١٨٣٤ - أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ، عَنْ أَبِي زُبَيْدٍ (^١)، وَهُوَ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قَالَ شُرَيْحٌ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَدِيثًا، إِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ هَلَكْنَا، قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ، إِلاَّ وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ إِذَا طَمَحَ الْبَصَرُ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هناد) بن السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو زُبيد، عَبْثَر بن القاسم) الزبيدي الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤.
٣ - (مطرّف) بن طَريف الكوفيّ، ثقة فاضل، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧.
٤ - (عامر) بن شَراحيل الشعبيّ الكوفي الإمام الحجة [٣] ٦٦/ ٨٢.
٥ - (شُريح بن هانئ) أبو المقدام الكوفي المخضرم ثقة [٢] ٨/ ٨ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف، وأنه مسلسل بالكوفيين، إلا الصحابي، وفيه رواية تابعي عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شُرَيحِ بْنِ هَانِئ) الحارثيّ الْمَذْحجيّ المخضرم الكوفيّ -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَن أَحَب لِقَاءَ اللَّهِ") أي المصير إلى الدار الآخرة، بمعنى أن المؤمن عند الغرغرة يُبَشَّر برضوان اللَّه، فيكون موته أحبّ إليه
_________________
(١) - وفي نسخة: "أبي الزبيد".
[ ١٨ / ٢٥٠ ]
من حياته. قيل: الحب هنا هو الذي يقتضيه الإيمان باللَّه، والثقة بوعده، دون ما يقتضيه حكم الجِبِلَّة.
وقال ابن الأثير الجزيّ -﵀- في "النهاية": المراد بلقاء اللَّه هنا المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند اللَّه، وليس الغرض به الموت، لأن كُلاًّ يكرهه، فمن ترك الدنيا، وأبغضها أحبّ لقاء اللَّه، ومن آثرها، وركن إليها كره لقاء اللَّه، لأنه إنما يصل إليه بالموت. قال: وقول عائشة: "والموت دون لقاء اللَّه" يبيّن أن الموت غير اللقاء، ولكنه مُعترِضٌ دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه، ويحتمِلَ مشاقّه حتى يصل إلى الفوز باللقاء (^١).
قال الطيبيّ: يريد أن قول عائشة: "إنا لنكره الموت" (^٢) يوهم أن المراد بلقاء اللَّه في الحديث الموت، وليس كذلك، لأن لقاء اللَّه غير الموت، بدليل قوله في الرواية الأخرى: "والموت دون لقاء اللَّه"، لكن لما كان الموت سببا إلى لقاء اللَّه عبّر عنه بلقاء اللَّه.
قال الحافظ: وقد سبق ابن الأثير إلى تأويل لقاء اللَّه بغير الموت الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاّم، فقال: ليس وجهه عندي كراهة الموت، وشدّته، لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا، والركون إليها، وكراهية أن يصير إلى اللَّه، والدار الآخرة. قال: ومما يُبيّن ذلك أن اللَّه تعالى عاب قومًا بحبّ الحياة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ الآية [يونس: ٧]. انتهى.
وقال الخطابيّ: معنى محبّة العبد للقاء اللَّه إيثاره الآخرة على الدنيا، فلا يحبّ استمرار الإقامة فيها، بل يستعدّ للارتحال عنها، والكراهةُ بضدّ ذلك انتهى.
وقال النوويّ: معنى الحديث أن المحبّة والكراهة التي تُعتبر شرعًا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تُقبل فيها التوبة، حين ينكشف الحال للمُحتَضَر، ويظهر له ما هو صائر إليه انتهى (^٣).
(أحبّ اللَّه لقاءه) قال في "الفتح": قال العلماء محبة اللَّه لعبده إرادته الخير له، وهدايته إليه، وإنعامه عليه، وكراهته له على الضدّ من ذلك انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تفسير محبّة اللَّه تعالى بما ذُكر تفسير باللازم، وهو
_________________
(١) - "النهاية في غريب الحديث" ج ٤ ص ٢٦٦.
(٢) - أي في حديث مسلم، لا في رواية المصنف، فإنه من كلام شريح، لا من كلامها.
(٣) - راجع "الفتح" ج ١٣ ص ١٦٥ - ١٦٦.
[ ١٨ / ٢٥١ ]
غير صحيح، بل الذي عليه السلفُ، وأهلُ الحديث إثبات صفة المحبّة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، ثم إذا أحبّ اللَّه عبده أراد له الخير، وهداه إليه، وأنعم عليه. وعلى هذا الكراهة، فليُتفطّن، واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَنْ كرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ) أي حين يرى ما له من العذاب عند الغرغرة (كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) فأبعده من رحمته، وأدناه من نقمته.
[تنبيه] قوله: "من أحب لقاء اللَّه أحبّ اللَّه لقاءه الخ". قال الكرماني -﵀-: ليس الشرط سببا للجزاء، بل الأمر بالعكس، ولكنه على تأويل الخبر، أي مَن أحبّ لقاء اللَّه أخبره بأن اللَّه أحبّ لقاءه، وكذلك الكراهة. وقال غيره فيما نقله ابن عبد البرّ وغيره "مَن" هنا خبرية، وليست شرطية، فليس معناه أن سبب حبّ اللَّه لقاء العبد حبّ العبد لقاءه، ولا الكراهة، ولكنه صفة حال الطائفتين في أنفسهم عند ربّهم، والتقدير من أحبّ لقاء اللَّه فهو الذي أحب اللَّه لقاءه، وكذا الكراهة.
قال الحافظ -﵀-: ولا حاجة إلى دعوى نفي الشرطية، فقد ثبت في "كتاب التوحيد" من "صحيح البخاريّ" في حديث أبي هريرة - ﵁ -، رفعه: "قال اللَّه -﷿-: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه … " الحديث. فيتعيّن أن "من" في حديث الباب شرطيّة، وتأويلها ما سبق.
وقال في "الفتح" أيضًا: في قوله: "أحبّ اللَّه لقاءه" العدولُ عن الضمير إلى الظاهر، تفخيمًا وتعظيمًا، ودفعًا لتوهّم عود الضمير على الموصول، لئلا يتّحد في الصورة المبتدأ والخبر، ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح المعنى، وأيضًا فعود الضمير على المضاف إليه قليل.
قال الحافظ: وقرأت بخطّ ابن الصائغ في "شرح المشارق" يحتمل أن يكون لقاء اللَّه مضافًا للمفعول، فأقامه مقام الفاعل، ولقاءه إما مضاف للمفعول، أو للفاعل الضمير، أو للموصول، لأن الجواب إذا كان شرطًا، فالأولى أن يكون فيه ضمير، نعم هو موجود هنا، ولكن تقديرًا انتهى.
(قَالَ: شُرَيْحٌ) بن هانىء -رحمه اللَّه تعالى- (فَأتَيْتُ عَائِشَةَ) - ﵂ - (فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَذْكُرُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَدِيثًا، إِنْ كَانَ كَذَلِكَ) أي إن كان الحديث كما ذكره أبو هريرة - ﵁ -، وإنما قال ذلك لاحتمال أن يكون أخطأ فيه أبو هريرة، أو أخطأ هو في فهمه،، فلعل عائشة سمعت من رسول اللَّه - ﷺ - ما يخالفه، أو لعلها تفهّمه المراد منه (فَقَدْ هَلَكْنَا) أي لكون الموت مبغوضًا إلى النفس بالطبع (قَالَتْ:) أي عائشة (وَمَا ذَاكَ؟) أي ما هو الحديث الذي ذكره أبو هريرة؟ (قَالَ) أي أبو هريرة (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "مَنْ
[ ١٨ / ٢٥٢ ]
أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَن كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ"، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَّا
أَحَدٌ، إِلاَّ وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ) جملة الاستدراك من كلام شريح بَيَّنَ فيه وجهَ الإشكال من الحديث (قَالَتْ) أي عائشة (قَد قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْه) الباء زائدة، أي ليس المراد ما تفهمه أنت من الإطلاق، بل هو مقيد بحالة الاحتضار حين يُبَشَّر المؤمن بخير، وُينذَر الكافر بشرّ، وإلى هذا أشارت بقولها (وَلَكِنْ إِذَا طَمَحَ الْبَصَرُ) قال في "ق": طَمَحَ بصرُهُ إليه، كمنع: ارتفع،، ووقع في نسخة "الكبرى" "وطفح البصر" بالفاء بدل الميم، والظاهر أنه تصحيف، فإن الطَّفْح معناه الامتلاء، ولا يناسب هنا. وفي رواية مسلم: "إذا شَخَصَ البصرُ" بفتح الشين، والخاء، ومعناه ارتفاع الأجفان إلى فوقُ، وتحديدُ النظر (وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ) كَدَحْرَج، قال في "ق": الحَشْرَجَة الغَرْغَرة عند الموت، وتردُّدُ النفَس (وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ) أي أي قام شعره، وفي "ق": أخذته قُشَعْرِيرَةٌ، أي رِعْدَةْ. ووقع في نسخة "الكبرى" "وانشحر الجلد"، والظاهر أنه تصحيف أيضًا، فمن الشّحر بوزن المنع فَتحُ الفم، وهو غير مناسب أيضا. زاد في رواية مسلم: "وتشنّجَت الأصابعُ". قال النووي: تشنّج الأصابع تقبّضُها انتهى.
قال في "الفتح": وهذه الأمور هي حالة المحتضر، وكأن عائشة - ﵂ - أخذته من معنى الخبر الذي رواه عنها سعد بن هشام مرفوعًا. يعني الآتي بعد ثلاثة أحاديث (فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) وأخرج عبد ابن حميد من وجه آخر عن عائشة مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا قيّض له قبل موته بعام ملكًا يسدّده، ويوفّقه حتى يقال: مات بخير ما كان، فإذا حُضر ورأى ثوابه اشتاقت نفسه، فذلك حين أحبّ لقاء اللَّه، وأحبّ اللَّه لقاءه، وإذا أراد اللَّه بعبد شرّا قَيّض له قبل موته بعام شيطانًا، فأضلّه، وفتنه، حتى يقال: مات بشرّ ما كان عليه، فإذا حُضر، ورأى ما أُعِدّ له من العذاب جَزِعَت نفسه، فذلك حين كره لقاء اللَّه، وكره اللَّه لقاءه" (^١).
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٠/ ١٨٣٤ و١٨٣٥ و١٨٣٨ - و"الكبرى" ١٠/ ١٩٦٠ - و١٩٦١ و١٩٦٤.
_________________
(١) - "فتح"ج ١٣ ص ١٦٥.
[ ١٨ / ٢٥٣ ]
وأخرجه (خ) ٧٥٠٤ (م) ١٥٧ و٢٥٧ و٢٦٨٤ و٢٦٨٥ (ت) ١٠٦٧ (ق)، ٤٢٦٤ (الموطأ) ٥٦٧. (أحمد) ٢٧٣٤٩ و٨٣٥١ و٢٧٦٠٩ و٩١٥٧ و٢٧٢٣٠ و٢٣٦٥٢ واللَّه تعالى أعلم.
المسالة الثالثة: في فوائده:
منها: فضل محبة لقاء اللَّه تعالى. ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فإنه قابل المحبّة بالمحبّة، والكراهة بالكراهة. ومنها: بيان معنى كراهة لقاء اللَّه، بأنه ليس المراد كراهة الموت، بل ما يكون وقت الاحتضار من حال العبد عند ما يُبشَّرُ المؤمن، ويُنذَرُ الكافرُ،، فإذا استبشر المؤمن، وانقبض الكافر كان ذلك علامة حب لقاء اللَّه، وكراهته. ومنها: البداءة بأهل الخير في الذكر لشرفهم، وإن كان أهل الشرّ أكثر.
ومنها: أن المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك دليلًا على أنه بُشّر بالخير، وكذا بالعكس. ومنها: أن محبة لقاء اللَّه لا تدخل في النهي عن تمنّي الموت، لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت، كان تكون المحبة حاصلة لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخره، وأن النهي عن تمني الموت محمول على حالة الحياة المستمرة، وأما عند الاحتضار والمعاينة، فلا تدخل تحت النهي، بل هي مستحبّة.
[تنبيه]: في كراهة الموت في حالة الصحة تفصيلٌ، فمن كرهه إيثارًا للحياة على ما
بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذمومًا، ومن كرهه خشية أن يُفضي إلى المؤاخذة كأن يكون مقصّرًا في العمل، لم يستعدّ له بالأهبة بأن يتخلّص من التبعات، ويقوم بأمر اللَّه كما يجب فهو معذور، لكن ينبغي لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه، بل يحبّه لما يرجو بعده من لقاء اللَّه تعالى. أفاده في "الفتح".
[تنبيه آخر]: أخرج مسلم -﵀-، في "صحيحه" قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن زكريا، عن الشعبيّ، عن شريح بن هانئ عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "من أحبّ لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه، والموت قبل لقاء اللَّه". انتهى (^١).
قال الحافظ -﵀-: هذه الزيادة -يعني قولها: "والموت قبل لقاء اللَّه"- من كلام عائشة فيما يظهر لي (^٢)، ذَكَرَتْها استنباطًا مما تقدّم. قال: وفيه أن اللَّه تعالى لا يَراه في الدنيا أحد من الأحياء، وإنما يقع ذلك للمؤمنين بعد الموت، وقد ورد بأصرح من هذا
_________________
(١) - "صحيح مسلم" ج ١٧ ص ١٣ بنسخة شرح النووي.
(٢) - قلت: لا يظهر لي وجه ادعاء الحافظ الإدراجَ في هذا، ولم يذكر مستنده في ذلك، والذي يظهر أنه مرفوع، ولذلك أخرجه مسلم في "صحيحه"، ولم يتعرّض لإدراجه. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٢٥٤ ]
في "صحيح مسلم" من حديث أبي أُمامة مرفوعًا في حديث طويل، وفيه: "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". انتهى كلام الحافظ باختصار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٣٥ - أَخْبَرَنَا (^١) الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ ح وَأَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي، أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي، كَرِهْتُ لِقَاءَهُ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الحارث بن مسكين) المصري قاضيها، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٢ - (قتيبة) بن سعيد تقدم قريبًا.
٣ - (ابن القاسم) هو عبدالرحمن العُتَقيّ الفيقه الثبت المصريّ ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٥ - (المغيرة) بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام -بمهملة مكسورة، وزاي- ابن خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيّ القرشيّ الأسديّ الحِزاميّ المدنيّ، لقبه قُصيّ، وقيل: إنه من ولد حَكِيم بن حِزَام، صدوق (^٢) له غائب [٧].
قال الجُوزجانيّ، عن أحمد. ما بحديثه بأس. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: رجل صالح، كان ينزل عَسْقَلان. وقال في موضع آخر: سألت أبا داود، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزاميّ من ولد حكيم بن حزام، فقال: لا بأس به. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال أبو زرعة: هو أحبّ إليّ من ابن أبي الزناد، وشُعيب، يعني في حديث أبي الزناد. وقال الخطيب: كان علّامة بالنسب، يسمى قُصيّا. وقال ابن عديّ: ينفرد بأحاديث، وأورد منها جملة، ثم قال: عامتها مستقيمة، وأورد له عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا في القضاء باليمين والشاهد، وقد رواه ابن عجلان وغير واحد، عن أبي الزناد، عن ابن أبي صفيّة، عن شُريح قولَهُ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند
_________________
(١) - وفي نسخة: "قال الحارث".
(٢) - جعله في "ت" ثقة، لكن الذي يظهر من أقوال العلماء المذكور بعدُ أنه صدوق. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٢٥٥ ]
المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، و٢٠٧٧ حديث كل بني آدم … ".
٦ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدني ثقة [٥] ٧/ ٧.
٧ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧.
والحديث صحيح، وتقدم شرحه، وتخريجه، في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٣٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ، عَنْ عُبَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد) بن جعفر المعروف بـ "غندر" البصريّ الثقة [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور [٧] ٢٤/ ٢٦.
٤ - (قتادة) بن دعامة تقدم قريبًا.
٥ - (أنس) بن مالك - ﵁ - ٦/ ٦.
٦ - (عبادة) بن الصامت بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد الصحابي البدريّ الأحديّ، أحد النقباء، مات - ﵁ - بالرملة سنة (٣٤) عن (٧٢) على الصحيح ٢٤/ ٩١٠.
ورجال الإسناد بصريّون سوى عبادة - ﵁ -، فمدني نزل الشام، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا -١٠/ ١٨٣٦ و١٨٣٧ وفي "الكبرى"- ١٠/ ١٩٦٢ و١٩٦٣. وأخرجه (خ) ٦٥٠٧ (م) ٢٦٨٣ (ت) ١٠٦٦ و٢٣٠٩ (أحمد) ٢٢١٨٨ و٢٢٢٣٨ و٢٧٥٦ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٣٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو الأشعث) أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١١] ١٣٨/ ٣١٩.
٢ - (المعتمر) بن سليمان التيميّ البصري، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠.
٣ - (سليمان) بن طَرْخان التيميّ البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧ والباقون تقدموا
[ ١٨ / ٢٥٦ ]
في الذي قبله. والسند مسلسل بثقات البصريين، والحديث تقدم تمام البحث فيه، وهو متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٣٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ح وَأَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَرَاهِيَةُ لِقَاءِ اللَّهِ، كَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ، كُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: «ذَاكَ عِنْدَ مَوْتِهِ، إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَمَغْفِرَتِهِ، أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ، كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عمرو بن علي) الفلاَّس البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (حميد بن مسعدة) السامي الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥.
٣ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصريّ، ثقة [٨] ٢٠/ ٣٨٦.
٤ - (خالد بن الحارث) الهجيميّ البصريّ الثقة الثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٥ - (سعيد) بن أبى عروبة البصريّ ثقة ثبت [٦] ٣٤/ ٤٦٠.
٦ - (قتادة) تقدم قريبًا.
٧ - (زرارة) بن أوفى الحرشي الكوفي القاضي العابد الثقة [٣] ٢٧/ ٩١٧.
٨ - (سعد بن هشام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٧/ ١٣١٥.
٩ - (عائشة) - ﵂ - ٥/ ٥.
وقوله: "زاد عمرو الخ" هو الفَلاّس، شيخُهُ، يعني أن عمرو بن علي زاد في حديثه قولَهُ. "فقيل: يا رسول اللَّه الخ". والقائل له ذلك عائشة - ﵂ -، ففي رواية مسلم: قالت. فقلت يا نبي اللَّه أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت، فقال: "ليس كذلك، ولكنّ المؤمنَ إذا بُشّر برحمة اللَّه ورضوانه وجنته أحبّ لقاء اللَّه، فأحبّ اللَّه لقاءه، وإن الكافر إذا بشّر بعذاب اللَّه وسخطه، كره لقاء اللَّه، وكره اللَّه لقاءه".
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -: ما نصّه: قالت عائشة، أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت الخ.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: كذا في هذه الرواية بالشكّ، وجزم سعد بن هشام في روايته عن عائشة بأنها هي التي قالت ذلك، ولم يتردد، وهذه الزيادة في هذا الحديث لا
[ ١٨ / ٢٥٧ ]
تظهر صريحًا، هل هي من كلام عبادة، والمعنى أنه سمع الحديث من النبي - ﷺ -، وسمع مراجعة عائشة، أو من كلام أنس بأن يكون حضر ذلك، فقد وقع في رواية حميد التي أشرت إليها بلفظ: "فقلنا يا رسول اللَّه"، فيكون أسند القول إلى جماعة، وإن كان المباشر له واحدًا، وهي عائشة، وكذا وقع في رواية عبدالرحمن بن أبي ليلى التي أشرت إليها، وفيها: "فأكبّ القومُ يبكون، وقالوا: إنا نكره الموت، قال: ليس ذلك". ولابن أبي شيبة من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة نحو حديث الباب، وفيه "قيل: يا رسول اللَّه ما منّا من أحد إلا وهو يكره الموت، فقال: إذا كان ذلك كُشف له"، ويحتمل أيضًا أن يكون من كلام قتادة أرسله في رواية همام، ووصله في رواية سعيد بن أبي عروبة، عنه عن زُرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة، فيكون في رواية همّام إدراج، وهذا أرجح في نظري، فقد أخرجه مسلم عن هدّاب بن خالد، عن همام مقتصرًا على أصل الحديث، دون قوله: "فقالت عائشة الخ"، ثم أخرجه من رواية سعيد ابن أبي عروبة موصولًا تامّا، وكذا أخرجه هو وأحمد من رواية شعبة، والنسائيّ من رواية سليمان التيميّ، كلاهما عن قتادة، وكذا جاء عن أبي هريرة وغير واحد من الصحابة بدون المراجعة، وقد أخرجه الحسن بن سفيان، وأبو يعلى جميعًا عن هُدبة بن خالد تامّا، كما أخرجه البخاريّ عن حجاج، عن همام، وهُدْبةُ هو هدّاب شيخ مسلم،
فكأن مسلما حذف الزيادة عمدًا، لكونها مرسلة من هذا الوجه، واكتفى بإيرادها موصولة من طريق سعيد بن أبي عروبة، وقد رمز البخاريّ إلى ذلك حيث علق رواية شعبة بقوله: "اختصره الخ"، وكذا أشار إلى رواية سعيد تعليقًا، وهذا من العلل الخفيّة جدّا انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
وقوله: "كراهيةُ لقاء اللَّه كراهية الموت؟ " مبتدأ وخبر بتقدير أداة الاستفهام. وقوله: "كلنا نكره الموت" جملة مستأنفة بَيَّن بها سبب الاستفهام، أي إنما استفهمتُ عن معنى كراهية لقاء اللَّه خوفا من أن ندخل فيها هذه، حيث إننا نكره الموت.
وقوله: "ذاك عند موته" إشارة إلى المذكور من محبة لقاء اللَّه تعالى، وكراهيته، يعني أن كراهية لقاء اللَّه تعالى ليس مطلقا، بل هو في وقت معيّن، وذلك عند موته، ومعاينته ما أعدّ له، من عظيم الثواب، وأليم العقاب.
وقوله: "إذا بُشّر برحمة اللَّه الخ"، وفي رواية البخاريّ: "بُشر برضوان اللَّه وكرامته"، وفي رواية مسلم: "بشر برحمة اللَّه ورضوانه وجنته"، وفي حديث حميد،
_________________
(١) - راجع "الفتح" ج ١٣ ص ١٦٤.
[ ١٨ / ٢٥٨ ]
عن أنس: "ولكن المؤمن إذا حُضر جاءه البشير من اللَّه، وليس شيء أحبّ إليه من أن يكون قد لقي اللَّه، فأحبّ اللَّه لقاءه"، وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ولكنه إذا حضر فأما إن كان من المقرّبين، فرَوح وريحان وجنّة نعيم، فإذا بشر بذلك أحبّ لقاء اللَّه، واللَّه للقائه أحبّ" (^١).
قال الخطابيّ -﵀-: تضمّن حديث الباب من التفسير ما فيه غنية عن غيره، واللقاء يقع على أوجه: منها: المعاينة. ومنها. البعث، كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣١]، أي بالبعث. ومنها: الموت، كقوله تعالى. ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ الآية [العنكبوت: ٥]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ الآية [الجمعة: ٨] انتهى.
وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث يفسّر آخرُهُ أوّلَهُ، ويبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة: "من أحبّ لقاء اللَّه، ومن كره لقاء اللَّه".
ومعنى الحديث: أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالةٍ لا تُقبل توبته، ولا غيرها، فحينئذ يُبشّر كلُّ إنسان بما هو صائر إليه، وما أُعدّ له، ويُكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يُحبّون الموت، ولقاءَ اللَّه، لينتقلوا إلى ما أُعدّ لهم، ويحبّ اللَّهُ لقاءهم، أي فيُجزِل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يَكرهون لقاءه، لِمَا عَلِمُوا من سوء ما يَنتقلون إليه، ويَكره اللَّه لقاءهم، أي يبعدهم عن رحمته وكرامته، ولا يريد ذلك بهم، وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم، وليس معنى الحديث أن سبب كراهة اللَّه تعالى لقاءَهم كراهتُهُم ذلك، ولا أن حبّه لقاءَ الآخرين حبُّهم ذلك، بل هو صفة لهم انتهى (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام عليه قريبًا. وباللَّه تعالى التوفيق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وْإليه أنيب".
…