أي هذا باب ذكر الحديثين الدالّين على جواز صلاة الإمام خلف أحد رعيته.
وأراد بهذا أن النهي الذي تقدم في حديث أبي مسعود ﵁: "ولا تَؤُمَّ الرجلَ في سلطانه … " مقيد بعدم إذنه، فإذا أذن فلا مانع من أن يصلي إمامًا له، بدليل حديث الباب، وقد تقدم ترجيح كون الاستثناء في قوله: "إلا أن يأذن لك". راجعًا إلى الجملتين؛ جملة "ولا تؤم الرجل في سلطانه"، وجملة "ولا تَقْعُدْ على تكرمته". فراجع تحقيق ذلك في (٣/ ٧٨٠) تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
٧٨٥ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: آخِرُ صَلَاةٍ صَلاَّهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ الْقَوْمِ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُتَوَشِّحًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ.
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (علي بن حُجْر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار [٩]، مات سنة ٢٤٤ وقد قارب ١٠٠ سنة أو جاوزها، أخرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، تقدم في
[ ١٠ / ٥ ]
١٣/ ١٣.
٢ - (إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقِيّ، أبو إسحاق القارىء المدني، ثقة ثبت، مات سنة ١٨٠، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦/ ١٧.
٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس، مات سنة ١٤٢ ويقال: ١٤٣ وله ٧٥ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك الأنصاري الصحابي المشهور ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو [٤٨] من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها. أنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فلم يخرج له أبو داود، وابن ماجه.
ومنها: أنهم ما بين مروزي؛ وهو شيخه؛ ومدني، وهو إسماعيل، وبصريين؛ وهما حميد وأنس.
[ ١٠ / ٦ ]
ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة ٩٢ أو ٩٣ رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁، أنه (قال: آخر صلاة) مبتدأ، خبره جملة "صلى في ثوب واحد"، ويحتمل أن يكون "آخر" منصوبًا على الظرفية متعلقًا بـ "صلى" (صلاها رسول الله -ﷺ-) جملة في محل جر صفة لـ "صلاة" (مع القوم) منصوب على الظرفية متعلق بحال مقدر، أي حال كونه كائنًا مع القوم، أي مع الصحابة الذين يصلون جماعة في المسجد.
والصلاة المذكورة هي الظهر، كما صرح به في حديث عائشة ﵂، وسيأتي برقم (٤٠/ ٨٣٤).
قال الجامع عفا الله عنه: فإن قيل: هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث أم الفضل بنت الحارث ﵂، قالت سمعت رسول الله -ﷺ- يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ثم ما صلى لنا بعدُ حتى قبضه الله". وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية له: عن ابن عباس ﵄ قال: إن أم الفضل
[ ١٠ / ٧ ]
سمعته، وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فقالت: يا بُنَيّ والله لقد ذكّرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله -ﷺ-، يقرأ بها في المغرب". وسيأتي للمصنف ﵀ (٦٣/ ٩٨٥) بلفظ: "صلى بنا رسول الله -ﷺ- في بيته المغرب، فقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ ما صلى بعدها صلاة، حتى قُبِضَ -ﷺ-".
أجيب: بأنه لا تعارض بينهما لأنه يحمل حديث أنس ﵁ على أن تلك الصلاة آخر بالنسبة للمسجد، ويحمل حديث أم الفضل ﵂ على أنها آخر بالنسبة للبيت. كما صرح به في رواية المصنف المذكورة.
قال الحافظ ﵀: لكن يعكر عليه رواية ابن إسحاق، عن ابن شهاب في حديث أم الفضل ﵂ بلفظ: "خرج إلينا رسول الله -ﷺ-، وهو عاصب رأسه، في مرضه، فصلى المغرب … " الحديث. أخرجه الترمذي. قال: ويمكن حمل قولها: "خرج إلينا" أي من مكانه الذي كان راقدًا فيه إلى مَن في البيت، فصلى بهم، فتلتئم الروايات. اهـ (^١).
(صلى في ثوب واحد) فيه جواز الصلاة في ثوب واحد، وقد تقدم البحث عنه مُستَوفىً في شرح حديث رقم (١٤/ ٧٦٣) فراجعه تستفد.
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٢٩٣.
[ ١٠ / ٨ ]
(متوشحًا) حال من فاعل "صلى" أي حال كونه مخالفًا بين طرفيه.
قال ابن سيدَهْ: والتوشح: أن يتّشِحَ بالثوب، ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره. وقال أبو منصور: التوشح بالرداء مثل التأبط، والاضطباع، وهو أن يُدخل الثوب من تحت يده اليمنى، فيلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعله المحرم (^١).
(خلف أبي بكر) ظرف متعلق بـ "صلى" وهذا صريح في كون أبي بكر ﵁ هو الإمام في تلك الصلاة. وهو الذي ترجم عليه المصنف رحمه الله تعالى.
وقد اختلفت الروايات هل كان النبي -ﷺ- هو الإمامَ، أم أبو بكر ﵁ هو الإمام؟ فجماعة قالوا: الذي رواه البخاري، ومسلم من حديث عائشة ﵂ صريح في أن النبي -ﷺ- كان هو الإمامَ، إذ جلس عن يسار أبي بكر ﵁، ولقوله: "فكان رسول الله -ﷺ- يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي به". فكان أبو بكر مبلغًا؛ لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان.
وجماعة قالوا: كان أبو بكر ﵁ هو الإمامَ، لما رواه
_________________
(١) لسان جـ ٦ ص ٤٨٤١.
[ ١٠ / ٩ ]
شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂: "أن النبي -ﷺ- صلى خلف أبي بكر". وفي رواية مسروق عنها: "أنه -ﷺ- صلى خلف أبي بكر جالسًا في مرضه الذي توفي فيه". وروي حديث عائشة ﵂ بطرق كثيرة في الصحيحين، وغيرهما، وفيه اضطراب غير قادح.
قال البيهقي ﵀: لا تعارض في أحاديثها، فإن الصلاة التي كان فيها النبي -ﷺ- إمامًا هي صلاة الظهر يوم السبت، أو يوم الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها النبي -ﷺ- حين خرج من الدنيا.
وقال نعيم بن أبي هند: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، وليس فيها تعارض، فإن النبي -ﷺ- صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إمامًا، وفي الأخرى كان مأمومًا.
وقال الضياء المقدسي، وابن ناصر: صح، وثبت أنه -ﷺ- صلى خلفه مقتديًا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل، لا علم له بالرواية، وقيل: إن ذلك كان مرتين جمعًا بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي -ﷺ- هو الإمام (^١).
_________________
(١) انظر عمدة القاري جـ ٥ ص ١٩١.
[ ١٠ / ١٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه: حمل الاختلاف على تعدد الواقعة هو الأولى في الجمع بين أحاديث الباب. وسيأتي مزيد بسط للمسألة في (٤٠/ ٨٣٣، ٨٣٤) إن شاء الله تعالى.
تنبيه:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (٨/ ٧٨٥)، وفي الكبرى (٨/ ٨٦٠) بالسند المذكور.
وما ترجم له المصنف واضح من قوله: "خلف أبي بكر". والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ، يَذْكُرُ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى لِلنَّاسِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الصَّفِّ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة حافظ،
[ ١٠ / ١١ ]
مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (بكر بن عيسى) الراسبي -بمهملة، ثم موحدة- أبو بشر البصري، ثقة، من [٩]. روى عن شعبة، وأبي عوانة، وجامع بن مطر. وعنه أحمد -وأحسن الثناء عليه- وبندار، وأبو موسى، وغيرهم. قال النسائي. ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن عدي. مات سنة ٢٠٤، أخرج له المصنف فقط.
(وقوله: صاحب البصري) هكذا وقع عند المصنف، و"تت"، و"تك": "صاحب البصري" ووقع في "ت" و"صة": البصري؛ بدون لفظ "صاحب" وهو واضح (^١).
ثم الظاهر أنه نسبة إلى البصرة البلدة المعروفة بالعراق، وقد صرح به ابن حبان ﵀ في كتابه "الثقات" جـ ٨ ص ١٤٩؛ فقال: إنه من أهل البصرة.
فما وقع في نسخ المجتبى من ضبطه بالقلم "صاحب البُصْرَى" -بضم الباء، آخرها ألف التأنيث المقصورة، غير صحيح؛ لأن بصرى -بالضم، مقصورًا- بلد بالشام، وليس هو منها، بل هو من أهل البصرة التي بالعراق، كما صرح به ابن حبان. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أما مع لفظ "صاحب" ففيه ركاكة، ولعل الياء تصحفت من تاء البصرة، وحقه "صاحب البصرة". فالله أعلم.
[ ١٠ / ١٢ ]
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (نعيم بن أبي هند) اسم أبيه النعمان بن أشيم الأشجعي الكوفي، ثقة رمي بالنصب، مات سنة ١١٠، من [٤].
روى عن أبيه، وله صحبة، ونُبَيط بن شَرِيط، ورِبْعِي بن حِرَاش، وسُوَيد بن غَفَلَةَ، وأبي وائل، وأبي حازم الأشجعي، وابن سمرة بن جندب، وعنه ابن عمه أبو مالك، سَعْد بن طارق الأشجعي، وسلمة ابن نبيط، وسليمان التيمي، ومُغيرة بن مِقْسَم، وشعبة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. قال أبو حاتم الرزاي: قيل لسفيان الثوري. مالك؟ لَمْ تسمع من نعيم بن أبي هند؟ قال: كان يتناول عليًا ﵁. وقال ابن سعد: توفي في ولاية خالد القسري، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي ثقة. قال عمرو بن علي: مات سنة ١١٠، علق له البخاري، وأخرج له مسلم، وأبو داود في مراسيله، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
٥ - (أبو وائل) شقيق بن سَلَمَة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة، تقدم في ٢/ ٢.
[ ١٠ / ١٣ ]
٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، مات سنة ٦٢، أو ٦٣، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٠/ ١١٢.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، أخرج لها الجماعة، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا بكر ابن عيسى، فمن أفراده، وإلا نعيم بن أبي هند، فعلق عنه البخاري، وأخرج له أبو داود في مراسيله، وأن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيون، إلا عائشة، فمدنية.
ومنها: أن شيخه هو أحد التسعة الذين أخذ عنهم أصحاب الأصول بغير واسطة، وتقدموا غير مرة.
ومنها: أن بكرًا، ونعيمًا، هذا الباب أول محل ذكرهما من الكتاب.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ نعيم، عن أبي وائل، عن مسروق.
ومنها: أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت
[ ١٠ / ١٤ ]
٢١١٠ أحاديث.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والسماع، والعنعنة من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂: أن أبا بكر) الصديق ﵁ (صلى للناس) أي إمامًا لهم، أو اللام بمعنى الباء، كما تقدم (ورسول الله -ﷺ- في الصف) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أنه -ﷺ- كائن في الصف، يصلي مقتديًا به.
ولابن خزيمة في صحيحه: "ورسول الله -ﷺ- في الصف خلفه".
وظاهر رواية عائشة ﵂ هذه تدل على كون أبي بكر هو الإمام في تلك الصلاة، والنبي -ﷺ- هو المأموم، وهي موافقة لرواية أنس ﵁ المذكورة في الحديث الماضي.
وسيأتي بيان اختلاف الروايات عن عائشة ﵂، ووجه التوفيق بينها في "باب الائتمام بالإمام يصلي قاعدًا" (٤٠/ ٨٣٢) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
[ ١٠ / ١٥ ]
حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا (٨/ ٧٨٦)، وفي "الكبرى" (٨/ ٨٦١) عن محمد بن المثنى، عن بكر بن عيسى، عن شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عنها.
وأخرجه الترمذي في "الصلاة" عن محمود ين غيلان، عن شبابة بن سوّار، عن شعبة له. وابن خزيمة برقم (١٦٢٠).
وما ترجم له المصنف ﵀ واضح من قوله: "ورسول الله -ﷺ- في الصف" إذ معناه أنه مقتد به، وقد صرح في رواية ابن خزيمة بأنه خَلْفَهُ، كما تقدم، ولا يكون خلفه إلا إذا كان مقتديًا به. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
[ ١٠ / ١٦ ]