أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل مسجد قباء، وفضل الصلاة فيه.
وقباء -بضم القاف، وتخفيف الباء الموحدة-: فيه أربع لغات:
المد، والقصر، والصرف، وعدمه. كما تقدم قريبًا. ومثله في هذا الضبط حِرَاء.
وقال في الفتح: وقباء- بضم القاف، ثم موحدة ممدودة عند أكثر أهل اللغة، وأنكر السكري قصره، لكن حكاه صاحب العين. قال البكري: من العرب من يذكره، فيصرفه، ومنهم من يؤنثه، فلا يصرفه. وفي المطالع: هو على ثلاثة أميال من المدينة. وقال ياقوت: على ميلين، على يسار قاصد مكة، وهو من عوالي المدينة. وسمي باسم بئر هناك، والمسجد المذكور هو مسجد بني عمرو بن عوف، وهو أول مسجد أسسه رسول الله - ﷺ -. انتهى. "فتح" جـ ٣ ص ٨٢.
٦٩٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا.
[ ٨ / ٥٦٠ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في السابق.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني المذكور قبل الباب الماضي.
٣ - (عبد الله بن دينار) العدوي مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة، من [٤] توفي سنة ١٢٧، تقدم في ١٦٧/ ٢٦٠.
٤ - (ابن عمر) عبد الله العدوي الصحابي - ﵁ -، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف -﵀-، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو الرابع والثلاثون من رباعيات الكتاب.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًا، فقد دخل المدينة.
ومنها: أن فيه ابن عمر - ﵄ -، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٦٣) حديثًا، وأحد المفتين من الصحابة - ﵃، وأحد العبادلة الأربعة منهم. وقد تقدم هذا غير مرة، وإنما أعدته تذكيرًا. والله تعالى أعلم.
[ ٨ / ٥٦١ ]
شرح الحديث
(عن ابن عمر) - ﵄ -، أنه (كان رسول الله - ﷺ - يأتي قباء) وعند البخاري: "كان يزوره" (راكبًا وماشيًا) أي راكبًا أحيانًا، وماشيًا أحيانًا. والمراد أنه يأتيه بحسب ما تيسر له، والواو بمعنى "أو".
زاد مسلم من رواية نافع "فيصلي فيه ركعتين". وعلقه البخاري. وادعى الطحاوي أن هذه الزيادة مدرجة، وأن أحد الرواة قاله من عنده، لعلمه أن النبي - ﷺ - كان من عادته أن لا يجلس حتى يصلي.
قال الجامع: هذا الذي قاله الطحاوي دعوى بلا حجة، بل هي زيادة صحيحة مسندة، فتبصر، والله أعلم.
وللشيخين من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، قال: "كان النبي - ﷺ - يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا، وكان عبد الله بن عمر يفعله".
ودل حديث الباب على اختلاف طرقه على استحباب إتيان مسجد قباء، وصلاة ركعتين فيه، وأن ذلك ليس من باب شد الرحل المنهي عنه في الباب الآتي؛ لأن ذلك كناية عن السفر، وهذا ليس سفرًا.
وفيه -كما قال في الفتح- جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك.
[ ٨ / ٥٦٢ ]
قال الجامع: يعني إلا ما ورد النهي عنه، كالنهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصوم، وليله بالقيام. والله أعلم.
وقال النووي -﵀-: فيه جواز تخصيص بعض الأيام بالزيارة، وهذا هو الصواب، وقول الجمهور، وكره ابن مسلمة المالكي ذلك، قالوا: لعله لم تبلغه هذه الأحاديث. والله أعلم.
والسر في كونه - ﷺ - يخص السبت بالإتيان فيه، كونه أمكن لمواصلة الأنصار، وتفقد أحوالهم، وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه - ﷺ -. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٩/ ٦٩٨)، و"الكبرى" (٩/ ٧٧٧) عن قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" في مسجد مكة والمدينة عن مسدد.
ومسلم في "الحج" عن محمد بن المثنى.
[ ٨ / ٥٦٣ ]
وأبو داود فيه عن مسدد، كلاهما عن يحيى القطان، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عنه.
ومسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير- وأبي بكر بن أبي شيبة.
وأبو داود عن عثمان بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، به. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٩٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِرْمَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: قَالَ أَبِي: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ، مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَصَلَّى فِيهِ، كَانَ لَهُ عِدْلَ عُمْرَةٍ".
رجال هذا الإسناد: خمسه
١ - (قتيبة) بن سعيد المتقدم قريبًا.
٢ - (مُجَمِّع بن يعقوب) بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري القبائي المدني، صدوق، من [٨].
قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة. مات
[ ٨ / ٥٦٤ ]
سنة ١٦٠ بالمدينة، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا وهم في تاريخ وفاته، فإن رحلة قتيبة كانت بعد السبعين ومائة. انتهى. وقد أرخه في سنة ستين أيضًا خليفة بن خياط، وابن قانع، فينظر في رواية قتيبة. انتهى تت. أخرج له أبو داود، والنسائي.
٣ - (محمد بن سليمان الكرماني) المدني القُبَائِي، نزيل كرمان، مقبول، من [٦].
روى عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف، عن أبيه في فضل مسجد قباء. وعنه سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وعاصم بن سويد القبائي، وعبد العزيز الدراوردي، وعيسى ابن يونس، ومجمع بن يعقوب الأنصاري، وحاتم بن إسماعيل. ذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له النسائي، وابن ماجه.
فائدة:
الكرماني -بكسر، فسكون- نسبة إلى كِرْمَان وِلاية كبير، وإلى مُرَبَّعَة الكرمانية، محلة بنيسابور. قاله في "اللب" جـ ٢ ص ٢٠٦.
٤ - (أبو أمامة بن سهل بن حنيف) اسمه أسعد معروف بكنيته، وله رؤية، من [٢] تقدم في ٥٠٩.
٥ - (سهل بن حُنَيف) بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة
[ ٨ / ٥٦٥ ]
ابن الحارث الأوسي الأنصاري، أبو ثابت، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو سعد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو الوليد المدني. روى عن النبي - ﷺ -، وعن زيد بن ثابت. وعنه ابناه أبو أمامة أسعد، وعبد الله، ويقال: عبد الرحمن، وأبو وائل، وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، وعبيد بن السباق، ويسير بن عمرو، والرباب جدة عثمان حكيم بن عباد بن حنيف، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم.
قال ابن عبد البر: شهد بدرًا، والمشاهد كلها، وثبت مع رسول الله - ﷺ - يوم أحد، وكان بايعه على الموت، ثم صحب عليًا من حين بويع، فاستخلفه على البصرة، ثم شهد معه صفين، وولاه فارس، ومات سنة ٣٨، وصلى عليه علي - ﵄ -، وكبر ستًا.
وقال ابن سعد: آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين علي، وشهد بدرًا، وكان عمر يقول: سهل غير حزن، ولما توفي كبر علي خمسًا، ثم التفت إليهم، فقال: إنه بدري. انتهى تت، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله موثقون.
ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، وقد دخلها.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله أعلم.
[ ٨ / ٥٦٦ ]
شرح الحديث
(عن سهل بن حنيف) - ﵁ -، أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من خرج) أي من بيته، ففي رواية ابن ماجه "من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء". . . (حتى يأتي هذا المسجد، مسجد قباء) بدل من المسجد، أو مفعول لفعل مقدر، أعني مسجد قباء. (فصلى فيه) زاد في رواية ابن ماجه "صلاة" (كان له عدل عمرة) أي مثل أجر عمرة. فعَدْلُ يحتمل الرفع على أنه اسم كان وخبرها الجار والمجرور قبله، ويحتمل النصب على الخبرية، واسم كان محذوف، أي كان عمَلُهُ المذكور عمرة، أي مثل عمرة في الأجر.
قال ابن الأثير: العدل بالفتح: ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل: بالعكس. وقال الزجاج: العدل- بالفتح والكسر: بمعنى المثل من الجنس، أو من غير الجنس. أفاده في اللسان جـ ٤ ص ٢٨٤٠.
وقال السندي -﵀-: والأقرب أن الفتح في المساوي حسًا، والكسر في المساوي عقلًا، إذ الحسي يدرك بفتح العين، والعقلي بالفكر المحتاج إلى خفض العين، وغمضها، وهذا مثل العوج، والعلاقة، فهما بالفتح في المبصرات، وبالكسر في المعقولات، وهذا مبني على ما قالوا: إن الواضع الحكيم لم يهمل مناسبة الألفاظ بالمعاني قضاء لحق الحكمة. وعلى هذا فالأقرب في الحديث كسر
[ ٨ / ٥٦٧ ]
العين، وبه ضبط في بعض النسخ المصححة. والله أعلم. انتهى المراد من كلام السندي رحمه الله تعالى.
ومما ورد في فضل مسجد قباء ما رواه عمر بن شبة في "أخبار بيت المقدس" بإسناد صح عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، قال: "لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلى من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل".
قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا له حكم الرفع، إذ لا يقال من قبل الرأي. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث سهل بن حُنَيْف - ﵁ - هذا حديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٩/ ٦٩٩)، و"الكبرى" (٩/ ٧٧٧) عن قتيبة، عن مجمع بن يعقوب، عن محمد بن سليمان الكرماني، عن أبي أمامة بن سهل، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، وعيسى بن يونس، كلاهما عن محمد بن سليمان، به.
[ ٨ / ٥٦٨ ]
قال الحافظ المزي -﵀-: تابعه موسى بن عبيدة، عن يوسف ابن طهمان، عن أبي أمامة. وقال: "عدل رقبة". انتهى. "تحفة"
جـ ١ ص ٩٨.
قال الجامع عفا الله عنه: ذَكَرَ في "المسند الجامع" جـ ٧ ص ٢٤٤، نقلًا عن مسند عبد بن حميد ما نصه: روايةُ يوسف بن طهمان: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم جاء مسجد قباء، فركع أربع ركعات، كان ذلك كعدل عمرة ". انتهى. فليس فيه ذكر رقبة. بل هو موافق لرواية غيره في ذكر العمرة. فليحرر. والله أعلم.
وأخرجه أحمد في "مسنده" جـ ٣ ص ٤٨٧، وعبد بن حميد رقم ٤٦٩. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
[ ٨ / ٥٦٩ ]