١٦٣٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ -﷿-، صِيَامُ دَاوُدَ - ﵇ -، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيية) بن سعيد، تقدم قريبًا.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الشهير الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (عمرو بن دينار) أبو محمد الْجُمَحيّ المكي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٤ - (عمرو بن أوس) بن أبي أوس الثقفي الطائفيّ، تابعيّ كبير [٢] ووَهِمَ من ذكره في الصحابة، وإنما الصحبة لأبيه ١٧/ ٦٥٣.
٥ - (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) السهمي، أحد السابقين، وأحد العبادلة الفقهاء، الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مكيين، وهما سفيان، وعمرو بن دينار، وطائفيّين،
[ ١٧ / ٣٤٧ ]
وهما عمرو بن أوس، والصحابيّ - ﵁ -، وبغلانيّ، وهو شيخه. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ) الثقفي (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَحَبَّ الصِّيَامِ) أي أكثر ما يكون محبوبًا، واستعمال "أحبّ" بمعنى محبوب قليل، لأن الأكثر في أفعل التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل (^١) (إِلَى اللَّهِ -﷿-، صِيَامُ دَاوُدَ - ﵇ -) إنما كان أحب الصيام إلى اللَّه تعالى لأن فاعله يؤدي حقّ نفسه، وحقّ أهله، وحقّ زائره أيام فطره، بخلاف من يسرُدُ الصوم، فإنه يُخلّ ببعض الحقوق (كَانَ) جملة مستأنفة مبينة للجملة السابقة (يَصُومُ يَوْمًا، ويفْطِرُ يَوْمَا) قال ابن المنيّر -﵀-: كان داود - ﵇ - يَقسم ليله ونهاره لحقّ ربه، وحق نفسه، فأما الليل فاستقام له ذلك في كلّ ليلة، وأما النهار فلما تعذّر عليه أن يجزّئه بالصيام، لأنه لا يتبعّض، جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فيتنزّل ذلك منزلة التجزئة في شخص اليوم، قيل: وهو أشدّ الصيام على النفس، فإنه لا يعتاد الصوم، ولا الإفطار، فيَصعُب عليها كلّ منهما.
وظاهر قوله: "أحبّ الصيام" يقتضي ثبوت الأحبّيّة مطلقًا. ووقع في بعض الروايات: "أفضل الصيام صيام داود"، ومقتضاه أن تكون الزيادة عليه كصوم يومين، وإفطار يوم، وكصيام الدهر بلا صيام أيام الكراهة مفضولة.
وإنما كان ذلك أعدل الصيام، وأحبه إلى اللَّه تعالى، لأن فاعله يُؤَدِّي الحقوق الواجبة عليه، كما تقدّم قريبًا، بخلاف من يصوم الدهر، أي يتابع الصوم، ويسرده، فإنه يفوّت بعض الحقوق، وقد لا يشقّ عليه باعتياده، فلا يحصّل المقصود من قمع النفس، نظير ما قاله الأطبّاء من أن المرض إذا تعوّد عليه البدنُ لم يَحتَج إلى دواء.
ولم يلتزم النبي - ﷺ - الوصف المذكور في صيامه لما قيل: إن فعله كان مختلفًا، يتضمن مصالح راجعة إلى أمته، أقويائِهم وضعفائِهم، وكان يفعل العبادات بحسب ما يظهر له من الحكمة في أوقات الطاعات، دون الحالات المألوفات والعادات. وقد روى البخاري وغيره عن عائشة - ﵂ -، أنها قالت: إن كان رسول اللَّه - ﷺ - لَيَدَعُ العملَ بالشيء، وهو يحبّ أن يعمل به، خشيةَ أن يَعمَل به الناس، فَيُفْرَض عليهم"، زاد في رواية: قالت: "وكان يحبّ ما خفّ على الناس".
_________________
(١) - "المرعاة" ج ٤ ص ٢٢٣.
[ ١٧ / ٣٤٨ ]
(وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ) - ﵇ - (كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ) أي النصف الأول منه. قال السنديّ -﵀-: الظاهر أنه كان ينام من الوقت الذي يعتاد فيه النوم إلى نصف الليل، أو المراد بالليل ما سوى الوقت الذي لا يعتاد فيه النوم من أوله، والقول بأنه ينام من أول غروب الشمس بعيد. واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": قال المهلّب -رحمه اللَّه تعالى-: كان داود - ﵇ - يُجِمّ نفسه (^١) بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي اللَّه تعالى فيه: "هل من سائل، فأعطيه سؤله"، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وهذا هو النوم عند السحر، وإنما كانت هذه الطريقة أحبّ من أجل الأخذ بالرفق للنفس التي يُخشى منها السآمة، وقد قال النبي - ﷺ -: "إن اللَّه لا يمَلّ حتى تملّوا"، واللَّه يحبّ أن يُديم فضلَهُ، ويوالي إحسانه.
وإنما كان ذلك أرفق؛ لأن النوم بعد القيام يُريح البدن، وُيذهب ضرر السهَر، وذُبُول الجسم، بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح، وأذكار النهار بنشاط وإقبال، وأنه أقرب إلى عدم الرياء، لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون، سليم القُوَى، فهو أقرب إلى أن يُخفي عمله الماضي على من يَراه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وحَكَى عن قوم أن معنى قوله: "أحب الصلاة" هو بالنسبة إلى من حاله مثل حال المخاطب بذلك، وهو من يشقّ عليه قيام أكثر الليل، قال: وعمدة هذا القائل اقتضاءُ القاعدة زيادة الأجر بسبب زيادة العمل لكن يعارضه هنا اقتضاءُ العادةِ والجبلّةِ التقصيرَ في حقوق يُعارضُها طولُ القيام، ومقدارُ ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غيرُ معلوم لنا، فالأولى أن يُجرَى الحديث على ظاهره، وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة، بمقدار تأثير كلّ منهما في الحثّ، أو المنع غير محقّق لنا، فالطريق حينئذ أن نفوّض الأمر إلى صاحب الشرع، ونَجرِي على ما دلّ عليه ظاهر اللفظ مع ما ذكرناه من قوّة الظاهر هنا. واللَّه تعالى أعلم
[تنبيه]: قال ابن التين: هذا المذكور إذا أجريناه على ظاهره، فهو في حقّ الأمة، وأما النبي - ﷺ -، فقد أمره اللَّه تعالى بقيام أكثر الليل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١، ٢]. انتهى. وفيه نظر؛ لأن هذا الأمر قد نسخ، كما تقدّم في حديث عائشة - ﵂ -[٢/ ١٦٠١] (^٢).
_________________
(١) - بضم الياء من الإجمام، أي يُريحها.
(٢) - انظر "الفتح" ج ٣ ص ٣٢٣.
[ ١٧ / ٣٤٩ ]
(وَيَقُومُ ثُلُثَهُ) بضم اللام، وتسكن، ويقال فيه: الثَّلِيث أيضًا: والمراد الثلث الذي بعد النصف، لما في رواية ابن جُريج، عن عمرو بن دينار، عند مسلم: "كان يَرقُد شطر الليل، ثم يقوم ثلث الليل بعد شطره". قال ابن جريج: قلت لعمرو بن دينار: عمرو بن أوس هو الذي يقول "يقوم ثلث الليل؟ " قال: نعم انتهى. وظاهره أن تقدير القيام بالثلث من تفسير الراوي، فيكون في الرواية الأولى إدراج، ويحتمل أن يكون قوله: "عمرو بن أوس ذكره" أي بسنده، فلا يكون مدرجًا.
وفي رواية ابن جريج من الفائدة ترتيب ذلك بـ "ثمّ"، ففيه الرد على من أجاز في حديث الباب أن تحصل السنّة بنوم السدس الأول مثلًا، وقيام الثلث، ونوم النصف الأخير، والسبب في ذلك أن الواو لا ترتّب.
(ويَنَامُ سُدُسَهُ) بضم الدال، وتسكن، ويقال فيه: السَّدِيس أيضًا، أي سدسه الأخير من الليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى - عنهما متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-١٤/ ١٦٣٠ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٣٢٧ و٦٩/ ٢٣٤٤ - بالإسناد المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٣ و٤/ ١٩٥ (م) ٣/ ١٦٥ (د) ٢٤٤٨ (ق) ١٧١٢ (الحميدي ٥٨٩) (أحمد) ٢/ ١٦٠ (الدارمي) ١٧٥٩ (ابن خزيمة) ١١٤٥. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في العبادات، كما أمر اللَّه تعالى نبيّه - ﷺ - بذلك، حيث قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٠]. ومنها: أنه يدلّ على أن صوم يوم، وفطر يوم أحبّ إلى اللَّه تعالى من غيره، وإن كان أكثرَ منه، وما كان أحبّ إلى اللَّه تعالى فهو أفضل، والاشتغال به أولى، وقد ثبت في رواية مسلم: أن عبد اللَّه بن عمرو - ﵄ - قال للنبي - ﷺ -: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي - ﷺ -: "لا أفضل من ذلك". ومنها: أن الأفضل للشخص أن يقوم ثلث الليل بعد نوم نصفه، ثم يُعقّب ذلك بنوم السدس الأخير،
[ ١٧ / ٣٥٠ ]
ليستعين به على القيام بنشاط لصلاة الصبح، وأذكار النهار. ومنها: استحباب المداومة على صلاة الليل، وعدم قطعها بسبب طول السهر المؤدِّي إلى الملل والسآمة، بل يلتزم ذلك على الوجه الذي لا يشق على نفسه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…