قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة جواز البكاء على الميت، فالأحاديث التي أوردها هنا كلها تدلّ على الجواز، وأما الباب التالي، فهو للنهي عنه، كما صرح به هناك، وسيأتي التوفيق بين الأحاديث إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: بَكَى يَبْكِي بُكًى، وبُكَاءً، بالقصر والمدّ، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر بين اللغتين، فقال [من الوافر]:
بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أبكيته، ويقال: بكَيتُهُ، وبكيتُ عليه، وبكيتُ له، وبَكَّيته بالتشديد، وبَكَت السحابةُ: أمطرت انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٤٣ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: لَمَّا حُضِرَتْ بِنْتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - صَغِيرَةٌ، فَأَخَذَهَا
_________________
(١) - "شرح مسلم" ج ٧ ص ١٣.
(٢) - انظر "المصباح" مادة بكى.
[ ١٨ / ٢٦٨ ]
رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَضَمَّهَا (^١) إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَقَضَتْ، وَهِيَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَبَكَتْ أُمُّ أَيْمَنَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يَا أُمَّ أَيْمَنَ أَتَبْكِينَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدَكِ؟». فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَبْكِي؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنِّي لَسْتُ أَبْكِي، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةٌ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الْمُؤْمِنُ بِخَيْرٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ، تُنْزَعُ نَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ، وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ -﷿-».
رجال الإسناد: خمسة:
١ - (هناد بن السريّ) أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو الأحوص) سلاّم بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ الحافظ الثبت [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (عطاء بن السائب) أبو محمدن أو أبو السائب الثقفي، الكوفيّ، صدوق اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣.
٤ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥.
٥ - (ابن عباس) - ﵁ - تقدم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الحبر والبحر، أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن ابْنِ عَبَّاس) - ﵁ - (قَالَ: لَما حُضِرَتْ بِنْتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - صَغِيرَةٌ) لم أعرف اسمها (فَأَخَذَهَا رَسُول اللَّهِ - ﷺ -، فَضَمَّهَا) وفي نسخة "وضمها" بالواو (إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ) وفي نسخة "يديه" بالتثنية (عَلَيْهَا، فَقَضَتْ) أي ماتت. وفي نسخة "فقُبضت". ولأحمد من طريق أبي إسحاق، عن عطاء بن السائب: "جاء النبي - ﷺ - إلى بعض بناته، وهي في السَّوْق، فأخذها، ووضعها في حجره، حتى قُبضت، فدمعت عيناه … الحديث. وفي رواية إسرائيل، عن عطاء: "أتى رسول اللَّه - ﷺ - بعضَ بناته، وهي تَجُود بنفسها، فوقع عليها، فلم يرفع رأسه حتى قُبضت، قال: فرفع رأسه، وقال: الحمد للَّه، المؤمن بخير … الحديث (وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) جملة في
_________________
(١) - وفي نسخة: "وضمها".
[ ١٨ / ٢٦٩ ]
محل نصب على الحال من الفاعل (فَبَكَتْ أُم أَيْمَنَ) حاضنة النبي - ﷺ -، يقال: اسمها بَرَكَة، وهي والدة أسامة بن زيد، ماتت في خلافة عثمان - ﵃ - أجمعين (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:"يَا أُمَّ أَيْمَنَ أتبْكِينَ) استفهام إنكاريّ، أنكر عليها بكاءها حيث كان برفع الصوت، كما يدلّ على ذلك رواية أحمد من طريق سفيان الثوريّ، عن عطاء بن السائب، ولفظه: "أخذ النبي - ﷺ - بنتا له، تَقضِي، فاحتضنها، فوضعها بين ثدييه، فماتت، وهي بين ثدييه، فصاحت أم أيمن … الحديث (ورَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدَكِ؟ ") جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل أيضًا (فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَبْكِي) أي أيُّ شيء ثبت لي في عدم البكاء؟، وقد ثبت مقتضيه، وهو بكاء رسول اللَّه - ﷺ -، كما بينته بقولها (وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَبْكِي؟) الجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إِنِّي لَسْتُ أَبْكِي) أي بكاءً برفع صوت، فالمنفي بكاؤه برفع الصوت، وهو الذي أنكره عليها (وَلَكِنَّهَا رَحْمَةٌ) الضمير لبكائه - ﷺ -، وإنما أنثه باعتبار الخبر. والمراد أن البكاء بلا صِيَاح رحمة، وبصياح منكر، فكأنه قال: بين بكائي وبكائك فرقٌ، فلا يؤخذ حكم أحدهما من الآخر.
وفيه دليل على جواز البكاء بلا صياح، فإن النبي - ﷺ - إنما أنكر على أم أيمن - ﵂ - بكاءها مع الصياح، كما تقدم في رواية أحمد.
وهذا محلّ استدلال المصنف -رحمه اللَّه تعالى- به على الترجمة (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "المُؤمِنُ بِخَيْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) يعني أن أحوال المؤمن كلها خير له، سواء كانت سرّاء، أم ضرّاء، إذ يُثاب على كلّ أحواله، ففي السرّاء يُثاب على شكره، وفي الضرّاء يثاب على صبره.
وهذا في معنى ما أخرجه مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من حديث صهيب - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له" (^١).
(تُنْزَعُ نَفْسُهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي تخرُج روحه (مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ، وَهُوَ يَحْمَدُ اللَهَ -﷿-) أي فهو في هذه الحالة في ثواب عظيم، حيث رضي بقضاء ربّه، ولم يَجزَع، بل حمده على ما أصابه، فوَفَّاه أجرَه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) - راجع "صحيح مسلم" برقم ٢٩٩٩.
[ ١٨ / ٢٧٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته. حديث ابن عباس - ﵄ - هذا صحيح.
فإن قلت: كيف يصح، وفي سنده عطاء بن السائب، وهو مختلط شديد الاختلاط، وقال المصنّف -﵀- في "الكبرى": قال أبو عبد الرحمن: عطاء بن السائب كان قد اختلط، وأثبت الناس فيه سفيان الثوريّ، وشعبة بن الحجّاج انتهى (^١) وأبو الأحوص لم يُعد ممن سمع منه قبل الاختلاط؟.
قلت: لم ينفرد به أبو الأحوص، بل رواه عنه سفيان الثوريّ كما في "مسند أحمد" ١/ ٢٧٣ وهو ممن سمع قبل الاختلاط، وأيضا تابعه أبو إسحاق، (^٢) عند أحمد ١/ ٢٦٨ وإسرائيلُ عنده أيضًا ١/ ٢٩٧ وسعيد بن زيد، أخو حماد بن زيد، كما في "مسند عبد بن حُميد" رقم ٥٩٣.
والحاصل أن حديث عطاء صحيح بما ذكر، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣/ ١٨٤٣ وفي "الكبرى" ١٣/ ١٩٧٠ وأخرجه الترمذيّ "في الشمائل" رقم ٣٢٥ و(أحمد) ٢٤١٢ و٢٤٧٥ و٢٧٠٤ و(عبد بن حميد) ٥٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز البكاء على الميت، لكن بلا صِياح، لإنكار النبي - ﷺ - ذلك على أم أيمن - ﵂ -. ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ -، من كمال الشفقة، والرحمة، كما وصفه اللَّه تعالى بذلك، حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، ومنها: تواضع النبي - ﷺ -، حيث إنه ضم البنت إلى صدره، ووضع يده عليها، فكان ممتثلا أمر ربه له بذلك، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن عياض بن حمار الْمُجَاشِعِيّ - ﵁ - في حديثه الطويل في خطبة النبي - ﷺ -، وفيه: "وإن اللَّه أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد … الحديث. ومنها: النهي عن البكاء على الميت مع الصِّيَاح، وسيأتي الكلام عليه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: عظمة اللَّه تعالى في قلب المؤمن، وشدة محبته له، حيث يَحمَده في السرّاء والضرّاء، فتُنزع روحه في بين جنبيه، وهو يحمده ﷾، وهو المستحقّ لذلك ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ
_________________
(١) - انظر "السنن الكبرى" ج ١ ص ٦٠٦.
(٢) - الظاهر أنه أبو إسحاق الفزاري، فإن المزيّ عدّه ممن روى عنه، ولم يذكر السبيعي. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٢٧١ ]
تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]. واللَّه ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٤٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (^١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، "أَنَّ فَاطِمَةَ بَكَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، حِينَ مَاتَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ، يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي الإمام الحجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة حافظ، تغير في الآخر [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد الصنعاني، تقدم قريبًا.
٤ - (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك - ﵁ - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن فيه ثابتًا -﵀- تعالى ممن لازم أنسًا - ﵁ - أربعين سنة. ومنها: أنه فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو أكثر الصحابة خدمة لرسول اللَّه - ﷺ -، خَدَمَهُ عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو سنة (٩٣) وقد جاوز مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ - (أَنَّ فَاطِمَة) الزهراء بنت رسول اللَّه - ﷺ -، و- ﵂ - (بَكَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أي لأجل موته. وفي رواية البخاري من طريق حماد بن زيد، عن ثابت: لما ثَقُل النبي - ﷺ - جعل يتغشّاه، فقالت فاطمة - ﵍ -: واكرب أباه، فقال: "ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم"، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه … الحديث (حِينَ مَاتَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ) أصله: يا أبي، والمثناة الفوقانية بدل من التحتانيّة، والألف للندبة، ولمدّ الصوت، والهاء للسكت (مِنْ رَبِّهِ) متعلّق بـ "أدناه" مقدّرًا، لأن معمول فعل التجب لا يتقدم عليه، وبالأحرى على "ما" التعجبيّة، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَفِعلُ هَذَا الْبَابِ لَنْ يُقَدَّمَا … مَعمُولَهُ وَوَصْلَهُ بِهِ الْزَمَا
(مَا أَدْنَاهُ) "ما" تعجّبيّة، أي أيُّ شيء جعله قريبًا من ربه تعالى، تعجّبت استعظاما
_________________
(١) وفي نسخة: "أنبأنا".
[ ١٨ / ٢٧٢ ]
لرفعة منزلته عند اللَّه تعالى، حيث إنه اختاره للرفيق الأعلى، وقد وعده اللَّه تعالى أن يجعل له الآخرة خيرًا من الدنيا، حيث قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]، ولذا قال لها: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" (يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ) بنون الجماعة، وفي "الكبرى": "أنعاه" بهزة المتكلّم، وهو مضارع نعى الميَت يَنعَاه نَعْيًا بسكون العين، ونَعِيّا بكسرها، وتشديد الياء. إذا أخبر بموته. وقيل: الصواب "إلى جبريل نعاه" -أي بصيغة الماضي- جزم بذلك سبط ابن الجوزيّ في "المرآة"، قال الحافظ: والأولى موجّه، فلا معنى لتغليط الرواة بالظنّ انتهى (^١) (يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِردَوْسِ مأْوَاهُ) وفي رواية البخاريّ: "مَنْ جنةُ الفردوس مأواه". قال في "الفتح": بفتح الميم في أوله على أنها موصولة، وحكى الطيبيّ عن نسخة من "المصابيح" بكسر الميم على أنها حرف جرّ، قال: والأول أولى.
زاد البخاريّ في روايته السابقة: "فلما دُفِن قالت فاطمة - ﵍ -: يا أنس أطابت أنفسكم أن تَحْثُوا على رسول اللَّه - ﷺ - التراب".
قال في "الفتح": وهذا من رواية أنس، عن فاطمة، وأشارت - ﵍ - بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك، لأنه يدلّ على خلاف ما عرفته منهم، من رقّة قلوبهم عليه لشدّة محبتهم له، وسكت أنس عن جوابها، رعاية لها، ولسانُ حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك، إلا أنا قَهَرناها على فعله امتثالا لأمره.
وقد قال أبو سعيد فيما أخرجه البزّار بسند جيّد: "وما نَفَضنا أيدنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا". ومثله في حديث ثابت، عن أنس عند الترمذيّ وغيره، يريد أنهم وجدوها تغيّرت عما عهدوه في حياته، من الأُلْفَة، والصفاء، والرِّقّة، لفقدان ما كان يُمدّهم به من التعليم، والتأديب. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣/ ١٨٤٤ - وفي "الكبرى" ١٣/ ١٩٧١ - وأخرجه (خ) ٤٤٦٢ (ق) ١٦٢٩ و١٦٣٠ (أحمد) ١٢٠٢٦ و١٢٦١٩ (الدارمي) ٨٧ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز البكاء على الميت، إذ لو كان
_________________
(١) - "فتح" ج ٨ ص ٤٩٨.
(٢) - "فتح" ج ٨ ص ٤٩٨ - ٤٩٩.
[ ١٨ / ٢٧٣ ]
ممنوعًا لحذّرها النبي - ﷺ - حين توجّعت بقولها: "واكرب أباه"، ولأنها - ﵂ - بكت عليه - ﷺ - بعد موته، ولم ينكر الصحابة - ﵃ - ذلك عليها. ومنها: جواز التوجّع للميت عند احتضاره بمثل قول فاطمة - ﵂ - "واكرب أباه"، وأنه ليس من النياحة المحرّمة، لأنه - ﷺ - أقرّها على ذلك. ومنها: أن قولها بعد أن قُبض: "وا أبتاه الخ" يؤخذ منه -كما قال الحافظ- أن تلك الألفاظ إذا كان الميت متّصفًا بها لا يُمنع ذكره لها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهرًا، وهو في الباطن بخلافه، أو لا يتحقّق اتصافه بها، فيدخل في المنع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٤٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَبْكِى، وَالنَّاسُ يَنْهَوْنِي، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَنْهَانِي، وَجَعَلَتْ عَمَّتِى تَبْكِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَبْكِيهِ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ».
رجال الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن يزيد) أبو بُرَيد الجَرْميّ البصريُّ، صدوق [١١] ٠٠/ ١٣٠.
٢ - (بهز بن أسد) العميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري الإمام الحافظ الحجة [٧] ٢٤/ ٢٦.
والباقيان تقدما في الباب الماضي.
وقوله: "ينهوني" بنون واحدة، وكذا عند البخاريّ، وفي رواية الكُشميهني "ينهونني" بنونين، إحداهما نون الرفع، والثانية نون الوقاية، وهو واضح، ووجه الأول أنه حذف منه إحدى النونين، والصحيح أن المحذوف نون الرفع، لأنه عُهد حذفها لغير ذلك، ولأنها نائبة عن الضمّة التي تحذف تخفيفا (^١).
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الباب الماضي. وموضع الاستدلال للترجمة قوله: "ورسول اللَّه - ﷺ - لا ينهاني"، حيث أقرّه على البكاء على أبيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) - راجع "حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ج١ ص٨٠.
[ ١٨ / ٢٧٤ ]