قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "النياحة" بالكسر: اسم، من النَّوْح، يقال: ناحت المرأة على الميت نَوْحًا، من باب قال، والاسم النُّوَاح وزانُ غُرَاب، وربّما قيل: النِّيَاح بالكسر، فهي نائحة. قاله في "المصباح".
وقال النوويّ -﵀-: والنياحة رفعُ الصوت بالنَّدْب (^١). والنَّدْب تعديد محاسن الميت مع البكاء، كقوله: واجبلاه، واسنداه، واكريماه، ونحوها انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٥١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ، قَالَ: لَا تَنُوحُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، لَمْ يُنَحْ عَلَيْهِ. مُخْتَصَرٌ.
رجال هذا الحديث: سبعة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
_________________
(١) - ندبت المرأة الميت ندبًا، من باب قتل. قاله في "المصباح".
(٢) -"المجموع" ج ٥ ص٢٨٠.
[ ١٨ / ٢٩٧ ]
٣ - (شعبة) بن الحجاج تقدم قريبًا.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (مطرف) بن عبد اللَّه بن الشخّير الحَرَشيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ الثقة العابد الفاضل [٢] ٥٤/ ٦٧.
٦ - (حكيم بن قيس) بن عاصم الْمِنقَريّ التميميّ البصريّ، قيل: وُلد في عهد النبي - ﷺ -، روى عن أبيه، وعنه مطرّف بن عبد اللَّه بن الشخير، وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال ابن القطّان: مجهول الحال. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (قيس بن عاصم) المنقريّ، صحابيّ مشهور بالحلم، نزل البصرة، - ﵁ -، تقدم في ١٢٦/ ١٨٨.
وقوله: "لا تنوحوا"، أي لا تبكوا عليّ بالصِّياح، وقوله: "لم يُنَح عليه" بالبناء للمفعول.
وقوله: "مختصر" بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا الحديث مختصر، من حديث طويل، وفي نسخة "مختصرًا" بالنصب على الحالية، وقد ساق الطبراني -رحمه اللَّه تعالى- الحديث مختصرًا ومطوّلا في "المعجم الكبير"، فقال:
٨٦٩ - حدثنا أحمد بن إسماعيل العدويّ البصريّ، ثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت مطرفًا يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم، أن أباه أوصى عند موته، فقال: بَنِيّ اتقوا اللَّه، وسوّدوا أكبركم، فإن القوم إذا سوّدوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سوّدوا أصغرهم أزرى بهم في أكفائكم (^١)، وعليكم باصطناع المال، فإنه مَنْبَهَة للكرم، ويُستَغنَى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس، فإنها من آخر كسب المرء، وإذا متّ فلا تنوحوا، فإن رسول اللَّه - ﷺ - لم يُنَحْ عليه، وإذا متّ، فادفنوني بأرض لا يشعر بدفني بكر بن وائل، فإني كنت أغاولهم (^٢) في الجاهلية.
٨٧٠ - (^٣) حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي ح وحدثنا محمد بين عبدوس بن كامل السرّاج، ومحمد بن محمد الجذوعيّ القاضي، قالا: حدثنا علي بن الجعد، قالا: حدثنا محمد بن يزيد الواسطيّ، ثنا زياد الخصاص (^٤)، عن الحسن،
_________________
(١) - هكذا نسخة المعجم الكبير، ولعل الصواب "في أكفائهم".
(٢) - أي أقاتلهم على غِرّة، وغفلة.
(٣) - في إسناد زياد بن أبي زياد الخصاص، وثقه ابن حبّان، وقال: يخطىء، وضعفه الجمهور اهـ مجمع ج٩ ص ٤٠٤.
(٤) - هكذا نسخة "المعجم" الجصاص بالجيم، وفي "مجمع الزوائد" "الخصاص" بالخاء المعجمة، وكتب في الهامش أنه الصواب.
[ ١٨ / ٢٩٨ ]
حدثني قيس بن عاصم المنقريّ، قال: قدمت على رسول اللَّه - ﷺ -، فلما رآني سمعته يقول: "هذا سيد أهل الوَبَر" (^١)، قال: فلما نزلنا أتيته، فجعلت أحدّثه، قال: قلت: يا رسول اللَّه، المال الذي لا يكون علي فيه تبعة من ضيف ضافني، وعيال كثروا، قال: "نعم المال الأربعون، والأكثر الستون، وويل لأصحاب المئين، إلا من أعطى في رِسْلها، ونجدتها، وأفقر ظهرها (^٢)، ونحر سمينها، فأطعم القانع والمعترّ"، قال: قلت: يا نبي اللَّه ما أكرم هذه الأخلاق، وأحسنها! يا رسول اللَّه لا يُحَلُّ بالوادي الذي أكون فيه لكثرة إبلي، قال: "فكيف تصنع؟ "، قلت: تغدوا الإبل، ويغدوا الناس، فمن شاء أخذ برأس بعير، فذهب به، فقال: "ما تصنع بإفقار الظهر؟ "، قلت: إني لا أفقر الصغير، ولا الناب المدبرة، قال: "فمالُك أحبّ إليك، أم مال مواليك؟ "، قال: قلت: مالي أحبّ إلي من مال موالي، قال: "فإن لك من مالك ما أكلت، فأفنيت، أو لبست، فأبليت، أو أعطيت، فأمضيت، وإلا فلمَوَالِيكَ" (^٣)، فقلت: واللَّه لئن بقيت لأفنينّ عددها، قال الحسن: ففعل واللَّه، فلما حضرت قيسا الوفاة قال: يا بَنيّ خذوا عني، لا أجد أنصحَ لكم مني، إذا أنا متّ، فسوّدوا كباركم، ولا تسوّدوا صغاركم، فيستسفهكم الناس، وتهونوا عليهم (^٤)، وعليكم باستصلاح المال، فإنه مَنبَهَة الكريم، وُيستَغنَى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة، فإنها آخر كسب المرء، إن أحدا لم يسأل إلا ترك كسبه (^٥)، وإذا متّ فلا تنوحوا عليّ، فأني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - ينهى عن النياحة، وكفّنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم، وإذا دفنتموني، فلا تدفنوني في موضع يطلع عليّ أحد، فإنه قد كان بيني وبين بكر بن وائل خماشات (^٦) في الجاهلية، فأخاف أن ينبشوني، فيصنعون في ذلك ما يذهب فيه دينكم ودنياكم، قال الحسن -﵀-: نصح لهم في الحياة، ونصح لهم في الممات.
٨٧١ - (^٧) حدثنا محمد بن زكريا الغلابيّ، ثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سويّة المنقريّ، حدثني أبي الفضلُ بن عبد الملك، عن أبيه عبد الملك بن أبي سويّة
_________________
(١) - وقع في نسخة "المعجم" "سيد أهل العرب"، والتصويب، من نسخة "المجمع".
(٢) - كان في الأصل "وأفقر ظهر" والأصلاح من "المجمع" ج ٣ ص ١٠٧.
(٣) - في الأصل "فلموا اليك" والإصلاح من "المجمع" ج ٣ ص ١٠٧.
(٤) - كان في الأصل "فيهونوا عليكم" والإصلاح من "المجمع" ج ٣ ص ١٠٧.
(٥) - هكذا النسخة، والكلام فيه ركاكة، فليحرر.
(٦) - أي جراحات، وجنايات.
(٧) - قال في "المجمع" ج ٤ ص ٢٢٢: وفي إسناده العلاء بن الفضل، قال المزّيّ: ذكره بعضهم في الضعفاء، قلت: ومحمد بن زكريا الغلابي ضعيف، ومنهم من اتهمه اهـ
[ ١٨ / ٢٩٩ ]
المنقريّ، قال: سمعت ابن عاصم، وهو يوصي، فجمع بنيه، وهم اثنان وثلاثون ذكرا، فقال: يا بَنِيّ إذا أنا متّ، فسوّدوا أكبركم، تخلُفُوا أباكم، ولا تسوّدوا أصغركم، فيُزري بكم ذاك عند أكفائكم (^١)، ولا تقيموا عليّ نائحة، فإني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - ينهى عن النياحة، وعليكم باصلاح المال، فإنه منبهة للكريم، ويُستغنَى به عن اللئيم، ولا تعطوا رقاب الإبل، إلا في حقها، ولا تمنعوها من حقها، وإياكم، وكلّ عرق سوء، فهما يسرّكم يوما، فما يسوءكم أكثر، واحذروا أبناء أعدائكم، فإنهم لكم أعداء على منهاج آبائهم، وإذا أنا مت، فادفنوني في موضع لا يَطّلع علي هذا الحيّ من بكر ابن وائل، فإنها كانت بيني وبينهم خماشات في الجاهلية، فأخاف أن ينبشوني، فيفسدوا عليهم دنياهم، ويفسدوا عليكم آخرتكم، ثم دعا بكنانته، فأمر ابنه الأكبر، وكان يسمى عليّا، فقال: أَخرِج سهما من كنانتي، فأخرجه، فقال: اكسره، فكسره، ثم قال: أخرج سهمين، فأخرجهما، فقال: اكسرهما، فكسرهما، ثم قال: أخرج ثلاثة أسهم، فأخرجها، فقال: اكسرها، فكسرها، ثم قال: أخرج ثلاثين سهما، فأخرجها، فقال: اعصِبْها بوَتَر، فعصبها، ثم قال: اكسرها، فلم يستطع كسرها، فقال: يا بَنِيّ هكذا أنتم بالاجتماع، وكذلك أنتم بالفرقة، ثم أنشا يقول [من الخفيف]:
إِنمَا المَجدُ مَا بَنَى وَالِدُ الصِّدْ … قِ وَأَحُيَى فِعَالَهُ الْمَوْلُودُ
وَكَفَى الْمَجْدُ وَالشَّجَاعَةُ وَالحِلِـ … مُ إِذَا زَانَهَا عَفَافٌ وَجُودُ
وَثَلَاُثونَ يَا بَنِيَّ إِذَا مَا … عَقَدَتهُمْ لِلنَّائِبَاتِ الْعُهُودُ
كَثَلَاِثينَ مِن قِدَاحٍ إِذَا مَا … شَدَّهَا لِلمُرَادِ عَقْدٌ شَدِيدُ
لَمْ تُكَسَّرْ وَإِن تَبَدَّدَتْ الأَسْهُمُ … هُمُ أَودَى بِجَمْعِهَا التَّبْدِيدُ
وَذَوُو السِّنِّ وَالمُرُوءَةِ أَوْلَى … أَنْ يَكُونَ مِنْكُمْ لَهُمُ تَسْوِيدُ
وَعَلَيْهِمْ حِفْظُ الأَصَاغِرِ حَتَّى … يَبْلُغَ الحِنْثَ الأَصْغَرُ المَجْهُودُ
انتهى "المعجم الكبير" (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٥٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: نَا (^٣) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ، حِينَ بَايَعَهُنَّ، أَنْ لَا يَنُحْنَ، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ
_________________
(١) - هكذا النسخة، والصواب كما في "المجمع" "عند أكفائكم".
(٢) - راجع المعجم الكبير ج ١٨ ص ٣٣٩ - ٣٤٢.
(٣) - وفي نسخة: "أخبرنا"، وفي أخرى": أنبأنا".
[ ١٨ / ٣٠٠ ]
اللَّهِ، إِنَّ نِسَاءً، أَسْعَدْنَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَفَنُسْعِدُهُنَّ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا إِسْعَادَ فِي الإِسْلَامِ».
هذا الإسناد بعينه تقدم قبل باب ١٣/ ١٨٤٤.
و"إسحاق": هو ابن راهويه.
وقوله: "أخذ على النساء" أي أخذ منهنّ العهد. وقوله: "أن لا يَنُحْنَ" في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر، أي بعدم النوح. وقوله: "أسعدننا" أي عاونَّنَا على النياحة، قال في "النهاية": إسعاد النساء في الْمُناحاة، أن تقوم المرأة، فتقوم معها أخرى من جاراتها، فتساعدها على النياحة، وقيل: كان نساء الجاهلية يُسعِد بعضهنّ بعضًا على ذلك سنةً، فنهين عن ذلك.
وقال الخطابيّ: أما الإسعاد، فخاصّ في هذا المعنى، وأما المساعدة، فعامة في كلّ معونة، يقال: إنها من وضع الرجل يده على ساعد صاحبه إذا تماشيا في حاجة. انتهى (^١).
وقال السنديّ: وإسعاد النساء في الْمُنَاحَاة، هو أن تقوم امرأة، فتقوم معها -يعني امرأة أخرى- للموافقة والمعاونة على مرادها، وكان ذلك فيهن عادة، فإذا فعلت إحداهما بالأخرى ذلك، فلا بدّ لها أن تفعل بها مثل ذلك، مُجازاةً على فعلها (^٢).
والحديث صحيح، انفرد به المصنّف، أخرجه هنا-١٥/ ١٨٥٢ - وفي "الكبرى" ١٥/ ١٩٧٩ وأخرجه (أحمد) ١٢٦٢٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٥٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِالنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ».
رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلهم تقدّموا قريبًا.
و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو القطّان. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الباب الماضي برقم [١٨٤٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٥٤ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (^٣)
_________________
(١) - "النهاية" ج ٢ ص ٣٦٦.
(٢) - "شرح السندي" ج ٤ ص ١٦.
(٣) - وفي نسخة: "نا"، وفي أخرى: "أنبأنا".
[ ١٨ / ٣٠١ ]
هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا (^١) مَنْصُورٌ، هُوَ ابْنُ زَاذَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِنِيَاحَةِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا مَاتَ بِخُرَاسَانَ، وَنَاحَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا، أَكَانَ يُعَذَّبُ بِنِيَاحَةِ أَهْلِهِ؟، قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَذَبْتَ أَنْتَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابراهيم بن يعقوب) الجُوزجاني الدمشقي، ثقة حافظ [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (سعيد بن سليمان) الضبّيّ، أبو عثمان الواسطيّ، نزيل بغداد البزّاز، لقبه سعدويه، ثقة حافظ، من كبار [١٠].
قال أبو حاتم: ثقة مأمون، ولعله أوثق من عفان. وقال صالح بن محمد عنه: ما دلّستُ قط، ليتني أحدّث بما سمعت، قال: وسمعته يقول: حججت ستين حجة.
وقال الدوريّ: سئل ابن معين عنه، وعن عمرو بن عون؟ فقال: كان سعدويه أكيسهما. ووثقه العجليّ، وابن حبان، وابن سعد، وقال: كان كثير الحديث، توفي ببغداد لأربع خلون من ذي الحجة، سنة (٢٢٥). قيل: مات وله مائة سنة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث.
٣ - (منصور بن زاذان) الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطي، ثقة ثبت عابد [٦] ٥/ ٤٧٥.
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة الثبت الشهير [٣] ٣٢/ ٣٦.
٥ - (عمران بن حُصين) - ﵁ -، تقدم في الباب الماضي.
والإسناد فيه انقطاع، لأن الحسن البصريّ لم يسمع من عمران بن حصين - ﵁ -، كما بُيّن في ترجمته من "تهذيب التهذيب" وغيره.
وقوله: "رجلًا مات" بالنصب على أنه مفعول "رأيت"، وفي بعض النسخ: "رجلٌ" بالرفع، والأول أولى.
وقوله: "ههنا" الظاهر أنه أشار إلى البصرة، لأن عمران - ﵁ - كان ممن نزل البصرة، ومات بها واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "كان يعذّب بنياحة أهله" أراد به إنكار ذلك، وأنه بعيد من الوقوع، فلذلك ردّ عليه عمران بقوله: "كذبتَ أنت"، وإلا فصورته استفهام، وهو إنشاء، فلا يصلح للتكذيب. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
والحديث المرفوع منه صحيح، كما سبق برقم ١٨٤٩، والموقوف ضعيف؛
_________________
(١) - وفي نسخة: "نا"، وفي أخرى: "أنبأنا".
[ ١٨ / ٣٠٢ ]
للانقطاع المذكور، وقد تقدم تخريجه في الباب الماضي واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٥٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: وَهِلَ، إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ (^١) - ﷺ - عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ: «إِنَّ صَاحِبَ الْقَبْرِ (^٢) لَيُعَذَّبُ، وَإِنَّ أَهْلَهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ». ثُمَّ قَرَأَتْ: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥.
٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفيّ الحافظ الثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩.
٣ - (هشام) بن عروة المدنيّ الفقيه، ثقة ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير الدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٥ - (ابن عمر) - ﵁ - المذكور قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -﵀-، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. وأحد المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ ببُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ") تقدم الكلام عليه في الباب الماضي (فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ) - ﵂ - (فَقَالَتْ: وَهِلَ) بفتح الواو، وكسر الهاء: كغلط وزنا ومعنى. يقال: وَهِلَ عن الشيء، وفيه، وَهَلًا، من باب تعب: غلط فيه، ووَهَلْتُ إليه وَهْلًا، من باب وَعَدَ: ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره، مثل وَهَمتُ. قاله في "المصباح"، والأول هو المناسب هنا (إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ) وفي نسخة: "رسول اللَّه" (- ﷺ - عَلَى قَبْرٍ) وفي نسخة: "بقبر" (فَقَالَ: "إِن صَاحِبَ الْقَبْرِ لَيُعَذَّبُ) أي بذنوبه، لا ببكاء أهله عليه، ولفظ مسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام: إنما قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إنه يعذّب بخطيئته، أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن" (وَإِنَّ أَهْلَهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من نائب الفاعل (ثُمَّ قَرَأَتْ:
_________________
(١) - وفي نسخة: "رسول اللَّه".
(٢) - وفي نسخة: "إن صاحب القبر".
[ ١٨ / ٣٠٣ ]
(﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٤٦]) أي فكيف يعذّب الميت ببكاء غيره بعد أن مات، وانقطع عمله أصلًا، فاستبعدت - ﵂ - الحديث، لكونها رأته مخالفًا للآية المذكورة، لكن الصواب أن الحديث صحيح، فقد جاء من وجوه كثيرة، فالوجه حمله على ما إذا تسبب لذلك بوجه، أو رضي به حالة الحياة، فبذلك يندفع التدافع بينه وبين الآية المذكورة. واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: أنكرت عائشة - ﵂ - هذا الحديث، وصرحت بتخطئة الناقل، أو نسيانه، وحَمَلَها على ذلك أنها لم تسمعه كذلك، وأنه معارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وهذا فيه نظر، أما إنكارها، ونسبة الخطأ لراويه فبعيد، وغير بيِّنٍ، ولا واضح، وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن الرواة لهذا المعنى كثيرون: عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقَيْلَة بنت مَخْرَمَة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أُقدِم على ردّ خبر جماعة مثلِ هؤلاء، مع إمكان حمله على محمل صحيح، فلأن يُردّ خبر راو واحد أولى، فردّ خبرها أولى، على أن الصحيح أن لا يُرد واحد من تلك الأخبار، ويُنظر في معانيها، كما نُبيِّنه.
ثانيهما: أنه لا معارضة بين ما روت هي، ولا ما رووا هم، إذ كلّ واحد منهم أخبر عما سمع وشاهَدَ، وهما واقعتان مختلفتان، وأما استدلالها على ردّ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فلا حجة فيه، ولا معارضة بين هذه الآية والحديث، على ما نُبدِيه من معنى الحديث، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد اختلف العلماء فيه، فقيل: محمله على ما إذا كان النَّوْح من وصيّته وسنته، كما كانت الجاهلية تفعل، حتى قال طرفة: إِذَا مِتُّ فَأنعِينِي البيت. وقد جمع عبد المطلب بناته عند موته، وأمرهنّ أن ينعينه، ويَندُبنه، ففعلن، وأنشدت كلّ واحدة منهنّ شعرًا تمدحه فيه، فلما فرغن قال آخر ما كلّمهنّ: أحسنتنّ، هكذا فانعيننى، وإلى هذا نحا البخاريّ، وقيل: معناه أن تلك الأفعال التي يُبكَى بها الميت مما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من قتل النفس، وأخذ المال، وإخراب البلاد، وغير ذلك، فأهله يمدحونه بها، ويُعدّدونها عليه، وهو يُعذب لسببها، وعلى هذا تُحمل رواية من رواه: "ببعض بكاء أهله"، إذ ليس كلّ ما يُعدّدونه من خصاله مذمومًا، فقد يكون من خصاله كَرَمٌ، وإعتاق رقاب، وكشف كرب، إلى آخر كلام القرطبيّ وقد تقدّم خلاصته (^١).
_________________
(١) - "المفهم" ج ٢ ص ٥٨١ - ٥٨٣.
[ ١٨ / ٣٠٤ ]
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدم تخريجه في ١٤/ ١٨٤٨ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٥٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ لَهَا، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ، قَالَتْ: عَائِشَةُ يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنْ نَسِيَ، أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَلَى يَهُودِيَّةٍ، يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني [٧] ٧/ ٧.
٣ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) الأنصاريّ المدني القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣.
٤ - (أبو بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم، الأنصاريّ النجّاريّ المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل. يكنى أبا محمد، ثقة عابد [٥] ١١٨/ ١٦٣.
٥ - (عمرة) بن بنت عبد الرحمن المذكورة في الباب الماضي.
٦ - (عائشة) - ﵂ - ٥/ ٥.
وقولها: "يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن": هو كنية عبد اللَّه بن عمر، قدمته تمهيدًا، أو دفعا لمن يُوحَش من نسبته إلى النسيان والخطأ، كما قال اللَّه تعالى. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فمن استغرب من غيره شيئًا ينبغي أن يوطّىء، ويمهّد له بالدعاء، إقامةً لعذره فيما وقع منه، وأنه لم يتعمده، ومن ثمّ زادت على ذلك بيانًا وأعتذارًا بقولها (أما) بفتح الهمزة، والتخفيف، أداة تنبيه، واستفتاح، يُلقَى بها إلى المخاطب تنبيها له، وإزالةً لغفلته (إنه لم يكذب) أي لم يرد الكذب، ولم يتعمّده (ولكنه نسي) أي مَورِدَهُ الخاصّ (أو أخطأ) أي في إرادته العامّ. وقوله. "يُبكَى عليها" بالبناء للمفعول، وقوله: "ليبكون" بالبناء للفاعل.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٥٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: قَصَّهُ لَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ -﷿- يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».
[ ١٨ / ٣٠٥ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبار) العطّار البصريّ، أبو بكر، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] ١٣٢/ ١٩٩.
٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (عمرو بن دينار) الأثرم المكيّ، ثقة ثبت [٣] ١٢٢/ ١٥٤.
٤ - (ابن أبي مليكة) عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة التيمي المكيّ الثقة الفقيه [٣١٠١/ ١٣٢].
والباقيان تقدما قريبًا.
وقوله: "إن اللَّه يزيد الكافر" قال السنديّ -﵀-: فحملت الميت على الكافر، وأنكرت الإطلاق، وقد جاء فيه الزيادة، كقوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، وقوله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]، لكن قد يقال: زيادة العذاب بعمل الغير أيضًا مشكلة، معارضة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
فينبغي أن تحُمل الباء في قوله: "ببعض بكاء أهله" على المصاحبة، لا السبيية، وتخصيص الكافر حينئذ لأنه محلّ للزيادة، واللَّه تعالى أعلم انتهى (^١).
وقوله: "ببعض بكاء أهله" إنما قيده بالبعض لأن منه ما لا يكون سببا للتعذيب، كعتق الرقاب، وصلة الأرحام، ونحوهما، كما تقدم في كلام القرطبيّ --﵀- تعالى-.
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٥٨ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: لَمَّا هَلَكَتْ أُمُّ أَبَانَ، حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَبَكَيْنَ النِّسَاءُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَلَا تَنْهَى هَؤُلَاءِ عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ، يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، رَأَى رَكْبًا، تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَقَالَ: انْظُرْ مَنِ الرَّكْبُ، فَذَهَبْتُ، فَإِذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَقَالَ عَلَيَّ بِصُهَيْبٍ، فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، أُصِيبَ عُمَرُ، فَجَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عِنْدَهُ، يَقُولُ: وَاأُخَيَّاهُ، وَاأُخَيَّاهُ،
_________________
(١) - "شرح السندي" ج ٤ ص ١٨.
[ ١٨ / ٣٠٦ ]
فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، لَا تَبْكِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ مَا تُحَدِّثُونَ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ كَاذِبَيْنِ، مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ، لَمَا يَشْفِيكُمْ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا، بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هو سليمان بن منصور البَلْخيّ) البزّاز الدُّهْنيّ، لقبه زَرْغَنْده (^١) لا بأس به [١٠] تقدم في ٦٠/ ٧٥ - من أفراد المصنف.
٢ - (عبد الجبار بن الوَرْد) بن أبي الورد، المخزومي مولاهم، أبو هشام المكيّ، صدوق يهم [٧].
قال أحمد: ثقة لا بأس به. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والعجليّ. وقال ابن المديني: لم يكن به بأس. وقال البخاريّ: يُخالف في بعض حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يخطىء ويَهِم. وقال ابن عديّ: هو عندي لا بأس به، يكتب حديثه. وعن الدارقطنيّ: ليّن. أخرج له أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
والباقون تقدموا قريبًا، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف، وهو (١١٠) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما عنده من الأسانيد، كما سبق غير مرّة، وفيه ابن عمر، وابن عباس - ﵄ -، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبد الجبار بن الورد أنه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد اللَّه بن عبيد اللَّه المذكور في السند الماضي (يَقُولُ: لَمَّا هَلَكَتْ أُمُّ أَبَانَ) هي بنت عثمان ين عفان - ﵁ -، ماتت بمكة (حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ) أي للصلاة عليها، ودفنها (فَجَلَسْتُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسِ) ولفظ البخاريّ من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: "قال: توفيت ابنة لعثمان - ﵁ - بمكة، وجئنا لنشهدها، وحَضَرَها ابنُ عمر وابن عباس - ﵄ -، وإني لجالس بينهما، أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر، فجلس إلى
_________________
(١) - بفتح الزاي، وسكون الراء، بعدها غين معجمة، ثم ساكنة.
[ ١٨ / ٣٠٧ ]
جنبي … "، ولمسلم من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة، قال: كنت جالسا إلى جنب ابن عمر، ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس، يقوده قائده، فأُراه أخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار … ".
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليل لجواز الجلوس، والاجتماع لانتظار الجنازة، واستحبابه. وأما جلوسه بين ابن عمر، وابن عباس - ﵄ -، وهما أفضل بالصحبة، والعلم، والفضل، والصلاح، والنسب، والسنّ، وغير ذلك، مع أن الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين إلا لعذر، فمحمول على عذر، إما لأن ذلك الموضع أرفق بابن عباس، وإما لغير ذلك انتهى (^١) (فَبكَيْنَ النِّسَاءُ) تقدم أن مثل هذا يتخرّج على لغة "أكلوني البراغيث" (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) - ﵄ - (أَلَا تَنْهَى هَؤُلَاءِ) هكذا رواية المصنف هنا، وفي "الكبرى" لم يذكر المخاطب، وقد ثبت في روية الشيخين، ولفظ البخاريّ: "فقال عبد اللَّه بن عمر لعَمْرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ ".
وعمرو بن عثمان هو أكبر أولاد عثمان - ﵁ - الذين أعقبوا، وإن معاوية زوّجه لما ولي الخلافة ابنته رملة. قاله الزبير بن بكّار. ويكنى أبا عثمان، مدنيّ ثقة، من كبار التابعين (عَنِ الْبُكَاءِ) أي بالصياح والنياح، وهو متعلق بـ "تنهى" (فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) فيه أن ابن عمر - ﵄ - سمعه بنفسه، وهذا لا يعارض ما تقدم من أنه سمعه من أبيه، لاحتمال أن يسمعه من أبيه أوّلًا، ثم يسمعه من النبي - ﷺ -، فكان يحدّث بهما. واللَّه تعالى أعلم.
(يَقُولُ: إِن الْمَيِّتَ لَيُعَذبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) هكذا نسخ "المجتبى" "ببعض بكاء أهله عليه"، والذي في "الكبرى": "ببكاء أهله عليه"، وهو الذي في رواية الشيخين، والظاهر أنه الصواب بدليل قول ابن عباس - ﵄ -: "قد كان عمر يقول بعض ذلك"، فلو كان كلام ابن عمر "ببعض بكاء أهله"، لما استقام قول ابن عباس - ﵄ - هذا.
ومما يؤيد ذلك أيضًا زيادة في رواية مسلم، وهي: "قال: فأرسلها عبد اللَّه مرسلة، وأما عمر فقال: ببعض".
قال النووي: معناه أن ابن عمر أطلق في روايته تعذيب الميت ببكاء الحيّ، ولم يقيده بيهوديّ، كما قيّدته عائشة، ولا بوصيّة، كما قيده آخرون، ولا قال: "ببعض بكاء أهله"، كما رواه أبوه عمر انتهى. والحاصل أن الظاهر أن رواية ابن عمر - ﵄ - هنا غير مقيدة "ببعض". واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ٤٧٠.
[ ١٨ / ٣٠٨ ]
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ، يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ) أي العموم، وهو أن يكون بصوت، أو ندبة، أو يروي بعض ذلك الكلام، لأن في روايته "ببعض بكاء أهله"، كما سيأتي قريبًا (خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ) وفي رواية البخاريّ: "ثم حدّث، فقال: صَدَرتُ مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء … " (حَتَّى إِذَا كُنَّا بالْبَيْدَاءِ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتانية: مفازة بين مكة والمدينة، قاله العينيّ، وقالَ القاري: موضع قريب من ذي الحليفة (رَأَى رَكْبًا) بفتح، فسكون: أي جماعة راكبين (تَحْتَ شَجَرَةٍ) ولفظ الشيخين: "فإذا هو بركب تحت ظلّ سمرة" و"السمرة" بفتح المهملة، وضم الميم: شجرة عظيمة، من شجر العضاه (فَقَالَ) أي عمر - ﵁ - (انْظرْ مَنِ الرَّكْبُ؟) أي تحقق لي هؤلاء الجماعة، من هم؟ (فَذَهَبْتُ، فَإِذَا) هي الْفُجَائِيَّةُ (صُهَيْبٌ) بصيغة التصغير ابن سنان بن قاسط، كان من السابقين الأولين المعذّبين في اللَّه تعالى، وقد تقدّمت ترجمته ٨٩/ ١٣٤٦ (وَأَهْلُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَيهِ) أي إلى عمر (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا) الركب (صُهَيبٌ وَأَهْلُهُ، فَقَالَ) عمر (عَلَيَّ بصُهَيْبٍ) وللبخاري: "ادعه لي"، و"عليّ" اسم فعل، بمعنى أحضره عندي. زاد في رواية البخاري: "فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل، فالحَقْ أمير المؤمنين" (فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، أُصِيبَ عُمَرُ) - ﵁ -، أي أصيب بالطعن، طعنه أبو لؤلؤة عبد للمغيرة بن شعبة - ﵁ -، وسبب ذلك ما رواه ابن سعد في "الطبقات" بإسناد صحيح إلى الزهري، قال: "كان عمر - ﵁ - لا يَأذَن لسبي قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفة، يذكر له غلاما عنده صانعًا، ويستأذنه أن يُدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالًا تنفع الناس، إنه حدّاد، نقّاش، نجّار، فأذن له، فضرب عليه المغيرة كلَّ شهر مائة، فشكى إلى عمر شدّة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطًا، فلبث عمر ليالي، فمرّ به العبد، فقال: ألم أُحَدَّث بأنك تقول: لو أشاء لصنعت رحًى، تَطحَن بالريح؟، فالتفت إليه عابسًا، فقال: لأصنعنّ لك رحى يتحدّث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعّدني العبد، فلبث ليالي، ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس: "الصلاة الصلاة"، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا منه عمر وثب إليه، فطعنه ثلاث طعنات، إحداهنّ تحت السرّة، قد خرقت الصفاق (^١)، وهي التي قتلته".
وفي حديث أبي رافع: "كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة بن شعبة، وكان يستغلّه أربعة دراهم -أي كلّ يوم- فلقي عمر، فقال: إن المغيرة أثقل عليّ، فقال: اتق اللَّه، وأحسن
_________________
(١) "الصِّفَاق" ككتاب: الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد والْمُصْرَان، أو جلد البطن كله. قاله في "ق". ص ٨١٠ - ٨١١.
[ ١٨ / ٣٠٩ ]
إليه، ومن نيّة عمر أن يَلقَى المغيرةَ، فيكلّمه، فيخفّف عنه، فقال العبد: وَسِعَ الناسَ عدلُهُ غيري، وأضمر على قتله، فصنع له خنجرًا، له رأسان، وسَمَه، فتحرّى صلاة الغداة حتى قام عمر، فقال: أقيموا صفوفكم، فلما كبر طعنه في كتفه، وفي خاصرته، فسقط". وعند مسلم من طريق معدان بن أبي طلحة: "أن عمر خطب، فقال: رأيت ديكًا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي"، وزاد في رواية: "فما مرّ إلا تلك الجمعة، حتى طُعن".
وقد ساق البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- قصة قتله - ﵁ - في "صحيحه" مطولة فقال:
٣٧٠٠ - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب - ﵁ -، قبل أن يُصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف، قال: كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا، قد حملتما الأرض (^١) ما لا تطيق، قالا: حَمَّلْناها أمرا، هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا، أن تكونا حملتما الأرض، ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني اللَّه، لأدعن أرامل أهل العراق، لا يحتجن، إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة، حتى أصيب، قال: إني لقائم، ما بيني وبينه، إلا عبد اللَّه بن عباس، غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين، قال: استووا، حتى إذا لم ير، فيهن خللا، تقدم، فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك، في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو، إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العِلْج (^٢) بسكين، ذات طرفين، لا يمر على أحد، يمينا ولا شمالا، إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه بُرْنُسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ، نحر نفسه، وتناول عمرُ يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فمن يلي عمر، فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، فصلى بهم عبدالرحمن، صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله اللَّه، لقد أمرت به معروفا، الحمد للَّه الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل، يَدَّعي الإسلام، قد كنتَ أنت وأبوك، تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس، أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلتُ، أي إن شئت قتلنا، قال: كذبتَ، بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلَّوا قبلتكم، وحجوا حجكم، فاحتُمل إلى بيته، فانطلقنا معه،
_________________
(١) -هي أرض السواد، بعثهما إليها يضربان عليها الخراج، وعلى أهلها الجزية.
(٢) -بكسر، فسكون: الرجل من كفار العجم، جمعه عُلُوج، وأعلاج. "ق".
[ ١٨ / ٣١٠ ]
وكأن الناس، لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ، فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن، فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يُثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، ببشرى اللَّه لك، من صحبة رسول اللَّه - ﷺ -، وقدم في الإسلام، ما قد علمتَ، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف، لا علي، ولا لي، فلما أدبر، إذا إزاره يمس الأرض، قال: رُدُّوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد اللَّه بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا، أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر، فأدَّه من أموالهم، وإلا فسل فى بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يَقرَأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، أن يدفن مع صاحبيه، فسلَّمَ، واستأذَنَ، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد اللَّه بن عمر، قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب، يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد للَّه، ما كان من شيء، أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت، فاحملوني، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي، فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجتُ داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر، من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين توفي رسول اللَّه - ﷺ -، وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد اللَّه بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدا، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٩]، أن يُقبَل من محسنهم، وأن يُعفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم رِدْءُ الإسلام، وجُبَاة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم، إلا فضلهم، عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا،
[ ١٨ / ٣١١ ]
فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة اللَّه، وذمة رسوله - ﷺ -، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم، فلما قُبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد اللَّه بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك، مع صاحبيه، فلما فُرغ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، واللَّه عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبدالرحمن: أفتجعلونه إليّ؟ واللَّه علي أن لا آلُوَ عن أفضلكم، قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول اللَّه - ﷺ -، والقدم في الإسلام، ما قد علمت، فاللَّهُ عليك لئن أمّرتك، لتعدلن، ولئن أمّرت عثمان، لتسمعن، ولتطيعن، ثم خلا بالآخر، فقال له: مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار، فبايعوه انتهى (^١).
(فَجَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عِنْدَهُ) جملة في محل نصب على الحال (يَقُولُ) بدل اشتمال من "يبكي"، أو حال، فيكون من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة (وَا أُخَياهُ، وَا أُخَياهُ) لفظة "وا" للندبة، والألف في آخره زيدت للندبة، لتويل الصوت، والهاء للسكت، و"أُخَيَّا" بصيغة التصغير. ولفظ البخاريّ: "وا أخاه، وا صاحباه" (فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، لَا تَبْكِ) قال السنديّ -﵀-: خاف أن يفضي بكاؤه إلى البكاء بعد الموت، وإلا فالحديث في البكاء بعد الموت انتهى. وفي رواية البخاريّ: يا صهيب، أتبكي علي، وقد قال رسول اللَّه - ﷺ -: "إن الميت … " (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ") قيّده ببعض البكاء، فَيُحمَل على ما فيه نوح، وندبة، جمعًا بين الأحاديث، وقيل: المراد بالبعض ما يكون من وصيته، وقد تقدم تمام البحث في هذا، فلا تغفُل (قَالَ) أي ابن عباس - ﵄ - (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ) ولفظ البخاريّ: "فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة، فقالت: يرحم اللَّه عمر، لا، واللَّه ما حدّث رسول اللَّه - ﷺ - إن اللَّه يعذّب المؤمن ببكاء أحد".
قال النووي -﵀- في "شرحه": في هذا جواز الحلف بغلبة الظنّ بقرائن، وإن لم يقطع الإنسان، وهذا مذهبنا، ومِنْ هذا قالوا: له الحلف بدين رآه بخط أبيه الميت على
_________________
(١) - انظر "صحيح البخاري" بنسخة "الفتح" ج ٧ ص ٤١٩ - ٤٢١.
[ ١٨ / ٣١٢ ]
فلان، إذا ظنه.
فإن قيل: فلعلّ عائشة لم تحلف على ظنّ، بل على علم، وتكون سمعته من النبي - ﷺ - في آخر أجزاء حياته. قلنا: هذا بعيد من وجهين:
أحدهما: أن عمر، وابن عمر سمعاه - ﷺ - يقول: "يعذّب ببكاء أهله". والثاني: لو كان كذلك لاحتجّت به عائشة، وقالت: سمعته في آخر حياته - ﷺ -، ولم تحتجّ به، إنما احتجّت بالآية. واللَّه أعلم انتهى (^١).
(فَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ، مَا تُحَدِّثُونَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ كَاذِبَيْنِ، مُكَذَّبَينِ) اسم مفعول من كذّبه مضعّفًا: إذا نسبه إلى الكذب، تعني أنهما لا يكذبان قصدًا، ولا يَنسُبُهما أحد إلى الكذب (وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ) تعني أن هذا مما أخطأ فيه سمعهما (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ، لَمَا يَشْفِيكُمْ) أي يزيل إشكالكم في هذه المسألة، وهو قوله تعالى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، "أن" مخففة من الثقيلة، أدغمت في "لا" النافية، واسمها ضمير مقدر، وخبرها الجملة المنفية، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة"، حيث قال: وَإنْ تُخَفَّفْ "أَن" فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَة مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
والمعنى أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى (وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) يحتمل أن تشدد نون "لكن"، و"رسولُ اللَّه" اسمها، وأن تخفف، وما بعدها مبتدأ وخبر (قَالَ: "إِنَّ اللَهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا، ببُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" زاد في رواية الشّيخين: "وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، قال ابن عباس - ﵄ - عند ذلك: واللَهُ ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾، قال ابن أبي مليكة: واللَّه ما قال ابن عمر - ﵄ - شيئًا انتهى.
قال في "الفتح": قوله: قال ابن عباس الخ: أي عند انتهاء حديثه عن عائشة: واللَهُ ﴿هُوَ أَضحَكَ وَأَبكى﴾ أي إن العَبْرة لا يملكها ابن آدم، ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها، فضلا عن الميت. وقال الداوديّ: معناه أن اللَّه تعالى أَذِنَ في الجميل من البكاء، فلا يُعذِّب على ما أذن فيه. وقال الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة، أي أن بكاء الإنسان، وضحكه من اللَّه يظهر فيه، فلا أثر له في ذلك انتهى.
وقوله: "ما قال ابن عمر شيئا" قال الطيبي وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة، فسكت مُذعِنا. وقال الزين ابن المنير: سكوته لا يدلّ على الإذعان، فلعله كره المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبيّ: ليس سكوته لشكّ طرأ له بعد ما صرّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل، ولم يتعيّن له محمل يحمله عليه إذ
_________________
(١) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ٤٧١.
[ ١٨ / ٣١٣ ]
ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعين الحاجة إلى ذلك حينئذ. ويحتمل أن يكون ابن عمر فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته، لأنها يمكن أن يُتمسَّك بها في أن للَّه أن يعذّب بلا ذنب، فيكون بكاء الحي علامة لذلك، أشار إلى ذلك الكرماني. انتهى (^١).
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد مرّ تخريجه برقم ١٨٤٨ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…