١٨١٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون عبد اللَّه) أبو موسى الحمال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (معن) بن عيسى، أبو يحيى المدنيّ، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٣ - (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثم البغداديّ، ثقة [٨] ٤٩/ ٩٥٨.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم القرشيّ المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة) بن مسعود الهذليّ المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٥/ ٥٦.
_________________
(١) - "المصباح" ص ١١١.
(٢) - "لسان العرب" باختصار في مادّة جنز.
[ ١٨ / ٢٠٥ ]
٦ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، وفيه رواية تابعي، عن تابعيّ. وفيه أبو هريرة - ﵁ - رَأْسُ المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَبِي هُرَيرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ) "لا" ناهية، والفعل مؤكّد بنون التوكيد الثقيلة. وسيأتي في الحديث الثاني من حديث أنس - ﵁ - ١٨٢١ - بلفظ: "لا يتمنّى" بإثبات الألف. وهو لفظ البخاريّ في حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور هنا.
قال في "الفتح": كذا للأكثر بلفظ النفي، والمراد به النهي، أو هو للنهي، وأشبعت الفتحة، ووقع في رواية الكشميهنيّ: "لا يتمنينّ" بزيادة نون التأكيد انتهى (^١).
وقال الطيبيّ: الياء (^٢) في قوله: "لا يتمنى" مثبتتة في رسم الخطّ في كتب الحديث، فلعله نهي ورد على صيغة الخبر، أو المراد منه لا يتمنّ، فأجري مُجرى الصحيح.
وقيل. هو لفظ النهي، وأشبعت الفتحة. قيل: والنفي بمعنى النهي أبلغ وآكد، لإفادته أن من شأن المؤمن انتفاء ذلك عنه، وعدم وقوعه عنه بالكليّة، أو لأنه قدر أن المنهيّ حين ورد النهي عليه انتهى عن المنهيّ عنه، وهو يخبر عن انتهائه، ولو ترك على النهي المحض ما كان أبلغ انتهى (^٣).
[تنبيه]: زاد البخاري في أول هذا الحديث من طريق الزهريّ، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن عوف: "أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "لن يُدخل أحدًا عمله الجنّة، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمّدني اللَّه بفضل، ورحمة، فسدّدوا، وقاربوا، ولا يتمنّينّ أحدكم الموت … " الحديث.
(أَحَدٌ مِنْكُمُ) وفي نسخة: "أحدكم"، والخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عمومًا (الْمَوْتَ) قال التوربشتيّ: النهي عن تمنّي الموت، وإن أطلق في هذا الحديث فالمراد منه المقيّد، كما في الحديث الآتي، فعلى هذا يكره تمنّي الموت
_________________
(١) - "فتح" ج ١٣ ص ٢٣٤ نسخة دار الريان.
(٢) - هكذا نسخة "المرعاة" "الياء"، ولعله نظرًا للأصل، وإلا فهي ألف منقلبة عن الياء، أو نظرًا لرسمه، فإنه بصورة الياء. واللَّه أعلم.
(٣) - راجع "المرعاة" ج ٥ ص ٢٨٥ - ٢٨٦.
[ ١٨ / ٢٠٦ ]
من ضرّ أصابه في نفسه، أو ماله، لأنه في معنى التبرّم عن قضاء اللَّه في أمر يضرّه في دنياه، وينفعه في آخرته، ولا يكره للخوف في دينه من فساد (إِمَّا مُحْسِنًا) بكسر الهمزة، ونصب "محسنًا"، و"مسيئًا" على تقدير عامل، نحو "يكون"، ووقع في رواية أحمد عن عبد الرزاق بالرفع فيهما، وهي واضحة. أفاده في "الفتح".
وقال ابن مالك -﵀-: أصله إما يكون محسنًا، وإما يكون مسيئًا، فحذف "يكون" مع اسمها مرتين، وأُبقي الخبر، وأكثر ما يكون ذلك بعد "إِنْ" و"لو"، وإلى هذه القاعدة أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَيحْذِفُونَها وُيبقُونَ الْخَبَرْ … وَبعد "إِنْ" و"لَوْ" كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
قال ابن مالك: وفي قوله: "فلعله يزداد" وفي "فلعله يستعتب" شاهدان على مجيء "لعل" للرجاء المجرّد من التعليل، وأكثر مجيئها في الرجاء إذا كان معه تعليل، نحو ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ انتهى (^١).
وقيل: أصله: "إن ما" فأدغمت النون بعد قلبها في الميم، و"ما" زائدة عوضا عن الفعل المحذوف، أي إن كان محسنا الخ.
وقال السنديّ -﵀-: "إما" بكسر الهمزة، بتقدير "يكون"، أي لا يخلو المتمنّي إما أن يكون محسنًا، فليس له أن يتمنى، فلعله يزداد خيرًا بالحياة، وإما مسيئًا، فكذلك ليس له أن يتمنى، فإنه لعله أن يستعتب، أي يرجع عن الإساءة، ويطلب رضا اللَّه تعالى بالتوبة.
وجملة "إما محسنًا الخ" بمنزلة التعليل للنهي، ويمكن أن يكون "أما" بفتح الهمزة، والتقدير أَمّا إن كان محسنًا، فليس له التمنّي، لأنه لعله يزداد بالحياة خيرًا، فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ الآية [الواقعة: ٨٨] انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فتح الهمزة يحتاج إلى ثبوته روايةً. واللَّه تعالى أعلم.
(فلعله أن يزداد خيرًا) أي من فعل الخير (وإما مسيئًا، فلعله يستعتب) أي يرجع عن موجب العَتْب عليه، وقيل: أي يطلب العُتْبى، وهو الرضا، أي يطلب رضا اللَّه تعالى بالتوبة، وردّ المظالم، وتدارك الفائت.
وقال في "الفتح": قوله: "يستعتب" أي يسترضي اللَّه بالإقلاع، والاستغفار، والاستعتابُ طلب الإعتاب، والهمزة للإزالة، أي يطلب إزالة العِتَاب، عاتبه: لامه، وأعتبه: أزال عتابه، قال الكرماني: وهو مما جاء على غير القياس، إذ الاستفعال إنما يُبنى من الثلاثيّ، لا من المزيد فيه انتهى.
_________________
(١) - "شواهد التوضيح" ص ١٤٠.
[ ١٨ / ٢٠٧ ]
وظاهر الحديث انحصار حال المكلّف في هاتين الحالتين، وبقي قسم ثالث، وهو أن يكون مخلّطًا، فيستمر على ذلك، أو يزيد إحسانا، أو يزيد إساءة، أو يكون محسنًا، فينقلب مسيئًا، أو يكون مسيئًا، فيزداد إساءة.
والجواب أنّ ذلك خرج مخرج الغالب، لأن غالب حال المؤمنين ذلك، ولا سيما والمخاطب بذلك شفاهًا الصحابة.
قال الحافظ -﵀-: وقد خطر لي في معنى الحديث أن فيه إشارة إلى تغبيط المحسن بإحسانه، وتحذير المسيء من إساءته، فكأنه يقول: من كان محسنًا فليترك تمني الموت، وليستمرّ على إحسانه، والازدياد منه، ومن كان مسيئًا فليترك تمني الموت، وليُقلِع عن الإساءة، لئلا يموت على إساءته، فيكون على خطر، وأما من عدا ذلك ممن تضمنه التقسيم فيؤخذ حكمه من هاتين الحالتين، إذ لا انفكاك عن أحدهما واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
وقال في "كتاب المرضى": ما حاصله: وفي قوله: "إما محسنا الخ" إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت، والدعاء به هو انقطاع العمل بالموت، فإن الحياة يتسبب منها العمل، والعمل يُحَصِّل زيادة الثواب، ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد، فهو أفضل الأعمال.
ولا يرد على هذا أنه يجوز أن يقع الارتداد -والعياذ باللَّه تعالى- عن الإيمان لأن ذلك نادر، والإيمان بعد أن تُخالط بشاشته القلوب لا يَسخطه أحد، وعلى تقدير وقوع ذلك -وقد وقع لكن نادرًا- فمن سبق له في علم اللَّه خاتمة السوء فلا بدّ من وقوعها، طال عمره أو قصر، فتعجيله بطلب الموت لا خير له فيه. ويؤيده حديث أبي أمامة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال لسعد: "يا سعد إن كنت خُلقت للجنة، فما طال من عمرك، أو حسن من عملك، فهو خير لك". أخرجه أحمد بسند ليّن (^٢).
ووقع في رواية همّام، عن أبي هريرة عند أحمد ومسلم: "وأنه لا يزيد المؤمنَ عمره إلا خيرًا".
واستُشْكِلَ بأنه قد يعمل السيئات، فيزيده عمره شرّا. وأجيب بأجوبة:
_________________
(١) - "فتح" ١٣ ص ٢٣٥.
(٢) - ولفظه: ٢١٧٩٠ حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، قال: جلسنا إلى رسول اللَّه - ﷺ - فذكّرنا، ورقّقنا، فبكى سعد بن أبي وقاص، فأكثر البكاء، فقال: يا ليتني مت، فقال النبى - ﷺ -: "يا سعد أعندي تتمنى الموت؟ "، فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: "يا سعد إن كنت خُلِقْت للجنة، فما طال عمرك، أو حسن من عملك، فهو خير لك".
[ ١٨ / ٢٠٨ ]
أحدها: حمل المؤمن على الكامل، وفيه بُعد. والثاني: أن المؤمن بصدد أن يعمل ما يكفّر ذنوبه، إما من اجتناب الكبائر، وإما من فعل حسنات أُخر، قد تقاوم بتضعيفها سيئاته، وما دام الإيمان باقيًا فالحسنات بصدد التضعيف، والسيّئات بصدد التكفير.
والثالث: يُقيّد ما أُطلق في هذه الرواية بما وقع في رواية الباب من الترجّي، حيث جاء بقوله: "لعله" والترجّي مشعر بالوقوع غالبًا، لا جزمًا، فخرج الخبر مخرج تحسين الظنّ باللَّه، وأن المحسن يرجو من اللَّه الزيادة بأن يوفّقه للزيادة من عمله الصالح، وأن المسيء لا ينبغي له القنوط من رحمة اللَّه، ولا قطع رجائه، أشار إلى ذلك الحافظ العراقي -﵀- في "شرح الترمذيّ".
ويدلّ على أن قصر العمر قد يكون خيرًا للمؤمن حديثُ أنس - ﵁ - الذي بعد هذا: "وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي". وهو لا ينافي حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم: "وأنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرا" إذا حُمل حديث أبي هريرة على الأغلب، ومقابله على النادر انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا- ١/ ١٨١٨ - وفي "الكبرى" ١/ ١٩٤٤ - بالإسناد المذكور. و١/ ١٨١٩ - و"الكبرى" ١/ ١٩٤٥ - بالإسناد الآتي. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) رقم ٥٦٧١ و٥٦٧٣ و٧٢٣٥. (م) ٢٦٨٠ و٢٦٨٢ (د) ٣١٠٨ (ت) ٩٧١ (ق) ٤٢٦٥ (أحمد) ٧٥٢٤ و٨٠٢٥ و٢٧٤٠٦ (الدارميّ) ٢٧٥٨ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: النهي عن تمنّي الموت. ومنها: بيان أن الموت سبب انقطاع عمل الإنسان، وهو في معنى الحديث الآخر: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث … " الحديث. ومنها: بيان فائدة طول عمر الإنسان، لأنه إن كان محسنًا ازداد خيرًا، وإن كان مسيئًا تاب إلى اللَّه، وأناب. ومنها: الحثّ
_________________
(١) - المصدر المذكور ج ١٠ ص ١٣٦. نسخة دار الريّان.
[ ١٨ / ٢٠٩ ]
على الازدياد من الخير، والزجر عن التمادي في الشرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨١٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعِيشَ، يَزْدَادُ خَيْرًا، وَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (بقية) بن الوليد الدمشقيّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
٣ - (الزُّبيديّ) محمد بن الوليد الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (أبو عُبيد مولى عبد الرحمن بن عوف) ويقال له: مولى ابن أزهر (^١) سعد بن عُبيد الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢].
قال الزهريّ: كان من القرّاء، وأهل الفقه، وقال الطبريّ: مجمع على ثقته. وقال مسلم في "الكنى": كان ثقة. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة. ونقل ابن خلفون توثيقه عن الذُّهْليّ، وابن الْبَرْقيّ. وقال ابن البَرْقيّ في "رجال الموطإ": أدرك النبي - ﷺ -، ولم يثبت له عنه رواية. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان من فقهاء أهل المدينة. انتهى. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث.
والباقيان تقَدَّما في السند الماضي والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" عقب هذا الحديث: ما نصّه:
قال أبو عبد الرحمن: وهذا أولى بالصواب من الذي قبله انتهى (^٢).
يعني أن رواية الزّبيديّ، عن الزهري، عن أبي عبيد، عن أبي هريرة هذه هي المحفوظة، وأما رواية إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن أبي هريرة التي قبل هذا، فليست بمحفوظة، لمخالفة إبراهيم لجماعة الحفاظ من أصحاب الزهريّ.
فقد رواه معمر، وشُعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن أبي حفصة، ويونس بن يزيد -كما
_________________
(١) -وابن أزهر هذا هو عبد الرحمن بن أزهر بن عوف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف.
(٢) - انظر "الكبرى" ج ١ ص٥٩٩.
[ ١٨ / ٢١٠ ]
قاله في "الفتح"- كلهم عن الزهريّ، عن أبي عبيد، عن أبي هريرة - ﵁ -.
قال الحافظ -﵀-: هكذا اتفق هؤلاء عن الزهريّ في روايته، عن أبي عبيد، وخالفهم إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، فقال: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة، عن أبي هريرة، أخرجه النسائيّ، وقال: رواية الزبيديّ أولى بالصواب، وإبراهيم بن سعد ثقة. يعني ولكنه أخطأ في هذا انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: إنما رجح المصنف -رحمه اللَّه تعالى- رواية الزبيديَّ، وإن كان في سندها بقية، وهو مدلّس، تدليس التسوية؛ لكونه صرح بالتحديث في شيخه، وشيخ شيخه، ولا يقال: إنه عنعن في شيخ الزهري؛ لأن الحديث مشهور برواية الزهري، عن أبي عبيد، كما يتضح بعدُ من رواية معمر، ومن ذكر معه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَلَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (حُميد) بن أبي حُميد الطويل البصريّ ثقة [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك - ﵁ - ٦/ ٦.
وهذا الإسناد من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠٦) من رباعيات الكتاب، وهو مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبلخيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَنس) بن مالك - ﵁ - (أَنّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي نسخة: "أن النبيّ" (- ﷺ - قَالَ: لَا يَتَمَنّيَنّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) أي لأنه يدلّ على الجزع في البلاء، وعدم الرضا بالقضاء (لِضُرَ) بضم الضاد المعجمة، وفتحها، أي من أجل ضرر ماليّ، أو بدنيّ (نَزَلَ بِهِ فِي الدّنْيَا) "في" سببية، أي بسبب أمر من الدنيا.
وفيه دلالة على أنه لو كان لضرّ أُخْرَويّ بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة - ﵃ -:
_________________
(١) - "فتح" ج١٠ ص ١٣٥. طبعة دار الريان.
[ ١٨ / ٢١١ ]
ففي "الموطإ" عن عمر - ﵁ - أنه قال: "اللهم كبرت سني، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع، ولا مفرط". وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر، عن عمر - ﵁ -. وأخرجه أحمد وغيره من طريق عبس، ويقال: عابس الغفاريّ أنه قال: يا طاعون خذني، فقال له عليم الكنديّ (^١): لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول اللَّه - ﷺ -: لا يتمنّينّ أحدكم الموت؟، فقال: إني سمعته يقول: بادروا بالموت ستّا، إمرة السفهاء، وكثرة الشُّرَط، وبيع الحكم … الحديث.
وأخرج أحمد أيضًا من حديث عوف بن مالك نحوه، وأنه قيل له: ألم يقل رسول
اللَّه - ﷺ -: "ما عُمّر المسلم كان خيرا له … " الحديث، وفيه الجواب نحوه. وأصرح منه في ذلك حديث معاذ - ﵁ - الذي أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم في القول في دبر كلّ صلاة، وفيه: "وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفّني إليك غير مفتون". قاله في "الفتح" (^٢).
(وَلَكِنْ لِيَقُلِ) وفي رواية للبخاريّ: "فإن كان لا بُدّ فاعلا، فليقل … "، وفي لفظ له: "فإن كان ولا بدّ متمنيًا للموت، فليقل … " الحديث. أي فلا يتمنّ صريحًا، بل يعدل عنه إلى التعليق بوجود الخير فيه.
قال في "الفتح": وهذا يدلّ على أن النهي عن تمنّي الموت مقيّد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة، لأن في التمنّي المطلق نوع اعتراض، ومراغمة للقدر المحتوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض، وتسليم للقضاء.
قال: وفي قوله: "فإن كان، لا بدّ الخ" ما يَصرِفُ الأمرَ عن حقيقته من الوجوب، أو الاستحباب، ويدلّ على أنه لمطلق الإذن، لأن الأمر بعد الحظر لا يبقى على حقيقته، وقريب من هذا السياق ما أخرجه أصحاب "السنن" من حديث المقدام بن معد يكرب: "حسبُ ابن آدم لُقيمات يُقمن صُلبه، فإن كان ولا بدّ، فثلث للطعام … " الحديث، أي إذا كان لا بدّ من الزيادة على اللُّقيمات، فليقتصر على الثلث، فهو إذنٌ بالاقتصار على الثلث، لا أمر يقتضي الوجوب، ولا الاستحباب انتهى (^٣).
(اللهُمّ أَحْيِنِي) أي أبقني على الحياة (مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ)، "ما" مصدرية ظرفية، أي مدّة كون الحياة (خيرًا لي) أي من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة خالية عن الفتن والمحن (وَتَوَفّني) أي أمتني (إذَا كَانَتِ الْوفَاةُ خَيْرًا لي) أي من
_________________
(١) - هكذا في الفتح، "عليم الكنديّ"، ولم أجد ترجمته، اللَّهم إلا إن كان هو عليم بن سلمة الفهمي، فإنه له ترجمة في "الإصابة" في القسم الثالث من حرف العين، فليُحرّر، واللَّه تعالى أعلم.
(٢) - "فتح"ج١٠ ص ١٣٣.
(٣) - المصدر السابق ج ١٠ ص ١٣٣.
[ ١٨ / ٢١٢ ]
الحياة، بأن يكون الأمر بعكس ما تقدم.
قال الحافظ العراقي -﵀- في "شرح الترمذيّ": لما كانت الحياة حاصلة، وهو متصف بها حسن الإتيان بـ "ما" أي ما دامت الحياة متصفة بهذا الوصف، ولما كانت الوفاة معدومة في حال التمنّي لم يحسن أن يقول: "ما كانت"، بل أتى بـ "إذا" الشرطيّة، فقال: "إذا كانت"، أي إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة كذا الوصف انتهى (^١).
والظاهر أن هذا التفصيل، يشمل ما إذا كان الضرّ دينيّا أو دنيويًا.
وقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن النضر بن أنس، عن أبيه، قال: لولا أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "لا تمنّوا الموت لتمنيته"، فلعله رأى أن التفصيل المذكور ليس من التمني المنهيّ عنه. أفاده في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان"
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ١/ ١٨٢٠ - و"الكبرى" ١/ ١٩٤٦ - بالإسناد المذكور. و١/ ١٨٢١ - و"الكبرى" ١/ ١٩٤٧ بالسند الآتي. وفي "عمل اليوم والليلة" ١٠٥٥ و١٠٥٧ و١٠٥٩ و١٠٦٠ و١٠٦١ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٧/ ١٥٦ (م) ٨/ ٦٤ (د) ٣١٠٨ (ت) ٩٧١ (ق) ٤٢٦٥ (أحمد) ٣/ ١٦٣ و٣/ ٢٤٧ و٣/ ١٠١ و٣/ ١٠٤ (عبد بن حميد) ١٢٤٦ و١٣٩٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢١ - حَدّثَنَا (^٢) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ح وَأَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَلَا لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا الْمَوْتَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (علي بن حُجر) السعدي المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
_________________
(١) - راجع "المرعاة" ج ٥ ص ٢٨٨.
(٢) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ١٨ / ٢١٣ ]
٢ - (أسماعيل ابن علية) البصريّ الحافظ الحجة الثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (عمران موسى) القزاز الليثي، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦.
٤ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٥ - (عبد العزيز) بن صُهيب البنانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٧/ ١٦٤٣.
٦ - (أنس) بن مالك - ﵁ - ٦/ ٦.
والسند من رباعيات المصنف، وهو (١٠٧) من رباعيات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "ألا" أداة استفتاح وتنبيه. وقوله: "لا يتمنّى" بصيغة الخبر، والمراد به
النهي، وتقدم الكلام عليه في الحديث الأول. وقوله: "فإن كان لا بدّ متمنّيًا" الخ. اسم
"كان ضمير يعود إلى "أحدكم"، و"متمنّيًا" خبرها، وجملة "لا بُدّ" معترضة، وهي في
محلّ نصب على الحال، قال الفيّومي -﵀-:"لا بُدّ من كذا" أي لا مَحِيد عنه، ولا يُعرف استعماله إلا مقرونًا بالنفي انتهى.
وحاصل المعنى أنه لا يجوز لأحد أن يتمنّى الموت، فإن كان لا محيد عن التمنّي، فلا يتمنّ صريحًا، بل يعدل عنه إلى التفويض إلى اللَّه تعالى الذي هو أعلم بمصالح عباده، وهو بهم رؤوف رحيم، فيسأله معلقًا بوجود الخير فيه.
والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…