١٨٥٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَزْرَقِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ، مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ، يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ، وَيَطْرُدُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ، وَالْقَلْبَ مُصَابٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (علي بن حجر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير المدني، نزيل بغداد، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣ - (محمد بن عمرو بن حَلْحَلة) -بمهملتين بينهما لام ساكنة- الديليّ المدني، ثقة [٦].
وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان ذا هيئة، ملازما للمسجد، وكذا قال ابن سعد. روى له الجماعة، سوى الترمذي، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط.
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٥٠٧.
[ ١٨ / ٣١٤ ]
٤ - (محمد بن عمرو بن عطاء) القرشيّ العامريّ المدنيّ، ثقة [٣] تقدم ٩٦/ ١٠٣٩.
٥ - (سلمة بن الأزرق) الحجازيّ مقبول [٣].
لم يرو عنه غير محمد بن عمرو، قال ابن القطان: لا يعرف حاله، ولا أعرف أحدًا من المصنفين في كتب الرجال ذكره. وقال الذهبي في "المغني" ١/ ٢٧٤: لا يُعرَف انتهى. انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وسيأتي ترجيح أنه ثقة، إن شاء اللَّه تعالى.
٦ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) القرشي العامري (^١) (أَنَّ سَلَمَةَ بنَ الْأَزْرَقِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، وفي الحديث قصّة ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
٥٨٥٥ - حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا إسماعيل، أخبرنى محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء بن علقمة، أنه كان جالسا، مع ابن عمر بالسوق، ومعه سلمة بن الأزرق، إلى جنبه، فَمُرَّ بجنازة، يتبعها بكاء، فقال عبد اللَّه بن عمر. لو ترك أهل هذا الميت البكاء، لكان خيرا لميتهم، فقال سلمة بن الأزرق. تقول ذلك يا أبا عبد الرحمن؟، قال: نعم أقوله، قال: إني سمعت أبا هريرة، ومات ميت من أهل مروان، فاجتمع النساء، يبكين عليه، فقال مروان: قم يا عبد الملك، فانَههُنَّ أن يبكين، فقال أبو هريرة. دعهن، فإنه مات ميت من آل النبي - ﷺ -، فاجتمع النساء، يبكين عليه، فقام عمر بن الخطاب ينهاهن، ويطردهن، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: دعهن يا ابن الخطاب، فإن العين دامعة، والفؤاد مصاب، وإن العهد حديث، فقال ابن عمر: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟، قال: نعم، قال، يأثره عن النبى - ﷺ -؟، قال: نعم، قال: فاللَه ورسوله أعلم انتهى (^٢).
(قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ، مِنْ ألِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) لم أعرف اسمه (فَاجْتَمَعَ النِّسَاء، يَبْكِينَ عَلَيْهِ) جملة في محل نصب على الحال (فَقَامَ عُمَرُ) ابن الخطاب - ﵁ - (يَنهَاهُنَّ) أي عن البكاء (وَيَطْرُدُهُنَّ) من باب قتل، أي يبعدهنّ من محلّ الميت (فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: "دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ) الفاء للتعليل، أي لأن العين دامعة، أي سائل دمعها، يقال: دمعت العينُ دَمْعَا، من باب نَفَعَ، ودَمِعَت دَمَعَا، من تَعِب، لغة فيه. قاله في "المصباح".
_________________
(١) هو محمد بن عمرو بن عطا بن عباس بن علقمة القرشي المدني ثقة من الثالثة، مات في حدود عشرين ومائة. اهـ "ت".
(٢) انظر "المسند" ج ٢ ص ١١٠.
[ ١٨ / ٣١٥ ]
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن بكاءهنّ كان بدمع العين، لا بالصياح، فلذلك رخّص في ذلك، وبه يحصل التوفيق بين أحاديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب انتهى (^١) (وَالْقَلْبَ مُصَابٌ) أي أصابه الحزن، وفي نسخة، وهو الذي في "الكبرى" "والفؤاد مصاب"، والمعنى واحد (وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ) أي وقت مفارقته الميت قريب، بحيث لا يغيب عن ذهنهم، حتى يتسلَّوا عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا صحيح.
فإن قلت: كيف يصحّ، وفي سنده سلمة بن الأزرق، وهو مجهول، كما تقدّم في ترجمته؟
قلت: بل هو ثقة، بدليل أن ابن عمر - ﵄ - اعتمد على روايته عن أبي هريرة - ﵁ - هذا الحديث، حتى قال بعد أن استوثق من سماعه من أبي هريرة، وأنه رفعه إلى النبي - ﷺ -: ما نصه: فاللَّه ورسوله أعلم، فلو لم يكن ثقة معتمدًا عليه، لما قال ذلك ابن عمر - ﵄ -.
قال العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- فيما كتبه على "مسند الإمام أحمد" -رحمه اللَّه تعالى- عند تخريجه لهذا الحديث: ما ملخّصه: ونحن نرجّح جدّا أنه ثقة، لأن محمد بن عمرو بن عطاء شهد مجلسه من ابن عمر، وروايته لابن عمر حديث أبي هريرة، وسؤال ابن عمر إياه، مستوثقًا من سماعه من أبي هريرة ما حدّثه عنه، ومن رفع أبي هريرة للحديث، عن النبي - ﷺ -، ثم جواب ابن عمر بعد أن استوثق منه بقوله: "فاللَّه أعلم"، تسليمًا منه بصحة الرواية، وهو صريحٌ في ثقة ابن عمر بهذا الرجل، وعدله، وصدقه، فلو كان مجروحًا عنده، أو متهمًا في صدقه، وفي معرفته بما يروي لَمَا قَبِلَ منه روايته، ولردّها عليه، إن شاء اللَّه، وهذا واضح بيّن انتهى كلام ابن شاكر -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (^٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قال العلامة أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- كلام نفيس جدًّا.
وحاصله أن سلمة بن الأزرق تابعي ثقة معروف عند ابن عمر، فلا شكّ في كون هذا
_________________
(١) - (شرح السندي) ج ٤ ص ١٩.
(٢) - انظر تحقيق أحمد شاكر للمسند ج ٨ ص ١٤٩.
[ ١٨ / ٣١٦ ]
الحديث صحيحًا، على أن للحديث شواهد كثيرة، سنوردها في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٦/ ١٨٥٩ - وفي "الكبرى" ١٦/ ١٩٨٦ وأخرجه (ق) ١٥٨٧ و(أحمد) ٥٨٥٥ و٧٦٣٤ و٨١٩٦ و٩٠٣٨ و٩٤٣٨ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في ذكر شواهد حديث الباب من الأحاديث التي وردت بإباحة البكاء على الميت:
فمنها: حديث جابر - ﵁ - في قصّة استشهاد أبيه في غزوة أحد، وقد تقدم للمصنف برقم ١٢/ ١٨٤٢، وهو متفق عليه.
ومنها: حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال. "زار النبي - ﷺ - قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله " الحديث. أخرجه مسلم رقم ٢٢٥٦.
ومنها: حديث أنس: - ﵁ - أن النبي - ﷺ - ذرفت عيناه لَمّا جعل ابنه إبراهيم في حجره، وهو يجود بنفسه، فقيل في ذلك؟ فقال. "إنها رحمة"، ثم قال: "العين تدمع، والقلب يَحزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا". متفق عليه.
وهو عند الترمذيّ، وحسّنه من حديث جابر - ﵁ - بلفظ: إن النبي - ﷺ - أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي - ﷺ -، فوضعه في حجره، فبكى، فقال له عبدالرحمن: أتبكي، أوَ لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: "لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خَمْش وجوه (^١)، وشَقّ جيوب، ورنّة شيطان".
ومنها: حديث عائشة - ﵂ -، قالت: رأيت رسول اللَّه - ﷺ - يقبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل". أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، والترمذي رقم ٩٨٩، وقال: حديث حسن صحيح. ومنها: ما أخرجه أحمد، عن ابن عباس - ﵁ -، قال: لما مات عثمان بن مظعون، قالت امرأة: هنيئا لك الجنة عثمانَ بنَ مظعون، فنظر رسول اللَّه - ﷺ - إليها، نظر غضبان، فقال: "وما يدريك"، قالت: يا رسول اللَّه فارسك، وصاحبك، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: "واللَّه إني رسول اللَّه، وما أدري ما يفعل بي"، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب ابنة رسول اللَّه - ﷺ -، قال رسول اللَّه - ﷺ -: "الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون، فبكت النساء، فجعل عمر، يضربهن بسوطه، فأخذ رسول اللَّه - ﷺ - بيده، وقال: "مهلا يا عمر"، ثم
_________________
(١) - هكذا نسخة الترمذي، ولعله سقط منه العاطف، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٣١٧ ]
قال: "ابكين، وإياكن، ونعيق الشيطان"، ثم قال: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن اللَّه -﷿-، ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان" انتهى.
قال الحافظ أبو بكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" ج ٣/ ١٧: وفيه علي بن زيد، وفيه كلام، وهو موثّق انتهى.
ومنها: ما أخرجه أحمد في "مسنده" عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول اللَّه - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده، لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأحاديث شواهد لحديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور في الباب.
والحاصل أن حديث الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكيم البكاء على الميت:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذب": قال الشافعيّ، والأصحاب: البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى، لحديث جابر بن عَتِيك - ﵁ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - جاء يعود عبد اللَّه بن ثابت … الحديث، وقد تقدّم للنسائي ١٤/ ١٨٤٦.
ولفظ الشافعيّ في "الأمّ": وأُرخص في البكاء قبل الموت، فإذا مات أمسكن. وقال صاحب "الشامل" وطائفة: يكره البكاء بعد الموت، لظاهر الحديث في النهي، ولم يقل الجمهور: يكره، وإنما قالوا: الأولى تركه، قالوا: وهو مراد الحديث، ولفظ الشافعيّ محتمل، هذا كلّه في البكاء بلا ندب، ولا نياحة (^١)، أما الندب والنياحة، ولَطْم الخدود، وشقّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونَشْرُ الشَّعْر، والدعاء بالويل والثبور، فكلها محرّمة باتفاق الأصحاب، وصرّح الجمهور بالتحريم، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة، وكذا وقع لفظ الكراهة في نصّ الشافعي في "الأم"، وحَمَلَها الأصحاب على كراهة التحريم، وقد نقل جماعةٌ الإجماعَ في ذلك. قال إمام الحرمين -﵀-: ورَفعُ الصوت بإفراط في معنى شقّ الجيب، قال غيره: هذا إذا كان مختارًا، فإن كان مغلوبًا لم يُؤاخَذ به، لأنه غير مكلّف، وأما قول الشافعيّ -﵀- في "الأمّ": وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فمراده الجلوس للتعزية. انتهى كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى- (^٢).
_________________
(١) - "الندب": تعديد محاسن الميت مع البكاء، كقولها: واجبلاه، واسنداه، واكريماه، ونحوها. و"النياحة": رفع الصوت بالندب. اهـ "المجموع" ج ٥ ص ٢٨٠.
(٢) - انظر "المجموع" ج ٥ ص ٢٨٠ - ٢٨١.
[ ١٨ / ٣١٨ ]
وقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- في "التمهيد": وفي نهي جابر بن عتيك للنساء عن البكاء دليل على أنه قد كان سمع النهي عن ذلك، فتأوّله على العموم، فقال له رسول اللَّه - ﷺ -: دعهن -يعني يبكين حتى يموت، ثم لا تبكينّ باكية- يريد واللَّه أعلم لا تبكينّ نياحًا، ولا صِيَاحًا بعد وجوب موته، وعلى هذا جمهور الفقهاء أنه لا بأس بالبكاء على الميت، ما لم يُخلَط ذلك بنُدْبة، وبنياحة، وشقّ جيب، ونشر شَعْرٍ، وخَمْش وجه. قال ابن عباس - ﵄ - في مثل هذا من بكاء العين، دون نياحة: اللَّهُ أضحك، وأبكى.
وقال في "الاستذكار": ما حاصله: الصِّيَاح، والنَّيَاحة لا يجوز شيء منه بعد الموت، وأما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحته، وعليه جماعة العلماء.
بكى رسول اللَّه - ﷺ - على إبراهيم ابنه، وقال: "إنها رحمة". أخرجه مسلم. وبكى على زينب ابنته، فقيل له: تبكي؟ فقال: "إنما هي رحمة، جعلها اللَّه في قلوب عباده".
أخرجه أبو داود. وعن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - نعى جعفرًا، وزيدًا، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تَذْرِفَان". أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة - ﵁ -: "زار رسول اللَّه - ﷺ - قبر أمه، فبكى، وأبكى مَن حوله". أخرجه مسلم. ورى أبو إسحاق السبيعيّ، عن عامر بن سعد البجليّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ، وثابت ابن زيد، وقَرَظَة بن كعب، قالوا: رُخّص لنا في البكاء على الميت من غير نَوْح.
وثبت عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن النَّوْح من حديث عمر، وعليّ، والمغيرة، وأم عطية، وأم سلمة، وأبي مالك الأشعريّ، وأبي هريرة، وغيرهم - ﵁ -. وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال والنساء، ورخّص الجمهور في بكاء العين في كلّ وقت.
وقد أخرج أحمد، وابن ماجه، واللفظ لأحمد بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن عمر، أن رسول اللَّه - ﷺ -، لما رجع من أحد، سمع نساء الأنصار، يبكين على أزواجهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له"، فبلغ ذلك نساء الأنصار، فجئن يبكين على حمزة، قال: فانتبه رسول اللَّه - ﷺ - من الليل، فسمعهن، وهن يبكين، فقال: ويحهن، لم يزلن يبكين بعدُ، منذ الليلة، مُرُوهن، فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم".
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: مُرّ على النبي - ﷺ - بجنازة يُبكَى عليها، وأنا معه، وعمر ابن الخطاب … - الحديث المذكور في الباب-. انتهى كلام الحافظ أبي عمر -رحمه اللَّه تعالى- (^١).
_________________
(١) - "الاستذكار" ج ٨ ص ٣١٢ - ٣١٤.
[ ١٨ / ٣١٩ ]
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تبيّن بما ذُكر من الأحاديث، وأقوال أهل العلم، أن البكاء على الميت مباح مطلقا، قبل الموت، وبعده، إذا خلا عن النياحة، وشَقِّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونحو ذلك، مما ورد النهي عنه، وستأتي الأحاديث في ذلك في الأبواب التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
ومنه يؤخذ الجمع بين الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء، وإباحته.
وحاصله أن أحاديث النهي عن البكاء مطلقًا، ومقيّدًا بما بعد الموت تحمل على البكاء الذي يفضي إلى ما لا يجوز، من النوح، والصُّرَاخ، وغير ذلك، وأحاديث الإباحة تحمل على مجرّد البكاء الذي هو دمع العين، وما لا يمكن دفعه من الصوت، وقد أشار إلى هذا الجمع قوله - ﷺ - في الحديث المتقدّم: "ولكن نهيت عن صوتين … ". وقوله في حديث ابن عباس المتقدّم: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن اللَّه -﷿-، ومن الرحمة … ". وقوله في حديث ابن عمر السابق: "إن اللَّه لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب … ". فيكون معنى قوله - ﷺ -: "لا يبكين على هالك بعد اليوم"، وقوله: "فإذا وجب فلا تبكين باكية" النهي عن البكاء الذي يصحبه شيء مما حرّمه الشارع، هذا هو الجمع الصحيح.
وقيل: إنه يُجمَع بأن الإذن بالبكاء قبل الموت، والنهي عنه بعده. ويرده ما تقدم من حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور في الباب، من قصّة زجر عمر للباكيات. وحديث عائشة - ﵂ - في قصّة موت سعد بن معاذ، وبكاء أبي بكر وعمر - ﵁ - المتقدّم، وحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة بكاء النبي - ﷺ - عند زيارة قبر أمه، وحديث جابر - ﵁ - في قصة استشهاد أبيه، وبكاء عمته عليه، وحديث ابن عباس - ﵄ - في قصة بكاء النساء على زينب ابنة رسول اللَّه - ﷺ -، وكلها وقعت بعد الموت، فليُتنبّه.
وقيل: يجمع بحمل النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهة، وقد تقدّم نقله عن الإمام الشافعي -﵀-، لكن حمله أصحابه على كراهة التحريم.
والحاصل أن الجمع الأول هو الراجح، كما قاله العلامة الشوكاني -﵀- تعالى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) - انظر "نيل الأوطار" ج ٤ ص ١٢٣ - ١٢٤.
[ ١٨ / ٣٢٠ ]