أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على النهي من إمامة الزائر للمزور. وهو مقيد بعدم الإذن، لما تقدم في حديث أبي مسعود ﵁: "إلا أن يأذن لك".
وقد ترجم البخاري ﵀ "بابٌ إذا زار قومًا، فأمَّهُمْ". ثم أورد حديث عتبان بن مالك الآتي في الباب التالي.
قال الحافظ ﵀:
قوله: "باب إذا زار قومًا، فأمهم"، قيل: أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه أبو داود، والترمذي، وحسنه مرفوعًا: "من زار قومًا، فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم". محمول على من عدا الإمام الأعظم.
وقال الزين بن المنير: مراده أن الإمام الأعظم، ومن يجري مجراه إذا حضر بمكان مملوك لا يتقدم عليه مالك الدار، أو المنفعة، ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له، ليجمع بين الحقين، حق الإمام في التقدم، وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه. انتهى ملخصًا.
وقيل إنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعود المتقدم: "ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجْلَسُ على تكرمته إلا بإذنه"، فإن مالك الشيء سلطان عليه، والإمام الأعظم سلطان على المالك. وقوله: "إلا بإذنه"، يحتمل عوده على الأمرين، الإمامة، والجلوس. وبذلك جزم أحمد،
[ ١٠ / ١٧ ]
كما حكاه الترمذي عنه، فتحصل بالإذن مراعاة الجانبين. انتهى كلام الحافظ (^١). والله تعالى أعلم.
٧٨٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَطِيَّةَ مَوْلًى لَنَا، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إِذَا زَارَ أَحَدُكُمْ قَوْمًا فَلَا يُصَلِّيَنَّ بِهِمْ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الترمذي والنسائي، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الحنظلي المروزي الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٨١، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (أبان بن يزيد) العطار، أبو يزيد البصري، ثقة له أفراد، مات في حدود سنة ١٦٠، من [٧].
روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وعمرو بن دينار، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، والقطان، ومسلم بن إبراهيم،
_________________
(١) فتح جـ ٢ ص ٣٩٨.
[ ١٠ / ١٨ ]
وغيرهم. قال أحمد. ثَبْت في كل المشايخ. وقال ابن معين: ثقة، كان القطان يروي عنه، وكان أحب إليه من همام، وهمام أحب إليّ. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من همام، في يحيى بن أبي كثير. وقال أيضًا: هو أحب إليّ من شيبان.
وقال ابن المديني: كان عندنا ثقة. وقال العجلي: بصري ثقة، وكان يرى القدر، ولا يتكلم فيه. وقال أحمد: هو أثبت من عمران القطان. وذكره ابن عدي في الكامل، وأورد له حديثًا فردًا، ثم قال: له روايات، وهو حسن الحديث، متماسك، يكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قتادة وغيره، وعامتها مستقيمة، وأرجو أنه من أهل الصدق. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه.
٤ - (بُديل بن ميسرة) العُقَيلي (^١) البصري، ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، من [٥].
روى عن أنس، وأبي الجوزاء، وعبد الله بن شقيق، وغيرهم. وعنه قتادة -ومات قبله- وشعبة، وحماد بن زيد، وغيرهم. وثقه ابن سعد، وابن معين، والنسائي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال العجلي: بصري ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات في الطبقة الثالثة. قال البخاري عن علي بن المديني، مات سنة ١٣٠، أخرج له مسلم، والأربعة.
_________________
(١) "بُديل" بالضم مصغرًا، و"العُقيلي" بالضم مصغرًا أيضًا.
[ ١٠ / ١٩ ]
٥ - (أبو عطية) مولى بني عقيل، مقبول من [٣].
روى عن مالك بن الحويرث حديث الباب فقط. وعنه بديل بن ميسرة. قال أبو حاتم: لا يعرف، ولا يسمى. وقال ابن المديني: لا يعرفونه. وقال أبو الحسن القطان: مجهول. وصحح ابن خزيمة حديثه (^١). أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف حديث الباب فقط.
٦ - (مالك بن الحُوَيرث) أبو سليمان الليثي صحابي مشهور نزل البصرة، مات سنة ٤٧ ﵁، تقدم في ٧/ ٦٣٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله ثقات، غير أبي عطية، فمجهول، وأنه مسلسل بالبصريين، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ بديل، عن أبي عطية.
وقوله: "مولى لنا"، وعند أبي داود: "مولى منا". أي لبني عُقَيل؛ لأن بديلًا عُقَيلي، كما مر في ترجمته آنفًا. والله تعالى أعلم،
شرح الحديث
(عن مالك بن الحُويرث) الليثي ﵁، أنه (قال:
_________________
(١) "ت" ٤١٧، "تت" جـ ١٢ ص ١٧٠.
[ ١٠ / ٢٠ ]
سمعت رسول الله -ﷺ- يقول) ولأبي داود ﵀: عن بديل بن ميسرة، قال: حدثني أبو عطية مولى منا، قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مصلانا هذا، فأقيمت الصلاة، فقلنا له: تقدم، فَصَلِّهْ (^١)، فقال لنا: قدموا رجلًا منكم يصلي لكم، وسأحدثكم لِمَ لا أصلي بكم؟ سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من زار قومًا، فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم".
(إِذا زار أحدكم قومًا) يقال: زاره، زِيَارة، وزَوْرًا: قصده، فهو زائر، وزَوْر -بفتح، فسكون- وقوم زَوْرٌ -بفتح، فسكون أيضًا- وزُوَّار، مثلُ سافر، وسَفْرٍ، وسُفَّار، ونسوة زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّرٌ، وزائرات، والمَزَار يكون مصدرًا، وموضع الزيارة. والزِّيارةُ في العرف: قصدُ المزور إكرامًا له، واستئناسًا به. قاله في المصباح (^٢).
(فلا يصلين بهم) بنون التوكيد المشددة، والجملة جواب "إذا".
فيه أن الإمامة حق للمزورين، وأن الزائر منهي عن الصلاة بهم، ولو أذنوا له، وبه قال إسحاق بن راهويه رحمه الله تعالى، وجوزه الجمهور، وهو الحق، كما سيأتي تحقيق ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) الهاء للسكت.
(٢) جـ ١ ص ٢٦٠.
[ ١٠ / ٢١ ]
قال الحافظ العراقي ﵀: ويشترط أن يكون المزور أهلًا للإمامة، فإن لم يكن أهلًا كالمرأة في صورة كون الزائر رجلًا، والأمي في صورة كون الزائر قارئًا، ونحوهما، فلا حق له في الإمامة. اهـ (^١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث مالك بن الحويرث ﵁ هذا حسن.
فإن قيل: في سنده أبو عطية مولى بني عقيل، وهو مجهول، كما تقدم عن أبي حاتم وغيره، فكيف يكون حسنًا؟
أجيب: بأنه يشهد له حديث أبي مسعود ﵁ المتقدم: "ولا تؤم الرجل في سلطانه"؛ لأن المزور سلطان فيما في يده، فيكون داخلًا في معنى الحديث. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا (٩/ ٧٨٧)، وفي "الكبرى" (٩/ ٨٦٢) بالسند المذكور.
وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسلم بن إبراهيم، عن أبان
_________________
(١) انظر نيل الأوطار جـ ٤ ص ٥٧.
[ ١٠ / ٢٢ ]
ابن يزيد، به. وتقدم لفظه. والترمذي فيه عن هناد، ومحمود بن غيلان، كلاهما عن وكيع، عن أبان به. نحو لفظ أبي داود. وأحمد (٣/ ٤٣٦)، (٥/ ٥٣) وابن خزيمة رقم (١٥٢٠). والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: اختلف أهل العلم في إمامة الزائر؛ فذهب إلى منعه مطلقًا إسحاق بن راهويه، وذهب الجمهور إلى جوازها إذا أذن المزور.
قال الإمام الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر.
قال بعض أهل العلم: إذا أذن له، فلا بأس أن يصلي به. وقال إسحاق بحديث مالك بن الحويرث، وشدد في أن لا يصلي أحد بصاحب المنزل، وإن أذن له صاحب المنزل. قال: وكذلك في المسجد لا يصلي بهم في المسجد إذا زارهم، يقول: يصلي بهم رجل منهم. اهـ كلام الترمذي ﵀ (^١).
وقال المجد ابن تيمية في المنتقى: وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح قول أكثر أهل العلم، وهو أنه
_________________
(١) جامع الترمذي جـ ٢ ص ٣٢٩ - ٣٤٠ بنسخة التحفة.
[ ١٠ / ٢٣ ]
يجوز للزائر أن يؤم بإذن المزور؛ لقوله في حديث أبي مسعود المتقدم: "إلا بإذنه". فقد تقدم أن الصحيح رجوع الاستثناء إلى الجميع، فيكون قيدًا لقوله: "ولا تؤُمُّ الرجلَ في سلطانه" وقوله: "ولا تقعد على تكرمته"؛ على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول، وقال به الشافعي وأحمد؛ قالا: ما لم يقم دليل على اختصاص القيد ببعض الجمل، ويعضد التقييد بالإذن عموم ما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ولا يحل لرجل يؤمن بالله، واليوم الآخر أن يؤم قومًا إلا بإذنهم" الحديث؛ فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضا المزور. أفاده الشوكاني رحمه الله تعالى (^١).
والحاصل أن حديث "إذا زار أحدكم قومًا، فلا يصلين بهم" مقيد بما إذا لم يأذنوا للزائر أن يؤمهم، فأما إذا أذنوا فلا مانع من ذلك؛ لما ذكر. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) راجع "نيل الأوطار" جـ ٣ ص ١٨٩.
[ ١٠ / ٢٤ ]