أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على التسهيل في المرور بين يدي المصلي، لكن الحديث ضعيف، فلا يصلح دليلًا للرخصة المذكورة، كما يأتي تحقيق الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
٧٥٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِحِذَائِهِ فِي حَاشِيَةِ الْمَقَامِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطُّوَّافِ أَحَدٌ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، ثقة حجة فقيه، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون، من [٨]، تقدم في ٨/ ٨.
٣ - (عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج) المكي، ثقة فقيه
[ ٩ / ٤٣٣ ]
فاضل يدلس ويرسل، من [٦]، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (كثير بن كثير) بن المطلب بن أبي وداعة القرشي السهمي المكي، ثقة من [٦].
روى عن أبيه، وسعيد بن جبير، وعلي بن عبد الله البارقي، وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، ومعمر، وهشام بن حسان، وإبراهيم ابن نافع، وسالم الخياط، وابن عيينة، وآخرون. قال ابن سعد: كان شاعرًا قليل الحديث. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (^١).
٥ - (كثير بن المطلب) بن أبي وداعة السهمي المكي، مقبول من [٣] روى عن أبيه. وعنه بنوه: كثير، وجعفر، وسعيد. ذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه حديث الباب فقط (^٢).
٦ - (المطلب بن أبي وداعة) الحارث بن أبي صبيرة (^٣) بن سُعَيد ابن سعد بن سهم السهمي القرشي، أمه أروَى بنت الحارث بن عبد المطلب. روى عن النبي -ﷺ-، وعن حفصة، وعنه أولاده: جعفر،
_________________
(١) تقريب ص ٢٨٥، وتت جـ ٨ ص ٤٢٦.
(٢) ت ص ٢٨٥، تت جـ ٨ ص ٤٢٩.
(٣) (صُبَيرة) بمهملة، ثم موحدة، و(ابن سعيد) بالتصغير. ت ص ٣٣٩.
[ ٩ / ٤٣٤ ]
وعبد الرحمن، وكثير، وحفيده أبو سفيان بن عبد الرحمن بن المطلب، والسائب بن يزيد، وعكرمة بن خالد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل على خلاف فيه.
روى له مسلم حديثه عن حفصة في صلاة السبحة قاعدًا، وأخرج له الأربعة.
وقال الواقدي: نزل المدينة، وله بها دار، وبقي دهرًا، ومات بها. وذكره ابن سعد في مسلمة الفتح (^١). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن كثير بن كثير، عن أبيه) كثير بن المطلب (عن جده) المطلب بن أبي وداعة ﵁، أنه (قال: رأيت رسول الله -ﷺ- طاف بالبيت سبعًا، ثم صلى ركعتين) وهما ركعتا الطواف ففي رواية ابن خزيمة، وابن حبان قال: رأيت النبي -ﷺ- حين فرغ من طوافه أتى حاشية المطاف، فصلى ركعتين، وليس بينه وبين الطوّافين أحد".
(بحذائه) أي بمُوازاة البيت، ولأبي داود: "يصلي مما يلي باب بني سهم" قال بعضهم: باب بني سهم في الشمال الغربي من المسجد الحرام، وهو المعروف بباب العمرة؛ لأن الناس يخرجون منه إلى التنعيم للإحرام بالعمرة. وبنو سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن
_________________
(١) تت جـ ١٠ ص ١٧٩ - ١٨٠، تهذيب الكمال جـ ٢٨ ص ٨٦ - ٨٧.
[ ٩ / ٤٣٥ ]
لؤيّ بن غالب، قبيلة من قريش.
(في حاشية المقام) أي بجانب المقام، والحاشية: الجانب. قال الفيومي رحمه الله تعالى: وحاشية الثوب: جانبه، والجمع الحواشي، وحاشية النسب: كأنه مأخوذ منه، وهو الذي يكون على جانبه، كالعم، وابنه، وحاشية المال: جانب منه غير معين. اهـ (^١).
يعني أنه صلى في جانب مقام إبراهيم ﵊، وفي الرواية الآتية (٢٩٥٩) "جاء حاشية المطاف، فصلى ركعتين"، ولا تنافي بين الروايتين؛ لأن المقام قريب من المطاف.
(وليس بينه وبين الطُّوَّاف أحد) الطُّواف جمع طائف، قال ابن مالك في "خلاصته":
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِ لَهْ
وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرًا
وفي الرواية الآتية: "وبين الطوافين" بصيغة جمع المذكر السالم، والجملة في محل نصب على الحال، من فاعل "صلى": يعني أنه صلى جنب المقام بلا سترة تستره عن المارين. وفي رواية أبي داود: "والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة".
واستدل به المصنف على الرخصة في جواز المرور بين يدي المصلي
_________________
(١) المصباح جـ ١ ص ١٣٨.
[ ٩ / ٤٣٦ ]
إذا لم يتخذ سترة. واستدل به غيره على أنه يباح ترك اتخاذ السترة في المسجد الحرام. وكل ذلك غير مسلم لعدم صحة الدليل، كما سيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
وقال السندي عند قوله: "وليس بينه وبين الطُّوّاف أحد" ما نصه: قلت: لكن المقام يكفي سترة، وعلى هذا فلا يصح هذا الحديث دليلًا لمن يقول: لا حاجة في مكة إلى سترة. فليتأمل (^١).
قال الجامع: في قوله: لكن المقام يكفي سترة. نظر؛ إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه جعل المقام سترة. بل إنما صلى إلى جنبه. كما قدمنا قريبًا فتبصر. والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث المطلب بن أبي وداعة ﵁ هذا ضعيف؛ لكونه معلولًا؛ لأن كثير بن كثير لم يسمعه من أبيه، كما بينه ابن عيينة رحمه الله تعالى.
قال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان ابن عيينة، حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض أهله، عن جده، أنه رأى النبي -ﷺ- يصلي مما يلي باب بني سهم،
_________________
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٦٧.
[ ٩ / ٤٣٧ ]
والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة. قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة. قال سفيان: كان ابن جريج أخبرنا عنه قال: أخبرنا كثير، عن أبيه، فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي (^١).
ولفظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسن بن عبدوس، قال: سمعت عثمان بن سعيد، يقول: سمعت عليًا -يعني ابن المديني- يقول في هذا الحديث: قال سفيان: سمعت ابن جريج يقول: أخبرني كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي -ﷺ- يصلي، والناس يمرون … قال سفيان: فذهبت إلى كثير، فسألته، قلت: حديث تحدثه عن أبيك؟ قال: لم أسمعه من أبي، حدثني بعض أهلي عن جدي المطلب. قال علي قوله: "لم أسمعه من أبي" شديد على ابن جريج. قال أبو سعيد عثمان: يعني ابن جريج لم يضبطه (^٢).
قال الجامع: فتبين بهذا أن قوله: "عن أبيه، عن جده" خطأ أخطأ فيه ابن جريج، والصواب عن بعض أهله، عن جده، فيكون الحديث ضعيفًا؛ لأن في سنده مجهولًا فتبصر. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٩/ ٧٥٨)، وفي "الكبرى" (٨/ ٨٣٤) عن إسحاق بن
_________________
(١) سنن أبي داود جـ ٢ ص ٢١١.
(٢) السنن الكبرى جـ ٢ ص ٢٧٣.
[ ٩ / ٤٣٨ ]
إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده. وفي (١٦٢/ ٢٩٥٩)، وفي "الكبرى" (١٦٢/ ٣٩٥٣) من كتاب الحج عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الحج" عن أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة، عن كثير بن كثير، عن بعض أهله، عن جده.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن ابن جريج، بسند المصنف (^١)، وأخرجه أحمد في مسنده، وابنا خزيمة، وحبان في صحيحيهما. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم هذا الحديث:
قال الإمام عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله تعالى في مصنفه:
"باب لا يقطع الصلاة شيء بمكة" فأخرج عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: لا يقطع الصلاة بمكة شيء، لا يضرك أن تمر المرأة بين يديك.
وعن ابن جريج، قال: أخبرني أبي عن أبي عامر، قال: رأيت ابن الزبير يصلي في المسجد، فتريد المرأة أن تُجِيز أمامه، وهو يريد السجود
_________________
(١) أفاده في تحفة الأشراف جـ ٨ ص ٣٨٩ - ٣٩٠.
[ ٩ / ٤٣٩ ]
حتى إذا هي جازت سجد في موضع قدميها.
وعن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت محمد بن الحنفية يصلي في مسجد منى، والناس يمرون بين يديه، فجاء فتى من أهله، فجلس بين يديه، قال عبد الرزاق: ورأيت أنا ابن جريج يصلي في مسجد منى على يسار المنارة، وليس بين يديه سترة، فجاء غلام، فجلس بين يديه (^١).
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ولا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة. وروي ذلك عن ابن الزبير، وعطاء، ومجاهد. قال الأثرم: قيل لأحمد: الرجل يصلي بمكة، ولا يستتر بشيء؟ فقال: قد روي عن النبي -ﷺ- أنه صلى ثَمَّ ليس بينه وبين الطُّوَّاف سترة. قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها، كأن مكة مخصصة؛ وذلك كثير بن كثير بن المطلب، عن أبيه، عن جده، فذكر حديث الباب.
وقال ابن أبي عمار: رأيت ابن الزبير جاء يصلي، والطُّوَّاف بينه وبين القبلة، تمر المرأة بين يديه، فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع قدمها. رواه حنبل في كتاب "المناسك".
وقال المعتمر: قلت لطاوس: الرجل يصلي -يعني بمكة- فيمر بين يديه الرجل والمرأة؟ فقال: أو لا يرى الناس بعضهم بعضًا. وإذا هو يرى أن لهذا البلد حالًا ليس لغيره من البلدان، وذلك لأن الناس يكثرون
_________________
(١) المصنف جـ ٢ ص ٣٥ - ٣٦.
[ ٩ / ٤٤٠ ]
بمكة لأجل قضاء نسكهم، ويزدحمون فيها، ولذلك سميت بمكة؛ لأن الناس يتباكون فيها، أي يزدحمون، ويدفع بعضهم بعضًا، فلو مَنَعَ المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس.
وحكم الحرم كله حكم مكة في هذا؛ بدليل ما روى ابن عباس؛ قال: أقبلت راكبًا على حمار أتان، والنبي -ﷺ- يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار. متفق عليه. ولأن الحرم كله محل المشاعر، والمناسك، فجرى مجرى مكة في ما ذكرناه. اهـ كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى (^١).
وقال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في "صحيحه": "باب السترة بمكة وغيرها" حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن أبي جحيفة، قال: "خرج رسول الله -ﷺ- بالهاجرة، فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين، ونَصَبَ بين يديه عَنَزَةً، وتوضأ، فجعل الناس يتمسحون بوَضُوئه".
وأراد البخاري -كما قال الحافظ ﵀ أن ينكت على ترجمة عبد الرزاق المذكورة، وأن الحديث الذي استدل به ضعيف، للعلة المتقدمة، وأنه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة ﵁. وهذا هو المعروف عند الشافعية، وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها.
_________________
(١) المغني جـ ٣ ص ٨٩ - ٩٠.
[ ٩ / ٤٤١ ]
واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الراجح في هذه المسألة وجوب اتخاذ السترة ومنع المرور بين يدي المصلي مطلقًا في مكة وغيرها؛ لعموم الأدلة، والحديث الذي استدلوا به على الجواز ضعيف كما سمعت، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة الموجبة لذلك. فتبصر. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
_________________
(١) انظر: الفتح جـ ١ ص ٦٨٦ - ٦٨٧.
[ ٩ / ٤٤٢ ]