١٨٤٦ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ (^١) بْنِ عَتِيكٍ، أَنَّ عَتِيكَ بْنَ الْحَارِثِ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو أُمِّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ جَابِرَ (^٢) بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ، فَصَاحَ بِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَالَ: «قَدْ غُلِبْنَا عَلَيْكَ أَبَا الرَّبِيعِ». فَصِحْنَ النِّسَاءُ، وَبَكَيْنَ، فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ، يُسَكِّتُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ، فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ»، قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمَوْتُ». قَالَتِ ابْنَتُهُ: إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا، قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «فَإِنَّ اللَّهَ -﷿-، قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَيْهِ، عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟». قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ، سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُتْبَة بن عبد اللَّه بن عُتبة) أبو عبد اللَّه المروزيّ، صدوق [١٠] ٨١/ ٩٨.
٢ - (مالك) إمام دار الهجرة، تقدم قريبا.
٣ - (عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جابر بن عتيك) وقيل: ابن جبر بن عَتيك، الأنصاريّ المدنيّ، وقيل: إنهما اثنان، والصحيح أنه رجل واحد، وقع الخلاف في اسم جدّه، ثقة [٤].
قال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: ثقة، قلت له: عبد اللَّه أحبّ إليك، أو موسى الجُهَنيّ؟ قال: عبد اللَّه أحبّ إليّ. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث، وتقدّمت ترجمته في ٥٩/ ٧٣.
٤ - (عَتِيك (^٣) بن الحارث) بن عَتِيك الأنصاريّ المدنيّ، مقبول، ذكره ابن حبّان في "الثقات" [٤] انفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
_________________
(١) - وفي نسخة: "ابن جبر".
(٢) وفي نسخة: "جبر".
(٣) - بفتح أوله، وكسر ثانيه، وآخره كاف.
[ ١٨ / ٢٧٥ ]
٥ - (جابر بن عَتيك) بن قيس بن الأسود الأنصاريّ، يقال: إنه شهد بدرًا، ولم يثبت، وشهد ما بعدها. رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعنه ابناه يوسف، وعبد الرحمن، وابن أخته عَتِيك بن الحارث بن عتيك. ذكر ابن عبد البرّ أنه شهد بدرًا، وكان معه راية بني معاوية عام الفتح.
وقال ابن إسحاق: جابر بن عتيك، وقيل: جبر بن عتيك شهد بدرًا، وكذا قال موسى بن عُقبة، وأبو معشر الطبريّ، وغيرهم. توفي سنة (٦١) وهو ابن (٩١) سنة.
رَوَى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه وله عند المصنف حديثان فقط: هذا، و٢٥٥٨ حديث: "إن من الغيرة ما يحب اللَّه … ". واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -﵀-. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن جده، وتابعي، عن تابعيّ. ومنها: أن صحابيه قليل الرواية، فليس له إلا ثلاثة أحاديث، حديث الباب عند المصنف، وأبي داود، وابن ماجه، وحديث: "إن من الغيرة ما يحب اللَّه … " الحديث عند المصنف، وأبي داود، وحديث: "سيأتيكم ركب مبغضون … " الحديث عند أبي داود فقط. راجع "تحفة الأشراف". جـ ٢ ص ٤٠٢ - ٤٠٣. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ اللَّهِ) بالتكبير فيهما، وهذا مما توافق فيه الاسم واسم الأب (ابْن جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ) بفتح المهملة، وكسر الفوقانيّة، آخره كاف الأنصاريّ المدنيّ (أَنَّ عَتِيكَ بْنَ الْحَارِثِ، وَهُو) أي عتيك (جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ) الراوي عنه (أَبُو أُمِّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيك) - ﵁ - (أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ) ولفظ "الموطإ" "أن رسول اللَّه" (- ﷺ - جَاءَ يَعُودُ عَبدَ اللَّهِ بنَ ثَابِتِ) بن قيس الأنصاريّ الأوسي، ويقال: إنه ظَفَريّ، مات في العهد النبويّ، وقال الواقديّ، وابن الكلبيّ: هو عبد اللَّه بن عبد اللَّه، له، ولأبيه صحبة، قال الكلبيّ: كفّنه - ﷺ -، في قميصه، وعاش الأب إلى خلافة عمر - ﵁ -، وكانا جميعًا شهدا أحدًا، وكذا قال الطبريّ، وابن السكنِ، وآخرون، وقال بعضهم: إنه أخو خُزيمة بن ثابت. كذا في "الإصابة" (فوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، أي غَلَبه الوجع، وشدّته حتى منعه من إجابة النبي - ﷺ - (فَصَاحَ بِهِ) أي ناداه رافعا صوته حتى يسمعه (فَلَمْ يُجِبْهُ) لغلبة المرض عليه (فَاستَرجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي قال: "إنا للَّه، وإنا إليه راجعون"، عملًا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، (وَقَالَ) - ﷺ - ("قَد غُلِبْنَا عَلَيكَ) قال الباجي: يحتمل أنه أراد التصريح بمعنى استرجاعه، وتأسّفه. وقال السنديّ -﵀-: أي تقديره تعالى غالب علينا في موتك،
[ ١٨ / ٢٧٦ ]
وإلا فحياتك محبوبة لدينا لجميل سعيك فى الإسلام والخير انتهى (^١) ("أَبَا الرَّبِيع") بحذف حرف النداء، أي يا أبا الربيع، وهو كنية عبد اللَّه بن ثابث - ﵁ - (فَصِحْنَ النِّسَاءُ) بكسر الصاد المهملة، أي صَرَخْنَ، يقال: صاح بالشيء يَصِيح به صَيْحَةً، وصِيَاحًا: صَرَخَ. قاله في "المصباح". وفي نسخة: "فصحن النسوة".
وفيه إلحاق نون النسوة مع إسناد الفعل للظاهر، وهو لغة "أكلوني البراغيث"، ولغة الأكثرين "فصاح النساء"، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعِ كَفَازَ الشُّهَدَا
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ للظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
(وَبَكَيْنَ، فَجَعَل) أي شَرَعَ (ابْنُ عَتِيكِ) وهو جابر المتقدّم (يُسَكِّتُهُنَّ) أي يأمرهنّ بالسكوت، لكونه سمع النهي عن البكاء، فحمله على عمومه (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: دَعْهُنَّ) أي اتركهنّ يبكين حتى يموت (فَإِذَا وَجَبَ) أي مات، فيه أن النهي عن البكاء يكون بعد الموت، لا في قربه، وفي نسخة: "فإذا وجبت"، فيكون الضمير للمصيبة: أي نزلت المصيبة (فَلَا تبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ) أي امرأة باكية، وخصّ المرأة لغلبة البكاء عليها، أو المراد نفس باكية، فيعمّ الرجال أيضًا، أي لا ترفع صوتها بالبكاء، أما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحة ذلك في كلّ وقت، وعليه جماعة العلماء، كما قاله الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-.
وقال الباجيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أشار به -واللَّه أعلم- إلى بكاء مخصوص، وهو ما جَرَت به العادة، من الصِّيَاح، والدعاء بالويل والثبور، وفي الحديث: "إن اللَّه لا يُعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذّب بهذا، أو يرحم، وأشار إلى لسانه" انتهى (قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي ما المراد بالوجوب في قولك: "وجب"؟ (قَالَ) - ﷺ - ("الْمَوْتُ") ولفظ "الموطإ": قال: "إذا مات"، قال الحافظ أبو عمر -﵀-: فأظنّ ذلك -واللَّه أعلم- مأخوذا من وجب الحائط: إذا سقط، وانهدم انتهى (^٢) (قَالَتِ ابْنَتُهُ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو) إن مخفّفة من الثقيلة، أي إني كنت، واللام هي الفارقة بين "إن" المخففة، والشرطية، كما قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
(أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا، قد كُنْتَ قَضَيْتَ) أي أتممت. ولفظ "الموطإ": "فإنك كنت
_________________
(١) - "شرح السنديّ" ج ٤ ص ١٣.
(٢) - "التمهيد" بتصرف ج ١٩ ص ٢٠٤.
[ ١٨ / ٢٧٧ ]
قضيت"، وهو في قوة التعليل، أي لأنك كنت قضيت، والخطاب لأبيها (جَهَازَكَ) بفتح الجيم وقد تُكسر: أي ما تحتاج إليه في سفرك للغزو. وقال الفيّومي -﵀-: جَهَازُ السفر: أُهْبَته، وما يُحتاج إليه في قطع المسافة بالفتح، وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الآية [يوسف: ٧٠]، والكسر لغة قليلة، وجَهَاز العَرُوس باللغتين أيضًا انتهى.
وقال السنديّ: والمراد تمّمت جهاز آخرتك، وهو العمل الصالح بالموت انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ -﵀- فيه بعد، بل الأقرب أن المراد جهاز الغزو، أي إنك تأهبت للغزو في سبيل اللَّه تعالى، ولمن سبقك الموت. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "فَإِن اللَّهَ -﷿-، قَد أَوْقَعَ أَجْرَهُ) أي أثبت، وأوجب بمقتضى وعده الذي لا يُخلفه، حيث وعد بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية [التوبة: ٧٢]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]، (عَلَيْهِ) أي على عمله، فهو متعلّق بـ "أجره"، أو على ذاته، فهو متعلّق بـ "أوقع" (عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ) أي مقدار العمل الذي نواه، فالنيّة بمعنى المنويّ، ويحتمل أن له من الأجر بقدر ما يجب لنيته، وهذا أظهر من جهة اللفظ، والأول أظهر من جهة المعنى، لأن القصد أن يُخبِر أن ما نواه لم يفته، ولو لم يكن له من الأجر إلا بقدر النيّة لَمَا كان لابنته في ذلك راحة. قاله الباجي (^١).
(وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟) "ما" استفهامية، أي كم تعدّون أسباب الشهادة؟ (قَالُوا: الْقَتْلُ
فِي سَبِيل اللَّهِ -﷿-، قَالَ) وفي "الموطإ" "فقال" (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) زاد ابن ماجه من حديث أبَي هريرة، ومن وجه آخر من حديث جابر بن عَتيك نفسِهِ: "إن شهداء أمتي إذن لقليل" (الشَّهَادَةُ سَبْعٌ) اختُلف في سبب تسمية الشهيد شهيدًا، فقال النضر بن شُميل: لأنه حيّ، فكأن أرواحهم شاهدة، أي حاضرة. وقال ابن الأنباريّ: لأن اللَّه وملائكته يشهدون له بالجنّة. وقيل: لأنه يَشهد عند خروج روحه ما أُعِدّ له من الكرامة. وقيل: لأنه يُشهَد له بالأمان من النار. وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا. وقيل: لأنه لا يشهده عند الموت إلا ملائكة الرحمة. وقيل: لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل. وقيل: لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة. وقيل: لأن الأنبياء تشهد له
_________________
(١) - راجع "شرح الزرقاني إلى الموطإ" ج ٢ ص ٧٢.
[ ١٨ / ٢٧٨ ]
بحسن الاتباع. وقيل: لأن اللَّه يشهد له بحسن نيته وإخلاصه. وقيل: لأنه يُشاهد الملائكة عند احتضاره. وقيل: لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا، ودار الآخرة.
وقيل. لأنه مشهود له بالأمان من النار. وقيل. لأن عليه علامة شاهدة بأنه قد نجا.
قال الحافظ: وبعض هذه يختصّ بمن قُتل في سبيل اللَّه، وبعضها يعمّ غيره، وبعضها قد يُنازع فيه. انتهى.
(سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-) وقد ثبت في "صحيح البخاريّ" وغيره من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "الشهداء خمسة … " فقيل: نسي بعض رواتها باقي السبع. قال الحافظ -﵀-. وهو بعيد، لكن يقرّبه أن مسلما روى من حديث أبي هريرة شاهدًا لحديث جابر بن عتيك هذا، وزاد فيه، ونقص، فمن زيادته: "ومن مات في سبيل اللَّه فهو شهيد"، والذي يظهر أنه - ﷺ - أُعلِم بالأقلّ، ثم علم زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك.
وقد اجتمع لنا من الطرق الجيّدة أكثر من عشرين خصلة، وتبلغ بطرق فيها ضعف أزيد من ذلك انتهى كلام الحافظ بتصرّف.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ألف الحافظ جلال الدين السيوطي -﵀- تعالى رسالةً سماها "أبواب السعادة في أسباب الشهادة" جَمَعَ فيها ما ورد من الأحاديث في أسباب الشهادة، وقد نظمتها في أرجوزة سميتها "إتحاف أهل السعادة بمعرفة أسباب الشهادة"، وهاك نصّها:
يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ سُبْحَانَهُ … مُحَمَّدٌ مُسْتَمْنِحًا غُفْرَانَهُ
حَمْدًا لِمَنْ قَدْ مَنَحَ الشَّهَادَهْ … لِمِنْ يَشَاءُ مِنْ ذَوِي السَّعَادَهْ
ثم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَرمَدَا … عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفى مُحَمَّدَا
وَآلِهِ وَصَحبِهِ الْكِرَام … وَالتَّابِعِينَ سُبُلَ السَّلَامِ
وَبَعْدَهُ فهَذِهِ إِفَادَهْ … لِمَنْ أَرَادَ طُرُقَ الشَّهَادَهْ
نَظَمْتُهَا مِمَّا السُّيُوطِي جَمَعَهْ … لِيَسْهُلَ الْحِفْظُ لِمَنْ لَهُ سَعَهْ
سَمَّيْتُهَا إِتْحَافَ ذِي السَّعَادَهْ … بِذِكْرِ مَا يُوصِلُ لِلَّشَّهَادَهْ
وَأَسْاَلُ اللَّهَ الْقَبُولَ وَالرِّضَى … وَالْخَتْمَ بِالْحُسْنَى إِذَا الْعُمْرُ انْقَضَى
مِنْهَا الشَّهَادَةُ لِمَبْطُونِ تُرَى … وَالتَّاجِرِ الصَّدُوقِ نِعْمَ مَتْجَرًا
وَالْحَرْقُ وَالْحُمَّى وَذَا قَدْ ضُعِّفَا … وَمَنْ مِنَ المَرْكُوبِ صَرْعُهُ وَفَا
[ ١٨ / ٢٧٩ ]
وَمَنْ دَعَا بِدَعوَةٍ لِيُونُسِ … عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَدَّ النَّفَسِ
وَرجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامِ … ذِي الْجَوْرِ آمِرًا بِأمْرٍ سَامِي
وَالسِّلُّ (^١) وَالشَّرِيقُ وَالشَّهِيدُ … أيْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نِعْمَ الْعِيدُ
صَاحِبُ ذَاتِ الْجَنبِ أَوْذو الْهَدْمِ … وَالطَّعْنُ وَالطَّاعُونُ خُذْ بِالْفَهْمِ
كَذَا الْغَرِيبُ وَالْحَدِيثُ ضُعِّفَا … وَلِلْغَرِيقِ ثَابِتٌ فَلْتَعْرِفَا
وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ ذَالَهُ … أَكْرِمْ بِشَأْنِهِ وَفَضْلٍ نَالَهُ
كَذَلِكَ الْمَلْدُوغُ وَالْمُؤَدِّي … زَكَاتَهُ عَن طِيبِ نَفْسٍ تُهْدِي
وَمَن تَرَدَّى مِنْ جِبَالِ أَوْعَدَا … عَلَيْهِ سَبْعٌ فَرَمَاهُ بِالرَّدَى
وَمَنْ إِلَى مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ … قَدْ جَلَبَ الطَّعَامَ لامْتِيَارِ
وَمَنْ لَهُ السُّلْطَانُ ظُلمًا حَبَسَا … أَوْمَاتَ بِالضَّرْبِ فَمَا بِهِ أَسًى
وَمَنْ بِصِدْقٍ طَلَبَ الشَّهَادَهْ … يُعْطَى وَإنْ يَمُتْ عَلَى الْوِسَادَهْ
كَذَاكَ مَنْ سَعَى عَلَى الْعِيَالِ … بِسَنَدٍ وَاهِ فَلَا تُبَالِي
وَامْرَأَةٌ غَيْرَى صَبُورٌ إنْ وفَتْ … فَإِنَّهَا أَجْرَ الشَّهِيدِ وُعِدَتْ
وَامْرَأَةٌ مَاتَتْ بِجُمعٍ أَيْ وَلَدْ … فِي بَطْنِهَا وَقِيلَ بِكْرٌ خُذْ تُفَدْ
كَذَاكَ مَنْ صَلَّى الضُّحَى وَصَامَا … ثَلَاَثةً وَالوِتْرَ قَدْ أَدَامَا
كَذَاكَ مَنْ عَاشَ مُدارِيًا وَلَمْ … أَعْرِفْ حَدِيثَهُ بِصِحَّةِ تُؤَمُّ
وَمَنْ يَمُتْ بِعِشْقِهِ إِذَا كَتمْ … وَعَفَّ وَالْحَدِيثُ بِالضَّعْفِ اتَّسَمْ
وَمَنْ يَقُلْ كُلَ صَبَاحِ وَمَسَا … "أَعُوذُ بِاللَّهِ السميع" ذَا ائْتِسَا
مَعَ قِرَاءةِ انْتِهَاءِ الْحَشْرِ … فَإِنَّ ذَا لَهُ تَمَامُ الأَجْرِ
كذَاكَ مَا أَخْرَجَ الأَصْبَهَانِي … إِنْ صَحَّ فَاحْفَظْهُ بِلَا تَوَانِ
وَمَنْ يَقُلْ بَارِكْ لِيَ الْمَوْتَ وَمَا … بَعْدَهُ عِشْرِينَ مَعَ الْخَمْسِ نَمَا
فَمَاتَ فِي الفِرَاشِ لَكِنِ الْخَبَرْ … مَا صَحَّ فِي هَذَا فَلَا تُلْقِ النَّظَرْ
_________________
(١) - السلّ بكسر السين، والضم، وكغُرَاب؛ وتشديد اللام: قُرحة تحدث في الرئة، إما تُعقب ذات الرئة، أو ذات الجنب، أو زكام، ونَوازل، أو سعال طويل، وتلزمها الحمّى هادية اهـ "ق".
[ ١٨ / ٢٨٠ ]
كذَاكَ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِي مِائَهْ … وَفِيهِ مَجْهُولٌ فَكُنْ خَيْرَ الْفِئَهْ
كَذَاكَ مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ … أَوْ دَمِهِ أَوْ دِينهِ أَوْ مَالِهِ
أَو دُونَ مَظْلِمَتِهِ أَو لَدَغَتْ … أَفْعَى وَلَكِنِ الْحَدِيثُ مَا ثَبَتْ
وَمَن تَلَا الْحَشْرَ لَدَى الْمَنَامِ … وَمَاتَ وَالْمَلْدوغُ مِن هَوَامِ
وَمَن عَلَى فِرَاشِهِ قَد مَاتَ فِي … حَالَةِ غَزْوِهِ يَنعَمَ الْمُقْتَفي
وَمَنْ يَمُتْ بِمَرَض وَعُلِّلَا … حَدِيثُهُ أَوْ فِيهِ تَصْحيفٌ جَلَا
مِن قَولِهِ مُرَابِطًا وَإِنْ يَمَتْ … فِي طَلَبِ الْعِلمِ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ
وَمَوتُ جُمْعَةٍ إِذَا صَحَّ كَذَا … مَوْقُوصُ مَرْكُوبٍ إِذَا مَاتَ بِذَا
مَوْتُ الْمُسَافِرِ وَمَائِدٌ لَدَى … بَحْرٍ مَعَ الْقَيءِ فَخُذْ نِلْتَ الْهُدَى
وَالْمُتَمَسكُ بِسُنَّةِ الْهُدَى … عِندَ فَسَادِ النَّاسِ نِعْمَ الْمُقْتَدَى
وَحَامِلٌ لِلْوَضْعِ وَالْفِصَالِ … فَكَا الْمُرَابِطِ لِحُسْنِ الْحَالِ
وَمَنْ يَمُتْ مُرَابِطًا مُؤَذِّنُ … مُحْتَسِبٌ لَكِنَّ ذَا مُوَهَّنُ
وَالنُّفَسَاءُ ذَا لَهَا قَدْ وَرَدَا … وَنَسْأَلُ الإِلَهَ حَظَّ الشُّهَدَا
وَيَجْعَلَ الْفِردَوْسَ أَعْلَى الجَنَّهْ … مَنْزِلَنَا فَضْلًا لَهُ وَمِنَّهْ
وَالْحَمْدُ لِلهِ تَعَالَى وَحْدَهُ … يُولِي الشَّهَادَةَ بِيُسْرٍ عَبْدَهُ
ثُمَّ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أَبَدَا … عَلَى رَسُولِ اللَّهِ خَيْرِ الشُّهَدَا
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَكَارِمِ … أَهْلِ التُّقَى والْفَضْلِ وَالْمَرَاحِمِ
مَا اشْتَاقَ مُؤمِنٌ إِلَى الْجِهَادِ … وَفَازَ بِالْفِردَوْسِ بِاسْتِشْهَادِ
أَبْيَاتُهَا خَمْسُونَ يَارَبِّ انْفَعَا … بِهَا جَمِيعَ الْمُقْبِلِينَ الرُّفَعَا
وَاختِمْ لَنَا بِالْخَيْرِ وَالْعِبَادَهْ … وَاكْتُبْ لَنَا الْحُسْنَى مَعَ الزِّيَادَهْ
[تنبيه]: قال ابن التين -﵀-: هذه كلّها مِيتَاتٌ (^١)، فيها شدّةٌ، تفضّل اللَّهُ على أمة محمد - ﷺ - بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلّغهم بها مراتب الشهداء.
_________________
(١) -بكسر الميم الهيئة من الموت.
[ ١٨ / ٢٨١ ]
وقال الحافظ -﵀-: والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواءً، ويدلّ عليه ما روى أحمد، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث جابر، والدارميّ، وأحمد، والطحاويّ من حديث عبد اللَّه بن حُبْشيّ، وابن ماجه من حديث عمرو بن عَبَسَةَ: "أن النبي - ﷺ - سُئل أيّ الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جواده، وأُهريق دمه". ورَوَى الحسن ابن عليّ الحلوانيّ في "كتاب المعرفة" له بإسناد حسن، من حديث علي بن أبي طالب، قال: "كلّ موتة يموت بها المسلم، فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل" (^١).
قال: ويتحصّل مما ذُكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا، وهو من يُقتل في حرب الكفار مقبلًا، غير مدبر، مخلصًا، وشهيد الآخرة، وهو من ذُكر، بمعنى أنهم يُعطَون من جنس أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا.
وفي حديث العرباض بن سارية - ﵁ - عند أحمد، والنسائيّ، قال: سمعت النبي - ﷺ -، يقول: "يختصم الشهداء، والْمُتَوَفَّون على فرشهم، إلى اللَّه -﷿-، في الذين ماتوا من الطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قُتلوا، ويقول المتوفَّون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقضي اللَّه -﷿- بينهم، أن انظروا إلى جراحات المُطَّعَنِين، فإن أشبهت جراحات الشهداء، فهم منهم، فينظرون إلى جراح المطَّعَنين، فإذا هم قد أشبهت، فيلحقون معهم". هذا لفظ أحمد، وله من حديث عُتبة بن عبد نحوه.
وإذا تقرر ذلك، فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل اللَّه مجازًا، فيَحتجّ به من يُجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يُجيب بأنه من عموم المجاز، وقد يطلق الشهيد على من قُتل في حرب الكفّار، لكن لا يكون ذلك في حكم الآخرة، لعارض يمنعه، كالانهزام، وفساد النيّة. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ بتصرّف (^٢).
(الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ) أي الذي قتله الطاعون، وقد جاء مفسَّرًا فيما أخرجه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"، من طريق شعبة، عن زياد بن عِلاقة، قال: حدثني رجل
_________________
(١) - أورده الحافظ ابن عبد البرّ في "التمهيد"، فقال: وذكر الحلوانيّ في "كتاب المعرفة" قال: حدثنا أبو عليّ الحنفيّ، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعته يقول: قال عليّ بن أبي طالب: "من حبسه السلطان، وهو ظالم له، فمات في محبسه ذلك، فهو شهيد، ومن ضربه السلطان، ظالما له، فمات من ضربه ذلك، فهو شهيد، وكلّ ميتة يموت بها المسلم، فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل". انتهى "التمهيد" ج ١٩ ص ٢٠٩.
(٢) - راجع "الفتح" ج ٦ ص ٥٢ طبعة الريان.
[ ١٨ / ٢٨٢ ]
من قومي، قال شعبة: قد كنت أحفظ اسمه، قال: كنا على باب عثمان - ﵁ -، ننتظر الإذن عليه، فسمعتُ أبا موسى الأشعري، يقول: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "فناء أمتي بالطعن، والطاعون"، قال: فقلنا: يا رسول اللَّه، هذا الطعن، قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: "طعن أعدائكم من الجن، وفي كلٍّ شهادة". قال زياد: فلم أرض بقوله، فسألت سيد الحي، وكان معهم، فقال: صدق، حدثناه أبو موسى (^١).
وأخرج أيضًا من طريق أبي بكر النَّهْشَلي، قال: ثنا زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: خرجنا في بضع عشرة، من بني ثعلبة، فإذا نحن بأبي موسى، فإذا هو يحدث، عن رسول اللَّه - ﷺ -، قال: "اللَّهم اجعل فناء أمتي في الطاعون … " فذكره.
وعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إن فناء أمتي بالطعن، والطاعون"، قال: أما الطعن، فقد عرفناه، فما الطاعون؟، قال: "غُدَّةٌ كغدّة البعير، تخرج في المرَاقّ، والآباط، من مات منه مات شهيدًا". أخرجه أحمد، والطبراني في "الأوسط" وأبو نعيم في "الطبّ".
(وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ) اسم مفعول، من بُطِنَ بالبناء للمفعول: أي عليل البطن. وقال ابن الأثير -﵀-: هو الذي يموت بمرض بطنه، كالاستسقاء، ونحوه وفى "كتاب الجنائز" لأبي بكر المروزيّ، عن شيخه شُريح أنه صاحب القولنج انتهى (^٢) (وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الراء: الذي يموت غريقًا في الماء (وَصَاحِبُ الْهَدَمِ شَهِيدٌ) "الهدم" بالتحريك: ما تهدّم من جوانب البئر، فسقط فيها. قاله في "ق"، وفي "المصباح": "الهدم" بفتحتين: ما تهدّم، فسقط انتهى.
والمراد هنا الذي يموت بسبب انهدام البيت ونحوه عليه (وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ) هو مرض معروف، وهو وَرَم حارّ، يَعرِض في الغشاء المستبطن للأضلاع، ويقال: هو الشَّوصَة (^٣) وفي "النهاية": "ذات الجنب": هي الدُّبَيلَة (^٤)، والدُّمّلة الكبيرة التي تظهر في باطن الجَنْب، وتنفجر إلى داخل، وقلّما يَسلَم صاحبها، و"ذو الجَنْب":
_________________
(١) - حديث صحيح.
(٢) - انظر شرح الزرقاني على "الموطإ" ج ٢ ص ٧٢. وقال في "ق": "القُولَنْجُ" وقد تُكسر لامه،، أو هو مكسور اللام، ويفتح القاف، ويضمّ: مرضٌ مِعَوِيٍّ مؤلمٌ، يعسُر معه خرجُ الثُّفْل والريح اهـ في مادة ق ل ن ج.
(٣) - "الشَّوْصة" بفتح، فسكون، وقد يضمّ أوله: وجعٌ في البطن، أو ريحٌ، تَعتَقب في الأضلاع، أو وَرَمٌ في حجابها من داخل، واختلاجُ العرق. اهـ "ق".
(٤) - الدُّبيلة كجُهَينة: داء في الجوف، كالدبلة بالضمّ والفتح. اهـ "ق".
[ ١٨ / ٢٨٣ ]
الذي يشتكي جَنْبه بسبب الدُّبَيلة، إلا أن "ذو" للمذكّر، و"ذات" للمؤنّث، وصارت "ذات الجنب" علما لها، وإن كانت في الأصل صفةً مضافةً انتهى (^١) (وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ) بالتحريك: النار، أو لَهَبُهَا. قاله في "ق". وفي "المصباح": والحرق بفتحتين: اسم من إحراق النار، ويقال: النار بعينها انتهى. والمعنى هنا صاحب الاحتراق بالنار (وَالمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعِ شَهِيدَةٌ") بضم الجيم، وتفتح، وتكسر، وسكون الميم: المرأة التي ماتت في النفاس، وولدها في بطنها، لم تلده، وقد تَمّ خلقه، وقيل: هي التي تموت من الولادة، سواء ألقت ولدها، أم لا، وقيل: هي التي تموت عذراء، والأول أشهر وأكثر، وقيل: التي ماتت في مزدلفة، قال الحافظ: وهو خطأ ظاهر انتهى. وفي "ق": وماتت بجمع مثلّثةٌ: عذراء، أو حاملًا، أو مُثْقَلَةً.
وفي "النهاية": "الجُمْع" بالضم بمعنى المجموع، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها، غيرِ منفصل عنها، من حمل، أو بكارة انتهى.
وقال الحافظ أبو عمر -﵀-: وأما قوله: "المرأة تموت بجمع" ففيه قولان، لكل واحد منهما وجهان:
أحدهما: هي المرأة تموت من الولادة، وولدها في بطنها، قد تمّ خلقه، وماتت من النفاس، وهو في بطنها، لم تلده، قال أبو عُبيد: الْجُمْع التي في بطنها ولدها، وقيل: إذا ماتت من الولادة، فسواء ماتت، وولدها في بطنها، أو ولدته، ثم ماتت بإثر ذلك.
والقول الآخر: هي المرأة تموت عَذْرَاء، لم تنكح، ولم تفتضّ، وقيل: هي المرأة تموت، ولم تُطمَث، والمعنى واحد، لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤]، أي لم يطأهنّ، والقول الأول أشهر وأكثر. واللَّه أعلم. انتهى باختصار (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عَتِيك - ﵁ - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ١٨٤٦ و٤٨/ ٣١٩٤ و٣١٩٥. وأخرجه (د) ٣١١١ (ق) ٢٨٠٣ (مالك في الموطإ) ٥٥٢ (أحمد) ٢٣٢٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) - ج١ ص٣٠٣ - ٣٠٤.
(٢) -"التمهيد" ج ١٩ ص ٢٠٧ - ٢٠٨.
[ ١٨ / ٢٨٤ ]
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهى عن البكاء على الميت، لكنه مقيد بموته. ومنها: إباحة البكاء على المريض بالصِّيَاح، وغير الصياح عند حضور وفاته. ومنها: مشروعية عيادة المريض. ومنها: الصياح بالعليل على وجه النداء له ليسمع، فيُسأَلَ عن حاله. ومنها: تكنية الرجل الكبير لمن دونه، قال أبو عمر -﵀-: وهذا يُبطل ما يُحكى عن الخلفاء أنهم لا يكنون أحدًا، عصمنا اللَّه عما دقّ وجلّ من التكبّر برحمته. ومنها. أن المتجهّز للغزو إذا حيل بينه وبينه، يُكتب له أجر الغازي، ويقع أجره على قدر نيته، والآثار الصحاح تدلّ على أن من نوى خيرًا، وهَم به، ولم يصرف نيته عنه، وحيل بينه وبينه أنه يكتب له أجر ما نوى من ذلك، ألا ترى إلى قوله - ﷺ -: "ما من امرئ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كتب اللَّه له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة"، حديث صحيح تقدم للمصنّف ٦١/ ١٧٨٤ وإلى قوله - ﷺ -: "لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه"، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يكونون معنا، وهم بالمدينة؟ قال: "حبسهم العذر". حديث صحيح، رواه أبو داوده ومنها: طرح العالم على المتعلّم المسألة، لبين له الصواب إن أخطأ. ومنها: فضل اللَّه تعالى العظيمُ على هذه الأمة، حيث جعل لهم أسباب الشهادة كثيرة، لينالوا بذلك الدرجات العلى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٤٧ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا أَتَى نَعْيُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صِئْرِ الْبَابِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، يَبْكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «انْطَلِقْ، فَانْهَهُنَّ»، فَانْطَلَقَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ، فَقَالَ: «انْطَلِقْ، فَانْهَهُنَّ»، فَانْطَلَقَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ، قَالَ: «فَانْطَلِقْ، فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَ الأَبْعَدِ، إِنَّكَ وَاللَّهِ، مَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَمَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ.
رجال الإسناد: ستة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصّدَفيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثقة حافظ [٩] ٩/ ٩.
٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدير الحضرميّ الحمصيّ قاضي الأندلس، صدوق له
[ ١٨ / ٢٨٥ ]
أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢.
٤ - (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ المدني القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣.
٥ - (عمرة) بن عبد الرحمن الأنصارية المدنية، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣.
٦ - (عائشة) - ﵂ - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه سداسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعية. (ومنها): فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)
من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن عَائِشَةَ) - ﵂ -، أنها (قَالَتْ: لَمَّا أَتَى نَعْيُ) بفتح، فسكون، أو كغَنِيّ: أي خبر موتهم، يقال: نعاه له ينعاه، نَعْيًا، ونَعِيًا، ونُعيَانًا بالضمّ: أخبره بموته. قاله في "ق" (زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعفَرِ بنِ أَبِي طَالبٍ، وَعَبدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ) وكان قتلهم في غزوة مؤتة، سنة ثمان من الهجرة (جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) زاد أبو داود من طريق سليمان بن كثير، عن يحيى: "في المسجد" (يُعْرَفُ فِيهِ) وفي نسخة: "في وجهه" (الْحُزْنُ) أي يظهر في وجهه الحزن، وهو بضم، فسكون، أو بفتحتين، والجملة حال. قال الطيبيّ -﵀-: كأنه كَظَمَ الحزن كظمًا، فظهر منه ما لا بدّ للجِبِلَّة البشريّة منه انتهى (وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صِيرِ البَابِ) وقع في نسخ "المجتبى" "صئر" بالهمزة بدل الياء، وهو تصحيف، والصواب، "الصِّير" بكسر الصاد المهملة، بعدها ياء ساكنة، وآخره راء، وهو الذي "في الكبرى"، ومعناه: شَقُّ الباب الذي يُنظَر منه.
ولفظ الشيخين: "من صائر الباب"، قال في "الفتح": بالمهملة، والتحتانيّ، وقع تفسيره في نفس الحديث -أي من طريق عبد الوهّاب الثقفي- عن يحيى: "شَقّ الباب"، وهو بفتح الشين المعجمة، أي الموضع الذي يُنظر منه، ولم يَرِدْ بكسر المعجمة، أي الناحية، إذ ليست مرادةً هنا، قاله ابن التين.
وهذا التفسير الظاهر أنه من قول عائشة، ويحتمل أن يكون ممن بعدها، قال المازريّ: كذا وقع في "الصحيحين" هنا "صائر" والصواب "صِير"، أي بكسر أوله، وسكون التحتانيّة، وهو الشَّقّ، قال أبو عبيدة في "غريب الحديث" في الكلام على حديث: "مَن نَظَر من صِيرٍ الباب، ففقئت عينه، فهي هدر": الصِّير الشَّقّ، ولم نسمعه
[ ١٨ / ٢٨٦ ]
إلا في هذا الحديث. وقال ابن الجوزيّ: صائر، وصِير بمعنى واحد انتهى (^١).
(فَجَاءَهُ) وفي نسخة: "فجاء" (رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وكأنه أُبِهمَ عمدًا، لما وقع في حقّه من غضّ عائشة منه (فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أي امرأته، وهي أسماء بنت عُمَيس الخَثْعَميّةُ، ومن حضر عندها، من أقاربها، وأقارب جعفر، ومن في معناهنّ، ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير أسماء. قاله في "الفتح" (^٢) (يَبْكِينَ) ولفظ أبي عوانة من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى: "قد كثُر بكاؤهنّ" وعند ابن حبّان من طريق عبد اللَّه بن عمرو، عن يحيى بلفظ: "قد أكثرن بكاءهنّ".
ولفظ الشيخين، "فقال: إن نساء جعفر -وذكر بكاءهنّ-"، قال الطيبيّ: هو حال عن المستتر في قوله:، "فقال"، وحذف خبر "إنّ" من القول المحكيّ لدلالة الحال عليه، والمعنى قال الرجل: إن نساء جعفر فعلن كذا مما لا ينبغي من البكاء المشتمل على النَّوْح انتهى (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "انْطَلِقْ، فَانَّههُنَّ"، فَانْطَلَقَ) أي فنهاهنّ، فلم يُطعنه (ثُمَّ جَاءَ) الثانية (فَقَالَ: قَدْ نَهْيتُهُنَّ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ) قال القرطبيّ -﵀- تعالى: كون نساء جعفر لم يُطعن الناهي لهنّ عن البكاء، إما لأنه لم يُصرّح لهنّ بأن النبي - ﷺ - نهاهنّ، فظنت منه أنه كالمحتسب في ذلك، وكالمرشد للمصلحة، أو لأنهنّ غُلبنَ في أنفسهنّ على سماع النهي لحرارة المصيبة. واللَّه تعالى أعلم انتهى (^٣).
(فَقَالَ: "انْطَلِقْ، فَانّهُهُنّ"، فَانْطَلَقَ) أي فنهاهنّ أيضا، فلم يطعنه (ثُمَّ جَاءَ) الثالثة (فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، فَابَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ) ولفظ الشيخين: "فأتاه الثالثة، قال: واللَّه غلبننا يا رسول اللَّه" (قَالَ: "فَانْطَلِقْ، فَاحْثُ) بضمّ المثلّثة، وبكسرها، يقال: حثا يَحْثُو، ويَحْثِي. قال في "المصباح": حثا الرجلُ الترابَ يَحثوه حَثْوًا، ويَحْثيه حَثْيًا، من باب رَمَى لغةٌ: إذا هاله -أي صبّه- بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثمّ رماه، ومنه: "فاحثوا التراب في وجهه"، ولا يكون إلا بالقبض والرمي انتهى (فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) وفي رواية: "من التراب". قيل: يؤخذ من هذا أن التأديب يكون بمثل هذا، وهذا إرشاد عظيم قلّ من يتفطّن له (^٤).
وقال في "الفتح": قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا يدلّ على أنهنّ رفعن أصواتهنّ بالبكاء، فلما لم ينتهين أمره أن يسدّ أفواههنّ بذلك، وخصّ الأفواه بذلك لأنها محلّ
_________________
(١) - "فتح"ج ٣ ص ٥١٧.
(٢) -ج٣ ص ٥١٧.
(٣) - "المفهم" ج ٢ ص ٥٨٨.
(٤) - "شرح السندي"ج ٤ ص ١٥ - ١٦.
[ ١٨ / ٢٨٧ ]
النَّوْح، بخلاف الأعين مثلًا انتهى.
ويحتمل أن يكون كناية عن المبالغة في الزجر، أو المعنى أعلمهنّ أنهنّ خائبات من الأجر المترتّب على الصبر، لما أظهرن من الجزع، كما يقال للخائب: لم يَحصُل في يده إلا التراب، لكن يُبعِد هذا الاحتمال قولُ عائشة الآتي. وقيل: لم يُرِد بالأمر حقيقته، قال عياض: هو بمعنى التعجيز، أي إنهنّ لا يسكتن إلا بسدّ أفواههنّ، ولا يسدّها إلا أن تملأ بالتراب، فإن أمكنك فافعل.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الاحتمالات كلها ضعيفة، والصواب أن الحديث على ظاهره من حثو الترب في أفواههنّ على حقيقته، إذ لا دليل على صرف الظاهر إلى غيره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال: ثم الظاهر أنه كان بكاؤهنّ زيادة على القدر المباح، فيكون النهي للتحريم بدليل أنه كرّره، وبالغ فيه، وأمر بعقوبتهنّ إن لم يسكتن. ويحتمل أن يكون مجرّدًا، والنهي للتنزيه، ولو كان للتحريم لأرسل غير الرجل المذكور لِمَنعِهنّ، لأنه لا يُقرّ على باطل، ويبعد تمادي الصحابيات بعد تكرار النهي على فعل الأمر المحرّم، وفائدة نهيهنّ عن الأمر المباح خشية أن يسترسلن فيه، فيفضي بهنّ إلى الأمر المحرّم، لضعف صبرهنّ، فَيُستفاد منه جواز النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرّم. كذا في "الفتح".
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَ الْأَبْعَدِ) بالراء، والغين المعجمة: أي ألصق اللَّه أنفه بالرغام -بفتح الراء- وهو التراب، إهانة، وإذلالًا. ووصفته بـ "الأبعد" لبعده عن الصواب، حيث أحرج النبي - ﷺ - بكثرة المراجعة.
ولفظ الشيخين "أرغم اللَّه أنفك" بالخطاب. قال الحافظ: دعت عليه من جنس ما أُمر أن يفعله بالنسوة، لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبي - ﷺ - بكثرة تردّده إليه في ذلك. وقال الطيبيّ: أي أذلّك اللَّه، فإنك آذيت رسول اللَّه - ﷺ -، وما كففتهنّ عن البكاء، وهذا معنى قولها - ﵂ - (إِنَّكَ وَاللَّهِ، مَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) أي من العَنَاء والتَّعَب، ومراد عائشة أن الرجل لا يقدر على ذلك، فإذا كان لا يقدر، فقد أتعب نفسه، ومن يُخاطبه في شيء لا يقدر على إزالته، ولعلّ الرجل لم يفهم من الأمر الحتم.
وقال النووي: معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الإنكار لنقصك، وتقصيرك، ولا تخبر النبي - ﷺ - بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك، ويستريح من العناء (وَمَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ) الباء زائدة بعد "ما" النافية، كما قال في "الخلاصة":
[ ١٨ / ٢٨٨ ]
وَبَعدَ "مَا"و"لَيْسَ" جَر الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْيِ "كَانَ" قدْ يُجَرُّ
ومفعول "فاعلِ" محذوف، أي ما أمرك به رسول اللَّه - ﷺ -، والمراد على وجه الكمال في الزجر، وإلا فقد قام بالأمر حيث نهاهنّ عن الضجر. قاله القاري.
وقال الكرمانيّ: أي لم تبلغ النهي، ونفته، وإن كان قد نهاهنّ لأنه لم يترتب على نهيه الامتثال، فكأنه لم يفعله، ويحتمل أن تكون أرادت لم تفعل، أي الحثو بالتراب انتهى.
ولفظ الشيخين: "لم تفعل ما أمرك به رسول اللَّه - ﷺ - ولم تترك رسول اللَّه - ﷺ - من العناء"، بفتح المهملة، والنون، والمدّ: أي المشقّة والتعب. وفي رواية لمسلم: "من العِيّ" بكسر المهملة، وتشديد التحتانية، ووقع في رواية العُذريّ "الغَيّ" بفتح المعجمة بلفظ ضدّ الرشد (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى. في درجته. حديث عائشة - ﵂ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ١٨٤٧ - وفي "الكبرى" ١٤/ ١٩٧٤ - وأخرجه (خ) ١٢٩٩ و١٣٠٥ و٤٢٦٣ (م) ٩٣٥ (د) ٣١٢٢ (أحمد) ٢٣٧٩٢ و٢٥٨٣١ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهي عن البكاء على الميت، وسيأتي الجمع بينه وبين أحاديث إباحة البكاء على الميت بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" على هذا الحديث بقوله: "باب من جلس عند المصيبة، يُعرَف فيه الحزن". قال الزين ابن المُنَيِّر -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة، لا يُفْرِطُ في الحزن حتى يقع في المحذور، من اللَّّطْم، والشَّقّ، والنَّوْح، وغيرها، ولا يُفَرِّطُ في التجلّد، حتى يفضي إلى القسوة، والاستخفاف بقدر المصاب، فيَقتدِي به - ﷺ - في تلك الحالة، بأن يَجلِس المصاب جلسة خفيفةً بوقار، وسكينة، تظهر عليه مخايل الحزن، ويُؤذن بأن المصيبة عظيمة.
_________________
(١) - راجع "الفتح" ج٣ ص ٥١٩.
[ ١٨ / ٢٨٩ ]
ثم ترجم البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد هذا "باب من لم يُظهِر حزنه عند المصيبة"، وأورد فيه قصة أبي طلحة مع زوجته أم سليم - ﵂ -. (^١) فقال في "الفتح" عند الكلام على الترجمة الأولى: ما نصّه: ولم يفصح المصنّف بحكم هذه المسألة، ولا التي بعدها، لأن كلّا منهما قابل للترجيح، أما الأول، فلكونه من فعل النبي - ﷺ -، والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجح غالبًا. وأما الثاني، فلأنه فعل أبلغ في الصبر، وأزجر للنفس، فيرجَّح، وُيحمَل فعلُهُ - ﷺ - المذكور على بيان الجواز، ويكون فعله في حقّه في تلك الحالة أَوْلَى. انتهى. (^٢)
ومنها: جواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب. ومنها: أن المنهيّ عن المنكر إن لم ينتَهِ عُوقب، وأُدّب بذلك، وإلا فالملاطفة فيه أولى إن نفعت. ومنها: جواز اليمين لتأكيد الخبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٤٨ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة تقدم قريبًا.
٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر العمريّ المدني، ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/ ١٥.
٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢.
٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - ﵂ - ١٢/ ١٢.
٦ - (عمر) بن الخطّاب - ﵁ - ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) - ولفظ البخاري فى "صحيحه": ١٣٠١ حدثنا بشر بن الحكم، حدثنا سفيان بن عيينة، أخبرنا إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك، - ﵁ -، يقول: اشتكى ابن لأبي طلحة، قال: فمات، وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات، هيأت شيئًا، ونَحَّتْهُ في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة، قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح، وظن أبو طلحة أنها صادقة، قال: فبات، فلما أصبح، اغتسل، فلما أراد أن يخرج، أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي ﷺ، ثم أخبر النبي ﷺ بما كان منهما، فقال رسول اللَّه ﷺ: "لعل اللَّه أن يبارك لكما في ليلتكما"، قال سفيان: فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن.
(٢) -"فتح" ج٣ ص ٥١٦ - ٥١٧.
[ ١٨ / ٢٩٠ ]
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف، و(منها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية صحابي، عن صحابيّ، وتابعي، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُمَرَ) بن الخطاب - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) أي: بسبب بكائهم على موته، واختُلف في معنى هذا الحديث على أقوال، والراجح أنه يعذّب إذا كان ذلك من عادته وسنته، كما هو مذهب الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: فى درجته. حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، ومن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ١٨٤٨ و١٨٥٠ و١٨٥٣ و١٨٥٥ و١٨٥٦ و١٨٥٧ و١٨٥٨ وأخرجه (خ) ١٢٨٨ و١٢٨٩ و١٢٩٠ و١٢٩٢ و٣٩٧٩ (م) ٩٢٧ و٩٢٨ و٩٢٩ و٩٣٠ و٩٣١ و٩٣٢ (ت) ١٠٠٢ و١٠٠٤ و١٠٠٦ (ق) ١٥٩٣ (أحمد) ١٩١ و٢٤٩ و٢٦٦ و٢٩٠ و٢٩٦ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في معنى قوله - ﷺ - "الميت يعذّب ببكاء أهله عليه":
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال.
الأول: حَمْلُهُ على ظاهره، وهو بيِّنٌ من قصة عمر مع صُهيب - ﵁ - كما سيأتي في الباب التالي [١٨٥٨]، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرًا على النهي، ولم يقع منه، فلذلك بادر إلى نهي صُهيب - ﵄ -، وكذلك نهى حفصة - ﵂ -، كما في "صحيح مسلم" من طريق نافع، عن ابن عمر، عنه. وممن أخذ بظاهره أيضًا عبد اللَّه بن عمر، فروى عبد الرزّاق أنه شهد رافع بن خَدِيج، فقال لأهله: "إن رافعًا شيخ كبير، لا طاقة له بالعذاب، وإن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه".
الثاني: قول من ردّ هذا الحديث، وعارضه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [فاطر: ١٨]، وممن رُوي عنه الإنكار مطلقًا أبو هريرة، كما رواه أبو يعلى من طريق
[ ١٨ / ٢٩١ ]
بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، قال: قال أبو هريرة - ﵁ -: "واللَّه لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل اللَّه، فاستُشهد، فعَمَدَت امرأته، سَفَهًا وجهلًا، فبكت عليه، ليُعذّبنّ هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة"؟، وإلى هذا جَنَح جماعة من الشافعية، منهم أبو حامد وغيره.
الثالث: تأويل من أَوَّل قوله: "ببكاء أهله عليه" على أن الباء للحال، أي أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدّة بكائهم غالبا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يُسأل، ويبتدأ به عذاب القبر، فكان معنى الحديث إن الميت يُعذّب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه، حكاه الخطابي.
قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلّف، ولعلّ قائله إنما أخذه من قول عائشة - ﵂ -: إنما قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إنه ليعذّب بمعصيته، أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن". أخرجه مسلم، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، وعلى هذا يكون خاصّا ببعض الموتى.
الرابع: تأويل من أوله على أن الراوي سمع بعض الحديث، ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لِمَعهود معين، كما جزم به أبو بكر الباقلاّنيّ وغيره، وحجتهم ما سيأتي في الباب التالي [١٨٥٦]، من رواية عمرة، عن عائشة - ﵂ - أنه ذُكِرَ لها أن عبد اللَّه بن عمر يقول: إن الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه، فقالت: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن … الحديث.
الخامس: تأويل من أوّله على أن ذلك مختصّ بالكافر، وأن المؤمن لا يُعذّب بذنب غيره أصلًا، وهو بيّنٌ من رواية ابن عباس، عن عائشة - ﵃ -، كما سيأتي في الباب التالي [١٨٥٧]، أيضًا إن شاء اللَّه تعالى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه التأويلات عن عائشة - ﵂ - متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم ترُدّ الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن.
قال الداوديّ: رواية ابن عباس، عن عائشة - ﵂ - أثبتت ما نفته عمرة، وعروة عنها، إلا أنها خصّته بالكافر لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذابًا ببكاء أهله، فأيّ فرق بين أن يزداد بفعل غيره، أو يعذّب ابتداء؟.
وقال القرطبيّ: إنكار عائشة ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة، أو النسيان، أو على أنه سمع بعضًا، ولم يسمع بعضًا بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح.
وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب من الجمع:
أولها: طريقة البخاريّ، حيث ترجم بقوله: "باب قول النبي - ﷺ -: "يعذّب الميت
[ ١٨ / ٢٩٢ ]
ببعض بكاء أهله عليه "إذا كان النوح من سنته، لقول اللَّه تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية [التحريم: ٦] وقال النبي - ﷺ -: "كلكم راع، ومسؤول عن رعيته"، فإذا لم يكن من سنته، فهو كما قالت عائشة - ﵂ -: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الخ.
ثانيها: وهو أخصّ من الذي قبله ما إذا أوصى أهله بذلك، وبه قال المزني، وإبراهيم الحربيّ، وآخرون، من الشافعيه وغيرهم، حتى قال أبو الليث السمرقنديّ: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي عن الجمهور قالوا: وكان معروفا للقدماء حتى قال طَرَفَة بن العبد [من الطويل]:
إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ … وَشُقِّي عَلَي الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ
واعتُرض بأن التعذيب بسب الوصيّة يُستَحَقّ بمجرّد صدور الوصيّة، والحديث دالّ على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال.
والجواب أنه ليس في السياق حصر، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلًا.
ثالثها: يقع ذلك أيضًا لمن أهمل نهي أهله عن ذلك. وهو قول داود، وطائفة، ولا يخفى أن محله ما إذا لم يتحقّق أنه ليست لهم بذلك عادة، ولا ظنّ أنهم يفعلون ذلك.
قال ابن المرابط: إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النَّوْح، وعرف أن أهله من شأنهم يفعلون ذلك، ولم يُعلِمهم بتحريمه، ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عُذّب على ذلك عُذِّب بفعل نفسه، لا بفعل غيره بمجرده.
رابعها: معنى قوله: "يعذّب ببكاء أهله"، أي بنظير ما يَبكيه أهله به، وذلك أن الأفعال التي يُعَدِّدُون بها عليه غالبًا تكون من الأمور المنهيّة، فهم يمدحونه بها، وهو يعذّب بصنيعه ذلك، وهو عين ما يَمدحونه به، وهذا اختيار ابن حزم، وطائفة، واستدل له بما أخرجه الشيخان عن عبد اللَّه بن عمر - ﵁ -، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وعبد اللَّه ابن مسعود، - ﵃ -، فلما دخل عليه، فوجده في غاشية أهله، فقال: "قد قضى"؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه، فبكى النبي - ﷺ -، فلما رأى القومُ بكاء النبي - ﷺ - بَكَوا، فقال: "ألا تسمعون إن اللَّه لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم … " الحديث.
قال ابن حزم: فصحّ أن البكاء الذي يعذب به الإنسان ما كان منه باللسان، إذ يَندُبونه برياسته التي جار فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة اللَّه، وجُوده الذي لم يضعه في الحقّ، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر، وهو يعذّب بذلك.
[ ١٨ / ٢٩٣ ]
وقال الإسماعيلي: كثُر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كلُّ مجتهدًا على حسب ما قُدِّر له، ومن أحسن ما حضرني وجهٌ لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يُغِيرون، وَيسْبون، ويَقتُلُون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرّمة، فمعنى الخبر أن الميت يُعذّب بذلك الذي يبكي عليه أهله به، لأن الميت يُندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذُكر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحقّ العذاب عليها.
خامسها: معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، كما رَوَى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعًا: "الميت يعذّب ببكاء الحيّ، إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه، جُبِذَ الميتُ، وقيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها؟ "، ورواه ابن ماجه: "يُتَعْتَعُ (^١) به، ويقال: أنت كذلك؟ "، وروه الترمذيّ بلفظ: "ما من ميت يموت، فتقوم نادبته، فتقول: واجبلاه، واسنداه، أو شبه ذلك من القول، إلا وُكل به ملكان يلهزانه (^٢)، أهكذا كنت؟ "، وشاهده ما رواه البخاريّ في "المغازي" من حديث النعمان بن بشير، قال: "أُغمِي على عبد اللَّه بن رواحة، فجعلت أخته تبكي، وتقول: واجلاه، واكذا، واكذا، فقال: حين أفاق: ما قلتِ شيئا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ ".
سادسها: معنى التعذيب تَألُم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط، وعياض، ومن تبعه، ونصره ابن تيمية، وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة -بفتح القاف، وسكون التحتانية- بنت مخرمة -بفتح الميم، وسكون المعجمة- الثقفية - ﵂ -، قال: قلت: يا رسول اللَّه قد ولدته، فقاتل معك يوم الربَذَة، ثم أصابته الحمّى، فمات، ونزل عليّ البكاء، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا، وإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي، فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد اللَّه لا تعذّبوا موتاكم".
وهذا طرف من حديث طويل حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة، وابن أبي شيبة، والطبراني، وغيرهم، وأخرج أبو داود، والترمذيّ أطرافًا منه. قال الطبريّ: ويؤيده ما قاله أبو هريرة: إن أعمال العباد تُعرَض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده حديث النعمان بن بشير، مرفوعًا، أخرجه البخاريّ فى
_________________
(١) - أي يُحرّك بعنف.
(٢) - أي يطعنانه في صدره.
[ ١٨ / ٢٩٤ ]
"تاريخه"، وصححه الحاكم، قال ابن المرابط: حديث قَيلة نصّ في المسألة، فلا يُعدَل عنه.
واعترضه ابن رُشد بأنه ليس نصّا، وإنما هو محتمل، فإن قوله: "فيستعبر إليه صويحبه" ليس نصّا في أن المراد به الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحيّ، وأن الميت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه.
قال الحافظ بعد ذكر هذه التوجيهات: ويحتمل أن يُجمَع بين التوجيهات، فينزّل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح، فمشى أهله على طريقته، أو بالغ بذلك عذّب بصنعه، ومن كان ظالمًا، فنُدب بأفعاله الجائرة عذّب بما نُدِب به، ومن كان يَعرِف من أهله النياحة، فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذّب بالتوبيخ، كيف أهمل النهي؟، ومن سَلِمَ من ذلك كله، واحتاط، فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه، وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الجمع تكلّف لا يخفى، بل الأولى الترجيح بين هذه التوجيهات، كما سيأتي قريبًا.
وحكى الكرمانيّ تفصيلًا آخر، وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ، وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وِزرَ أخرَى﴾ [فاطر: ١٨]، على يوم القيامة، ويحمل هذا الحديث، وما أشبهه على البرزخ، ويؤيّده أن مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، فإنها دالّة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون حال البرزخ بخلاف حال يوم القيامة (^١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا الذي قاله الكرماني يعارضه ما في بعض الأحاديث من التنصيص بأن ذلك التعذيب إنما يكون في القيامة، فقد أخرج الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -، مرفوعًا: "من نِيح عليه، فإنه يعذّب بما نيح عليه يوم القيامة".
إذا علمت هذه الأقوال بما لها، وما عليها، فأرجحها عندي ما ذهب الإمام البخاري -رحمه اللَّه تعالى-، من أن ذلك إذا كان من سنته، كما أسلفنا قوله في ذلك.
والحاصل أن هذا التعذيب في حقّ من له تسبب في بكاء أهله عليه، بأن يكون البكاء
_________________
(١) - راجع "الفتح" ج ٣ ص ٤٩٩ - ٥٠٠.
[ ١٨ / ٢٩٥ ]
من سنته وطريقته، أو أوصى به في حياته، أو عَرَف أن أهله سيفعلون ذلك، وأهمل النهي والزجر عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٤٩ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (^١) شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ" فَقَالَ عِمْرَانُ: قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطالسيّ البصريّ الحافظ الثقة [١١] ١٣/ ٣٤٣.
٣ - (شعبة) الإمام الشهير، تقدم قريبًا.
٤ - (عبد اللَّه بن صُبَيح) -بضم المهملة، وفتح الموحدة- البصريّ، وهو صدوق، [٧].
روى عن ابن سيرين، وروى عنه شعبة، ومهدي بن ميمون، وأبو هلال الراسبيّ، قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٦/ ٥٧.
٦ - (عمران بن حُصين) بن عُبيد بن خَلَف الخزاعيّ، أو نُجيد الصحابي المشهور ابن الصحابي - ﵄ - ٢٠١/ ٣٢١.
والحديث صحيح، انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا [١٤/ ١٨٤٩ و١٥/ ١٨٥٤] وفي "الكبرى" ١٤/ ١٩٧٥ و١٥/ ١٩٨١ وأخرجه (أحمد) ١٩٤١٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٥٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ: سَالِمٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سليمان بن سيف) الحرّاني، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ١٨ / ٢٩٦ ]
٢ - (يعقوب بن إبراهيم) الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، المدني، ثم البغداديّ، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
٤ - (صالح) بن كيسان، الغفاريّ، أبو محمد المدني، ثقة ثبت [٤] ١٩٦/ ٣١٤.
٥ - (ابن شهاب) الزهريّ تقدم قريبًا.
٦ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠. والباقيان تقدما قريبًا.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…