحيح من النقول. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٥٥٩ ]