قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه لا حاجة لهذه الترجمة، لأنها تقدّمت قبل بابين، بلفظ: "باب ذكر ما يُستفتح به القيام"، فكان الأولى للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- أن يذكر حديثي الباب هناك، فإنهما من جملة أحاديثه، اللَّهم إلا إذا أراد أن الباب السابق معقود لما يقال قبل الدخول في الصلاة، وهذا الباب معقود لما يقال بعد الدخول فيها، لكن هذا يَرُدُّه الحديث الثاني، فإنه لما يقال قبل الدخول، بلا شكّ، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٢٥ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي، لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ، مِنَ الْحَقِّ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ، إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (العباس بن عبد العظيم) العَنْبَريّ البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩.
٢ - (عُمر بن يونس) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ الجُرَشيّ، ثقة [٩].
روى عن أبيه، وعكرمة بن عمّار، وأيوب بن عُتبة، وغيرهم. وعنه ابن ابنه أحمد بن محمد بن عمر، وبُندار، والعباس بن عبد العظيم، وغيرهم. قال أحمد: ثقة، ولم أسمع منه. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال إسماعيل القاضي: حدثنا علي، هو ابن المدينيّ، حدثنا عُمر بن يونس اليماميّ، وكان ثقة ثبتًا. ووثقه البزّار. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُتّقى حديثه من رواية ابن ابنه عنه، لأنه كان يقلب الأخبار.
يقال: مات سنة (٢٠٦). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٤١٨٣).
٣ - (عكرمة بن عمّار) اليماميّ البصريّ الأصلِ، صدوق يَغلَط [٥] ٥٧/ ١٢٩٩.
والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٧ / ٣٣٨ ]
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل باليماميين إلى يحيى، غير شيخه، فبصري، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (بأيِّ شَيْءٍ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ؟) أي صلاة الليل (قَالَتْ: كَانَ) - ﷺ - (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ) وفي رواية لأبي داود: "كان إذا قام كبرّ، ويقول"، وفيه أنه كان يقول ذلك بعد تكبيرة الإحرام. ولا منافاة بين هذا الحديث والأحاديث المتقدّمة، لأنه يحمل على أنه - ﷺ - كان يفتتح تارة بهذا، وتارة بهذا.
(قَالَ:) جملةٌ في محل نصب على الحال، أي قائلًا ("اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) أي مُبدعهما.
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: قال العلماء: خصّهم بالذكر، وإن كان اللَّه تعالى ربّ كلّ المخلوقات، كما تقرّر (^١) في القرآن والسنّة من نظائره، من الإضافة إلى كلّ عظيم المرتبة، وكبير الشأن، دون ما يُستَحقر، ويستصغر، فيقال له ﷾: رب السموات والأرض، رب العرش الكريم، ورب الملائكة والروح، رب المشرقين، ورب المغربين، رب الناس، مالك الناس، إله الناس، رب العالمين، ربّ كل شيء، رب النبيين، خالق السموات والأرض، فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلًا، فكلّ ذلك وشبهه وصف له سبحانه بدلائل العظمة، وعظيم القدرة، والملك، ولم يُستعمل ذلك فيما يُحتقر، ويُستصغر، فلا يقال: ربّ الحشرات، وخالق القِرَدَة،
والخنازير، وشبه ذلك على الإفراد، وإنما يقال: خالق المخلوقات، وخالق كلّ شيء، وحينئذ تدخل هذه في العموم. واللَّه تعالى أعلم انتهى (^٢).
قيل: إنما خصّ الثلاثة المذكورين من الملائكة بالذكر، تشريفا لهم، وتعظيما، إذ
_________________
(١) - هكذا نسخة "شرح مسلم" للنوويّ "كما تقرر" بالكاف، ولعل الأوضح "لما تقرر باللام، فتأمل.
(٢) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ٥٦ - ٥٧.
[ ١٧ / ٣٣٩ ]
بهم تنتظم أمور العباد، لأن جبريل كان موكّلا بالوحي، وإنزال الكتب السماوية على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وتعليم الشرائع، وأحكام الدين، وميكائيل موكّل بجميع القطر، والنبات، وأرزاق بني آدم وغيرهم. وإسرافيل موكّل باللوح المحفوظ، وهو الذي ينفخ في الصور (^١).
(عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي ما غاب عن العباد، وما شاهدوه، وظهر لهم (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك، فِيَمَا كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي في الدنيا من أمر دينهم، فتعذّب العاصي، إن شئت، وتثيب الطائعين (اللَّهُمَّ اهْدِني) معناه ثبّتني عليه، أو زدني هداية، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ) بالبناء للمفعول (مِنَ الْحَقِّ) بيان لـ"ما" ﴿إِنكَ تهدِي مَن تشَاءُ، إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"﴾ أي طريق الحقّ، وهو دين الإسلام، وسمي صراطًا لأنه موصل للمقصود، كما أن الطريق الحسيّ كذلك. والجملة تعليل لطلب الهداية منه، أي لأنك تهدي من تشاء الخ .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له.
أخرجه هنا- ١٢/ ١٦٢٥ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ١٣٢٢ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ١٨٥ (د) ٧٦٧ (ت) ٣٤٢٠ (ق) ١٣٥٧. (أحمد) ٦/ ١٥٦ (ابن خزيمة) ١١٥٣. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما تُفتتح به صلاة الليل من
الأذكار. ومنها: بيان أنه - ﷺ - كان يدعو بهذا الدعاء، ونحوه في صلاة الليل، تواضعًا، وإشفاقًا، وليُقتَدَى به في الدعاء، والخضوع، وحسن التضرّع. ومنها: بيان شرف هؤلاء الملائكة، وأنهم أفضل من سائر الملائكة. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يطلب من اللَّه تعالى الهداية إلى طريق الحقّ، لأنه تعالى هو الهادي إلي ذلك. ومنها: أن الهداية بيد اللَّه تعالى، لا أحد يَقدِر عليها، غيره سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
_________________
(١) - انظر "المنهل" ج ٥ ص ١٧٨.
[ ١٧ / ٣٤٠ ]
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٢٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ رَجُلًا، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: قُلْتُ -وَأَنَا فِي سَفَرٍ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاللَّهِ، لأَرْقُبَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِصَلَاةٍ، حَتَّى أَرَى فِعْلَهُ فَلَمَّا صَلَّى صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَهِيَ الْعَتَمَةُ، اضْطَجَعَ هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَنَظَرَ فِي الأُفُقِ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. ثُمَّ أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِلَى فِرَاشِهِ، فَاسْتَلَّ مِنْهُ سِوَاكًا، ثُمَّ أَفْرَغَ فِي قَدَحٍ، مِنْ إِدَاوَةٍ عِنْدَهُ مَاءً، فَاسْتَنَّ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى، حَتَّى قُلْتُ: قَدْ صَلَّى قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى قُلْتُ: قَدْ نَامَ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، تقدم قبل بابين.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري الحافظ الثبت [٩] ٩/ ٩.
٣ - (يونس بن يزيد) الأيلي، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام المدني الشهير المثبت الحجة [٤] ١/ ١.
٥ - (حُميد بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدنيّ، ثقة [٣] ٣٢/ ٧٢٥، والصحابيّ مبهم، ولا يضرّ ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثّنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ رَجُلًا، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -) لم يُعرف اسمه، ولكن لا يضرّ ذلك في صحة الحديث، لأن الصحابَة كلهم عدول بإجماع من يُعتدّ بإجماعه (قَالَ: قُلْتُ -وَأَنا فِي سَفَرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) الظرف متعلق بحال محذوف، أي حال كوني كائنًا مع رسول اللَّهﷺ - (وَاللَّهِ لَأرْقُبَنَّ) من باب قتل، يقال: رَقَبتُه أرقُبُهُ:
[ ١٧ / ٣٤١ ]
حَفِظته، فأنا رَقيب، ورَقَبتهُ، وترقّبته، وارتقبته، والرِّقْبة بالكسر اسم منه: انتظرته، قاله في "المصباح"، فيحتمل أن يكون المعنى هنا: لأحفظنّ ما يفعله رسول اللَّه - ﷺ - في صلاته، ويحتمل أن يكون: لأنتظرنّه حتى يفرغ من صلاته، لأحفظ كيفيتها (رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) بالنصب على المفعولية (لِصَلَاةٍ) متعلّق بـ "أرقُبنّ" واللام بمعنى "في"، أو هي للتعليل، أي لأجل صلاة (حَتَّى أَرَى فِعْلَهُ) أي ما يفعله في صلاته (فَلَمَا صَلَّى صَلَاةَ العِشَاءِ، وَهِيَ الْعَتَمَةُ) تقدم أن العتمة اسم للعشاء الأخيرة، فذكره بعد لفظ العشاء، لئلا يُتوهّم أن المراد به المغرب، حيث إنها يطلق عليها العشاء أيضًا، وقد ورد النهي عن التسمية بـ "العتمة"، وورد أيضًا جواز تسميتها به، وقد تقدم الجمع بينهما بأن النهي محمول على الإكثار من التسمية، لا على أصل التسيمية، فراجع ما تقدّم في أبواب الأوقات- ٢٢/ ٥٤٠ و٢٣/ ٥٤١ أو ٥٤٢ - تستفد (اضْطَجَعَ هَوِيًّا) بفتح الهاء، وكسر الواو، وتشديد الياء: أي حينًا طويلًا (مِنَ اللَّيْلِ) بيان للَّهَوِيّ (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فنظَرَ فِي الْأُفُقِ) بضمتين: الناحيةُ من الأرض، ومن السماء، والجمع آفاق، والنسبة إليه أُفُقيّ ردّا إلى الواحد، كما قال ابن مالك -﵀- في "الخلاصة":
وَالوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبَا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ
وربّما قيل: أَفَقِيٌّ بفتحتين، تخفيفًا، على غير قياس، حكاهما ابن السكّيت (^١).
(فقَالَ) أي قرأ رسول اللَّه - ﷺ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] ولعله ما ختم الآيات إلى آخر السورة في تلك الليلة، كما تقدّم في حديث ابن عباس - ﵄ -، حيث قرأ الآيات حتى ختم السورة، أو ختمها، لكن الذي سمع منه ذلك الصحابيّ هذا القدر فقط، واللَّه تعالى أعلم.
(ثم أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِلَى فِرَاشِهِ) أي مَدّ يده إليه، يقال: أهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه، إذا كان عن قُرْب، فإن كان عن بُعْد قيل: هَوَى إليه بغير ألف. قاله في "المصباح"، وقد تقدم نحو هذا (فَاسْتَلَّ مِنْهُ سِوَاكًا) أي أخرجه منه في رفق، قال المجد اللغوي -﵀-: السَّلُّ بالفتح: انتزاعك الشيء، وإخراجه في رفق، كالاستلال انتهى (ثُمَّ أَفْرَغَ فِي قَدَحٍ) بفتحتين: إناء يُرْوِي الرجلين، جمعه أقداح (مِنْ إِدَاوَةٍ) بالكسر: المِطْهرة، جمعها الأدَوَى بفتح الواو (عِنْدَهُ) ظرف متعلق بصفة لـ"إداوة" (مَاء) مفعول "أفرغ"، والمعنى أنه - ﷺ - صبّ ماء من إداوة
_________________
(١) - "المصباح" بزيادة.
[ ١٧ / ٣٤٢ ]
كائنة عنده في قَدَح (فَاسْتَنَّ) بتشديد النون: أي استعمل السواك في الأسنان، والظاهر أنه لم يتوضأ، لأن نومه لا ينقض وضوءه، بل استاك، فقام إلى الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك الاستنان عند الوضوء، فيكون المراد بقوله: "فاستنّ"، أي توضأ مع الاستنان. واللَّه تعالى أعلم.
(ثُم قَامَ، فَصَلَّى، حَتَّى قُلْتُ: قَدْ صَلَّى قَدّرَ مَا نَامَ) غاية لطول صلاته - ﷺ -.
والمعنى أنه - ﷺ - طوّل صلاته إلى أن قدّرت تطويله لها بالوقت الذي نامه، وقد ذكر أنه نام طويلًا، حيث قال: "اضطجع هَوِيّا من الليل"، ومعنى الهَويّ. الحين الطويل (ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى قُلْتُ. قَد نَامَ قَدْرَ مَا صَلَّى) يعني أنه نام طويلًا (ثم اسْتَيْقَظَ، فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي من صبّه الماءَ من الإداوة في القدح، والاستنان (وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ) أي من قراءة الآيات المذكورة (فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثَلَاثَ مَرَّاتِ قَبْلَ الْفَجْرِ) أي كلّ ذلك حصل منه قبل طلوع الفجر .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ١٢/ ١٦٢٦ - وفي "الكبرى" ١٨/ ١٣٢٠ - بالإسناد المذكور، وفي "عمل اليوم والليلة" رقم (٣٠٧) عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحَكَم، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد الْجُمَحيّ، عن ابن أبي هلال، عن الأعرج، عن حميد به، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يخرجه معه غيره. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ما تُفتتح به صلاة الليل، يعني الذكر الذي يتقدمها وهو وإن كان خارجها، إلا أنه وقع قربَ افتتاحها. ومنها: ما كان عليه الصحابة - ﵃ -، من الحرص على تتبع أفعال النبي - ﷺ - في عبادته، حتى يقتدوا به فيها. ومنها: استحباب التأهّب لصلاة الليل بإعداد السواك، والطَّهُور. ومنها: تقسيم أجزاء الليل إلى أقسام، فيجعل بعضه للصلاة، وبعضه للاستراحة، حتى تأخذ النفس حظّها من الراحة، كما جعل الشارع لها ذلك، حيث قال: "فإن لنفسك عليك حقا"، فينبغي إعطاء كل ذي
[ ١٧ / ٣٤٣ ]
حق حقّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…