١٦٢٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا كُنَّا نَشَاءُ، أَنْ نَرَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فِي اللَّيْلِ مُصَلِّيًا، إِلاَّ رَأَيْنَاهُ، وَلَا نَشَاءُ أَنْ نَرَاهُ نَائِمًا، إِلاَّ رَأَيْنَاهُ.
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي الإمام الثبت الحجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (يزيد) بن هارون، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٧] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل البصريّ، ثقة عابد مدلّس [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة، وهو (٨٩) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أنس) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: مَا كُنَّا نَشَاءُ) ولفظ أحمد: "سئل أنس عن صلاة رسول اللَّه - ﷺ - من الليل، فقال: ما كنّا نشاء أن نراه من الليل مصليا إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه نائمًا إلا رأيناه، وكان يصوم من الشهر حتى نقول: لا يفطر منه شيئًا، ويفطر حتى نقول: لا يصوم منه شيئًا".
[ ١٧ / ٣٤٤ ]
وقد ساقه البخاري في "كتاب الصيام"، من "صحيحه" مطوّلًا، من طريق أبي خالد الأحمر، عن حميد، أنه سأل أنسًا - ﵁ - عن صيام النبي - ﷺ -؟، فقال. ما كنتُ أُحبّ أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته، ومن الليل قائمًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته، ولا مَسِستُ خَزّةً، ولا حَريرةً، ألين من كَفّ رسول اللَّه - ﷺ -، ولا شَمِمْتُ مِسْكةً، ولا عَبِيرةً، أطيب رائحةً من رائحة رسول اللَّه - ﷺ - ".
(أَنْ نَرَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فِي اللَّيْل) الجار والمجرور تنازعه "نشاء"، و"نرى" (مُصَلِّيًا) منصوب على الحال (إِلاَّ رَأَيْنَاهُ) أَي مصليًا (وَلَا نَشاءُ، أَن نَرَاهُ نائِمًا، إِلاَّ رَأَيْنَاهُ) أي نائمَا.
ومعنى الحديث أن صلاة النبي - ﷺ -، ونومه ما كانا مخصوصين بوقت دون وقت، بل كانا مختلفين في الأوقات، وكلّ وقت صلّى فيه أحيانًا، نام فيه أحيانًا أخرى.
والحاصل أن صلاته - ﷺ - بالليل، لم يكن لها وقت معين، بحيث يواظب عليه، ولا يتركه، بل كان ينتقل من وقت لآخر بحسب ما يتيسّر له. واللَّه تعالى أعلم.
[فإن قلت:]: هذا الحديث يعارض ما تقدّم في حديث عائشة - ﵂ -: "كان يقوم إذا سمع الصارخ"، فكيف التوفيق بينهما؟
[أجيب]: بأنها أخبرت عما اطلعت عليه، وذلك أن صلاة الليل، كانت تقع منه غالبا في البيت، فأخبرت عما شاهدته في غالب أوقاته، وأخبر أنس - ﵁ - على ما شاهده خارج البيت في بعض الأوقات.
ويؤيّد هذا الجمع ما ثبت في "الصحيح" من قول عائشة - ﵂ -: "من كلّ الليل قد أوتر رسول اللَّه - ﷺ - "، وما سيأتي للمصنف ٣٠/ ١٦٨١ - من قولها: "أوتر رسول اللَّه - ﷺ - من أوله، وآخره، وأوسطه، وانتهى وتره إلى السحر"، فخبرها هذا يوافق خبر أنس - ﵄ -.
فدلّ على أن خبرها الأول محمول على ما كان يفعله في بعض الأحيان، فلا تعارض بين الخبرين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ١٣/ ١٦٢٧ - وفي "الكبرى" -٢١/ ١٣٢٣ - بالإسناد المذكور. واللَّه أعلم.
[ ١٧ / ٣٤٥ ]
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٥ و٣/ ٥٠ (ت) ٧٦٩ وفي "الشمائل" ٢٩٩ (أحمد) ٣/ ١٠٤ و٣/ ١١٤ و٣/ ١٧٩ و٣/ ١٨٢ و٣/ ٢٣٦ و٣/ ٢٥٢ و٣/ ٢٦٤ (عبد بن حميد) ١٣٩٤ و١٣٩٥ (ابن خزيمة) ٢١٣٤ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٢٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ يَعْلَى بْنَ مَمْلَكٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي الْعَتَمَةَ، ثُمَّ يُسَبِّحُ، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَرْقُدُ مِثْلَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِهِ ذَلِكَ، فَيُصَلِّي مِثْلَ مَا نَامَ، وَصَلَاتُهُ تِلْكَ الآخِرَةُ تَكُونُ إِلَى الصُّبْحِ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا تقدم في ٨٣/ ١٠٢٢ - وتقدم الخلاف فيه تصحيحًا وتضعيفًا، وأن الأرجح تصحيحه، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"حجاج" هو ابن محمد الأعوره. و"ابن جريج" هو عبد الملك بن عبد العزيز.
ووالد ابن جريج هو عبد العزيز بن جُريج مولى قريش، لين الحديث [٤].
قال البخاري: لا يُتابع في حديثه، وكذا قال العُقيلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لم يسمع من عائشة، وكذا قال العجليّ، لكن في "مسند" أحمد وغيره التصريح بسماعه منها، من رواية خُصَيف عنه. لكن قالوا: أخطأ خصيف فيه، فصرّح بسماعه (^١)، وقال الدارقطني مجهول، قيل له: هو والد عبد الملك، قال: إن كان هو فلم يسمع من عائشة، يُترك هذا الحديث. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
وقولها: "وصلاته تلك الخ" "صلاته" مبتدأ، واسم الإشارة صفة له، أو بدل، أو عطف بيان، وجملة "تكون" خبره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٢٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَعَنْ صَلَاتِهِ؟، فَقَالَتْ: مَا لَكُمْ وَصَلَاتَهُ؟، كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ
_________________
(١) - "المرعاة" ج ٤ ص ٢٢٢.
[ ١٧ / ٣٤٦ ]
مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ نَعَتَتْ لَهُ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ، قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً، حَرْفًا حَرْفًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث أم سلمة - ﵂ -، وهذا أصحّ من الذي قبله، وقد تقدّم الكلام عليه بالرقم المذكور.
و"يعلي بن مملك" -بوزن جعفر- المكيّ مقبول [٣] ١٣/ ١٠٢٢ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…