قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن الحديث الأول يدلّ على أن النبي - ﷺ - كان يحيى الليل كله، لأن قولها: "أحيا رسول اللَّه - ﷺ - الليل" ظاهر في إرادة كله، والحديث الثاني يدلّ على أنه كان يقوم بعضه، وكذا الحديث الثالث.
والذي يظر لي أنه لا اختلاف بين أحاديثها، لإمكان حمل قولها: "أحيا الليل" أي معظمه، بدليل الحديث الثاني، والثالث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٣٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: كَانَ إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، أَحْيَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن يزيد) أبو يحيى المكّيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة [٨] ١/ ١.
٣ - (أبو يعفور) الأصغر (^١): عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسْطاس بكسر النون بن أبي صفية الثعلبيّ العامريّ البكّائيّ، ويقال: البِكَاليّ، ويقال: السلميّ الكوفي، ثقة [٥].
روى عن السائب بن يزيد، وأبي الضحى، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم. وعنه
_________________
(١) - وأما أبو يعفور الأكبر فاسمه وقدان، ويقال: واقد، كوفي ثقة من الطبقة [٤].
[ ١٧ / ٣٦٣ ]
السفيانان، وابن المبارك، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، ويعقوب بن سُفيان: ثقة.
وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ١٦٣٩ و٢١٥٤ و٣٤٥٥ و٥٧٢٩.
٤ - (مسلم) بن صُبيح الهمدانيّ العطّار، أبو الضُّحَى الكوفي، ثقة فاضل [٤] ٩٦/ ١٢٣.
٥ - (مسروق) بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٢] ٩٠/ ١١٢.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - ﵂ - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وسفيان، فمكيان، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن بعض: أبو يعفور، عن مسلم، عن مسروق. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مَسْرُوقٍ) -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: قَالَتْ: عَائِشَةُ - ﵂ -: كَانَ إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ) أي ليالي العشر الأخير من رمضان، وصرّح بكونه الأخير في حديث علي - ﵁ -، عند ابن أبي شيبة، والبيهقيّ من طريق عاصم بن ضمرة، عنه. قاله في "الفتح" (أَحْيَا رَسُولُ) تنازعاه "كان"، و"أحيا" (اللَّهِ - ﷺ - اللَّيْلَ) الظاهر أن المصنف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن معناه أحيا كل الليل، فلذا قال في الترجمة: "الاختلاف على عائشة في إحياء الليل"، لكن الذي يظهر، كما قدمته قريبًا أنه يحمل على أن المعنى معظم الليل، فلا اختلاف بين أحاديثها - واللَّه تعالى أعلم.
ومعنى أحيا الليل: أي سَهِره، فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أي للصلاة، وروى الترمذيّ، ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت أم سلمة - ﵂ -: "لم يكن النبي - ﷺ - إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدًا من أهله، يُطيق القيام إلا أقامه".
(وَشَدَّ الْمِئْزَرَ) أي اعتزل النساء، وبذلك جزم عبد الرزّاق، عن الثوريّ، واستشهد بقول الشاعر: [من البسيط]
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ … عَنِ النِّسَاءِ وَلَو بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
[ ١٧ / ٣٦٤ ]
وذكر ابن أبي شيبة، عن أبي بكر بن عيّاش نحوه. وقال الخطابي: يحتمل أن يريد به الجِد في العبادة، كما يقال: شددت لهذا الأمر مِئْزري، أي تشمّرت له، ويحتمل أن يراد التشمير، والاعتزال معًا، ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز، كمن يقول: طويل النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة، فيكون المراد شدّ مئزره حقيقة، فلم يَحُلّه، واعتزل النساء، وشمّر للعبادة.
قال الحافظ: وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة المذكورة: "شدّ مئزره، واعتزل النساء"، فعطفه بالواو، فيتقوّى الاحتمال الأول انتهى (^١).
قال القرطبي -﵀-: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف، وفيه نظر، لقوله فيه. "وأيقظ أهله"، فإنه يُشعر بأنه كان معهم في البيت، فلو كان معتكفًا لكان في المسجد، ولم يكن معه أحد. وفيه نظر، فقد ثبت حديث: "اعتكفت مع النبي - ﷺ - امرأة من أزواجه"، وعلى تقدير أنه لم يعتكف أحد منهنّ، فيحتمل أن يوقظهن من موضعه، وأن يوقظهن عند ما يدخل البيت لحاجته. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٧/ ١٦٣٩ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ١٣٣٤ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه.
أخرجه (خ) ٣/ ٦١ (م) ٣/ ١٧٥ (د) ١٣٧٦ (ق) ١٧٦٨ (الحميديّ) ١٨٧ (أحمد) ٦/ ٤٠ (ابن خزيمة). ٢٢١٤ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من الاجتهاد في العبادة، مع أن اللَّه غَفَرَ له ما تقدم من ذنبه، وما تأخّر. ومنها. فضل ليالي العشر الأواخر من رمضان على غيرها من الليالي. ومنها: استحباب الاجتهاد في تلك الليالي ما لا يجتهد في غيرها، فقد أخرج مسلم، وغيره عن عائشة - ﵂ -، قالت: "كان رسول اللَّه - ﷺ -، يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره". ومنها: استحباب إيقاظ الأهل فيها لِيُحيُوها بالعبادة. واللَّه تعالى أعلم
_________________
(١) - فتح ج ٤ ص ٨٠٣.
[ ١٧ / ٣٦٥ ]
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: أَتَيْتُ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، وَكَانَ لِي أَخًا صَدِيقًا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، حَدِّثْنِي مَا حَدَّثَتْكَ بِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: قَالَتْ::: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْيِى آخِرَهُ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وسيأتي مطوّلًا في ٣٠/ ١٦٨٠ ويأتي شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء اللَّه تعالى.
و"محمد بن عبد اللَّه بن المبارك". هو المُخَرِّميّ البغداديّ، الثقة الحافظ. و"يحيى": هو ابن آدم بن سليمان الكوفي، الثقة الحافظ. و"زهير": هو ابن معاوية بن حُديج الكوفي الثقة المثبت، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفي الثقة العابد.
وغرض المصنّف بإيراده هنا بيان الاختلاف بينه وبين قولها في الحديث الماضي: "أحيا الليل"، وقد تقدّم قريبًا أن الأصحّ أنه لا معارضة بينهما إذ يُحمَلُ قولها: "أحيا الليل" على إحياء مُعْظَمِهِ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه الموضع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤١ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ:: لَا أَعْلَمُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا قَامَ لَيْلَةً، حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا، قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم في ٢/ ١٦٠١ - مطوّلًا، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وإنما أعاده هنا لبيان الاختلاف بينه وبين حديث عائشة المذكور أول الباب، وقد تقدم الجواب عنه قريبًا.
وسعيد: هو ابن أبي عروبة البصريّ الثقة المثبت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٢ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟»، قَالَتْ: فُلَانَةُ، لَا تَنَامُ. فَذَكَرَتْ مِنْ صَلَاتِهَا، فَقَالَ: "مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ، لَا يَمَلُّ اللَّهُ -﷿-، حَتَّى تَمَلُّوا"، وَكَانَ (^١) أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ، مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
_________________
(١) - وفي نسخة "ولكنّ أحب الدين إليه".
[ ١٧ / ٣٦٦ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائيّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٩.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة المشهور [٩] ٢/ ٢.
٣ - (هشام) بن عروة المدني، الثقة الفقيه [٥] ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدني الثقة الفقيه الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، دَخَلَ عَلَيْهَا) أي دخل البيت الذي فيه عائشة - ﵂ - (وَعنْدَهَا امْرَأَةٌ) جملة في محل نصب على الحال (فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، قَالَتْ: فُلَانَةُ) هذه اللفظة كناية عن كلّ عَلَم مؤنث، فلا تنصرف، زاد عبد الرزّاق، عن معمر، عن هشام في هذا الحديث: "حسنةُ الهيئة" (لَا تَنَامُ) أي كلّ الليل، ففي رواية لأحمد "لا تنام، تصلي"، وللبخاري تعليقًا "لا تنام بالليل".
وهذه المرأة وقع في رواية مالك أنها من بني أسد، ولمسلم من رواية الزهريّ، عن عروة في هذا الحديث أنها الحَوْلاء بنتُ تُوَيْت -بمثناتين مصغّرًا- ابن حبيب -بفتح المهملة- ابن أسد بن عبد العزى، من رهط خديجة أم المؤمنين - ﵂ -. وفي روايته أيضًا "وزعموا أنها لا تنام في الليل"، وفي روايته أيضًا "وزعموا أنها لا تنام الليل".
فإن قلت: وقع في حديث الباب، من رواية هشام، عن عروة "دخل عليها النبي - ﷺ -، وعندها امرأة"، وفي رواية الزهري، عنه "أن الحولاء مرّت بها"، فظاهره التغاير، فيحتمل أن تكون المارّة امرأة غيرها، من بني أسد أيضًا، أو أن قصّتها تعددت.
والجواب أن القصّة واحدة، ويبيّن ذلك رواية محمد بن إسحاق، عن هشام في هذا الحديث، ولفظه: "مرت برسول اللَّه - ﷺ - الحولاء بنت تُوَيت". أخرجه محمد بن نصر في "كتاب قيام الليل" له، فيُحمل على أنها كانت أوّلًا عند عائشة، فلمّا دخل - ﷺ - على
[ ١٧ / ٣٦٧ ]
عائشة قامت المرأة، كما في رواية حماد بن سلمة (^١)، فلما قامت لتخرج مرّت به في خلال ذهابها، فسأل عنها، وبهذا تجتمع الروايات. قاله في "الفتح" (^٢).
(فَذَكَرَتْ مِنْ صَلَاتِهَا) هذا تفسير لقولها: "لا تنام"، ولفظ "الكبرى"، وهي للبخاري أيضًا "تذكر من صلاتها". قال في "الفتح": بفتح الفوقانية، والفاعل عائشة، وروي بضم الياء التحتانية على البناء لما لم يُسمّ فاعله، أي يذكرون أن صلاتها كثيرة انتهى.
(فَقَالَ) - ﷺ - (مَهْ) قال الجوهري: هي كلمة مبنيّة على السكون، وهي اسم، سُمّي به الفعل، والمعنى اكفُفْ، يقال: مَهْمَتُهُ: إذا زجرتَهُ، فإن وصلتَ نَوَّنْتَ، فقلت: مَهٍ. وقال الداوديّ: أصل هذه الكلمة "ما هذا؟ "، كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظة، فقالوا: مَة، فصيّروا الكلمتين كلمة. وهذا الزجر يحتمل أن يكونْ لعائشة، والمراد نهيها عن مدح المرأة بما ذَكَرتْ، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة، فقالوا: يكره صلاة جميع الليل. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله جماعة هو الأرجح عندي، وهو ظاهر ما ذهب إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث أورد الحديث في جملة أحاديث عائشة - ﵂ - المختلفة في إحياء الليل، فإنه يدلّ على كراهة إحياء كلّ الليل بالصلاة مثل هذه المرأة، وهو يخالف حديثها المتقدّم "إذا دخلت العشر أحيا الليل"، وقد تقدم الجمع بين أحاديثها قريبًا، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم.
(عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ) أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلّف ما لا يطاق.
وقال القاضي عياض -﵀-: يحتمل أن يكون هذا خاصّا بصلاة الليل، ويحتمل أن يكون عامًا في الأعمال الشرعية انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: سبب ورده خاصّ بالصلاة، ولكن اللفظ عامّ، وهو المعتبر.
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: حمله على العموم هو الصحيح، لأنه ثبت في رواية للبخاري بلفظ: "عليكم ما تطيقون من الأعمال"، فهو ظاهر في إرادة العموم. وإنما
_________________
(١) - رواية حماد بن سلمة أخرجها الحسن بن سفيان في "مسنده" من طريقه، عن هشام بن عروة، ولفظه: "كانت عندي امرأة، فلما قامت، قال رسول اللَّه - ﷺ -: "مَنْ هذه يا عائشة؟ "، قلت: يا رسول اللَّه، هذه فلانة، وهي أعبد أهل المدينة … " فذكر الحديث. اهـ فتح ج ١ ص ١٢٥.
(٢) - "فتح" ج ١ ص ١٢٥ طبعة دار الريان.
[ ١٧ / ٣٦٨ ]
عبّر بقوله: "عليكم" مع أن المخاطب النساء، طلبًا لتعميم الحكم، فغلّب الذكور على الإناث. واللَّه تعالى أعلم.
(فَوَاللَّهِ) فيه جواز الحذف من غير استحلاف، وقد يُستحبّ إذا كان في تفخيم أمر من أمور الدين، أو حثّ عليه، أو تنفير من محذور. (لَا يَملُّ اللَّهُ -﷿-، حَتَّى تَمَلُّوا) هو بفتح الميم في الموضعين، والملال: استثقال الشيء، ونفور النفس عنه بعد محبّته.
وقد تقدم اختلاف العلماء في المعنى المراد بالملل هنا، وتحقيق القول الراجح في ذلك مستوفًى في شرح حديث عائشة - ﵂ - "كان لرسول اللَّه - ﷺ - حَصِيرة يبسطها بالنهار … " في-١٣/ ٧٦٢ - باب "المصلى يكون بينه وبين الإمام سُترة"، فراجعه، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وكان أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ) أي إلى اللَّه تعالى، أو إلى رسوله - ﷺ -، وفي نسخة: "ولكنّ أحبّ الدين إليه". قال في "الفتح": في رواية المستملي وحده "إلى اللَّه"، وكذا في رواية عبدة، عن هشام، عند إسحاق بن راهويه في "مسنده"، وكذا عند البخاريّ ومسلم من طريق أبي سلمة، ولمسلم عن القاسم، كلاهما عن عائشة، وقال باقي الرواة عن هشام: "وكان أحبّ الدين إليه"، أي إلى رسول اللَّه - ﷺ -، وصرح به البخاريّ في "الرقاق" في رواية مالك، عن هشام، وليس بين الروايتين تخالف، لأن ما كان أحبّ إلى اللَّه، كان أحبّ إلى رسوله - ﷺ -. (مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) أي الذي استمرّ عليه، ولم ينقطع عنه، وإن كان قليلًا، ففي الرواية [١٦٥٥] من طريق أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -: "وكان أحبّ العمل إليه ما داوم عليه، وإن قلّ".
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: بدوام القليل تستمرّ الطاعة بالذكر، والمراقبة، والإخلاص، والإقبال على اللَّه، بخلاف الكثير الشاقّ حتى ينمو القليل الدائم، بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة.
وقال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما أَحَبّ الدائم لمعنيين:
أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرّض للذمّ، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا يتعيّن عليه.
ثانيهما: أن مُداوِم الخير ملازمٌ للخدمة، وليس مَنْ لازَمَ الباب في كلّ يوم وقتًا ما، كمن لازم يوما كاملًا، ثم انقطع انتهى (^١).
_________________
(١) - راجع "الفتح" ج ١ ص١٢٧.
[ ١٧ / ٣٦٩ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مَثَلُ العمل الكثير الشاقّ المنقطع مثل المطر الغزير الذي ينزل بكثرة كأفواه القِرَب في يوم واحد، بحيث يهدم البيوت، ويُفسد الزروع، ويَقطع السُّبُل، ويموت كثير من الناس، والبهائم بسيوله، ثم ينقطع في اليوم الثاني، فإنه مضرّة، لا تنتفع منه البلاد، ولا يستفيد منه العباد.
ومثل العمل القليل الدائم، كمثل المطر القليل الذي ينزل كل وقت بحسب الحاجة، فيُنبت الزرع، ويُدرّ الضرع، ويملأ الأودية بمياهه، فينتفع به الناس، والبهائم، فإنه نفع محض؛ لنفعه البلاد، وإغاثته العباد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٧/ ١٦٤٢ وفي "الإيمان" ٢٩/ ٥٠٣٧ - وفي "الكبرى" ٩/ ١٣٠٧ - بالإسناد المذكور، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ١/ ١٧ (م) ٢/ ١٨٩ و٢/ ١٩٠ (ت) في "الشمائل" ٣١١ (ق) ٤٢٣٨ (أحمد) ٦/ ٤٦ و٦/ ٥١ و٦/ ١٩٩ و٦/ ٢١٢ و٦/ ٢٣١ و٦/ ٢٤٧ و٦/ ٢٦٨ (عبد بن حُميد) ١٤٨٥ (ابن خزيمة) ١٢٨٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: كراهة إحياء الليل كله بالعبادة، خشية الفتور، والملل على فاعله، فينقطع عن عبادة التزمها، فيكون رجوعًا عما بذل لربّه من نفسه. ومنها: جواز مدح الإنسان بما فيه من أعمال الخير. ومنها: استحباب الاقتصاد في العبادة، وكراهة التنطّع، والتعمّق فيها. ومنها: أن اللَّه تعالى يعامل عبده بما يعامله به هو، فإن أدام الإقبال عليه، أقبل عليه دائما، وإن أعرض عنه أعرض عنه، جزاء وفاقًا. ومنها: أن أحب الدين إلى اللَّه تعالى، وإلى رسوله - ﷺ - ما داوم عليه صاحبه، وإن كان قليلًا. ومنها: ما قاله النووي -﵀-: في هذا دليل لمذهبنا، ومذهب جماعة، أو الأكثرين، أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به، وهو رواية عن مالك، إذا لم يَنَم عن الصبح انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأولون هو الحقّ؛ لصريح حديث الباب، فقد أنكر النبي - ﷺ - ذلك علي هذه المرأة، ففي "موطأ مالك" -﵀- في هذا الحديث
[ ١٧ / ٣٧٠ ]
زيادة "وكَرِهَ ذلك، حتى عُرِفت الكراهة في وجهه" (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٣ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَرَأَى حَبْلًا مَمْدُودًا، بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الْحَبْلُ؟». فَقَالُوا: لِزَيْنَبَ، تُصَلِّى، فَإِذَا فَتَرَتْ، تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ».
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عمران بن موسى) القَزّاز الليثي، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦.
٢ - (عبد الوارث بن سعيد) العنبريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٣ - (عبد العزيز) بن صُهيب البُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٨/ ١٩.
٤ - (أنس بن مالك) الأنصاريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠١) من رباعيّات الكتاب. (ومنها). أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة، سوى أبي داود. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى - عنه من المكثرين السبعة، روت (٢٢٨٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَرَأَى حَبلًا مَمْدُودًا، بَيْنَ سَارِيتَيْن) أي اللتين في جانب المسجد، ولفظ البخاري "بين الساريتين" بالتعريف، وكأنهما كانتا معهودتين للمخاطب (فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟) أي ما فائدة مدّه بين السارتين؟ (فَقَالُوا) وفي نسخة "قالوا" (لِزَيْنَبَ) - ﵂ -.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: جزم كثير من الشرّاح، تبعًا للخطيب في "مبهماته" بأنها بنت جحش، أم المؤمنين - ﵂ -، ولم أر ذلك في شيء من الطرق صريحًا. ووقع في شرح الشيخ سراج الدين ابن الملقّن أن ابن أبي شيبة رواه كذلك، لكنّي لم أر في "مسنده"، و"مصنّفه" زيادة على قوله: "قالوا: لزينب". أخرجه عن إسماعيل ابن عُليّة، عن عبد العزيز، وكذا أخرجه مسلم عنه، وأبو نُعيم في "المستخرج" من طريقه،
_________________
(١) - انظر "شرح النووي" ج ٦ ص ٧٣.
[ ١٧ / ٣٧١ ]
وكذلك رواه أحمد في "مسنده" عن إسماعيل، وأخرجه أبو داود عن شيخين له، عن إسماعيل، فقال عن أحدهما "زينب"، ولم يَنسُبها، وقال عن آخر "حَمْنَة بنت جحش"، فهذا قرينة في كون زينب هي بنت جحش.
وروى أحمد من طريق حماد، عن حُميد، عن أنس أنها حمنة بنت جحش أيضًا، فلعلّ نسبة الحبل إليهما باعتبار أنه ملك لإحداهما، والأخرى المتعلّقة به. وقد تقدّم في "كتاب الحيض" أن بنات جحش كانت كل واحدة منهنّ تُدعى زينب، فيما قيل، فعلى هذا فالحبل لحمنة، وأطلق عليها زينب باعتبار اسمها الآخر.
ووقع في "صحيح" ابن خزيمة من طريق شعبة عن عبد العزيز: "قالوا: ليمونة بنت الحارث"، وهي رواية شاذّة، وقيل: يحتمل تعدد القصة، ووهِمَ من فسّرها بجويرية بنت الحارث، فإن لتلك قصة أخرى انتهى (^١).
(تُصَلِّي) أي صلاة الليل قائمة (فَإِذَا فَتَرَتْ) بفتح المثنّاة، أي كَسِلت عن القيام في الصلاة، ووقع في مسلم بالشكّ، "فإذا فَتَرت، أو كَسِلَت" -بكسر السين- (تَعَلَّقَتْ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "حُلُّوهُ) بضم الحاء، أمر من حَلَّ العُقْدَةَ يحُلُّها، من باب قتل: نَقَضَها. وزاد البخاريّ لفظة "لا" قبله، ولفظه: "لا، حُلُّوه"، قال في "الفتح": يحتمل النفي، أي لا يكون هذا الحبل، أو لا يُحمد، ويحتمل النهي، أي لا تفعلوه انتهى (لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَه) بفتح النون، أي مدّة نشاطه (فَإِذَا فَتَرَ) أي كسِلَ (فَليَقْعُدْ") يحتمل أن يكون أمرًا بالقعود عن القيام، فيُستدلّ به على جواز افتتاح الصلاة قائمًا، والقعود في أثنائها، وسيأتي نقل الخلاف فيه، في "باب صلاة القاعد" إن شاء اللَّه تعالى. ويحتمل أن يكون أمرًا بالقعود عن الصلاة، أي بترك ما كان عَزَم عليه من التنفّل، ويمكن أن يستدلّ به على قطع النافلة بعد الدخول فيها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٧/ ١٦٤٣ - وفي "الكبرى" في-٩/ ١٣٠٦ - بالإسناد المذكور، وفي "الكبرى" أيضًا -٩/ ١٣٠٦ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن إسماعيل ابن عُليّة، عن
_________________
(١) - "فتح" ج٣ ص ٣٤٧ - ٣٤٨.
[ ١٧ / ٣٧٢ ]
عبد العزيز به. واللَّه أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) رقم ١١٥٠ (م) ٧٨٤ (د) ١٣١٢ (ق) ١٣٧١ (أحمد) ١١٥٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: الحث على الاقتصاد في العبادة. ومنها: النهي عن التعمّق فيها. ومنها: الإقبال على العبادة بنشاط، وأنه إذا فَتَر فليقعد حتى يذهب عنه الفتور. ومنها: إزالة المنكر باليد واللسان لمن تمكن من ذلك. ومنها: جواز التنفّل للنساء في المسجد من غير كراهة، فإنها كانت تصلي النافلة فيه، فلم ينكر عليها ذلك، وإنما أنكر عليها التكلف لذلك، وجوازه للرجال يكون من باب أولى. ومنها: كراهة التعلّق بالحبل فى الصلاة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ، قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (محمد بن منصور) الجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٣ - (سفيان) بن عيينة، تقدم أول الباب.
٤ - (زياد بن عِلَاقة) الثعلبيّ، أبو مالك الكوفيّ، ثقة، رُمي بالنصب [٣] ٤٣/ ٩٥٠.
٥ - (المغيرة بن شُعبة) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفي الصحابي المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٦/ ١٧ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠٢) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه الثاني، فإنه من أفراده. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ) بكسر العين المهملة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) - رضي
[ ١٧ / ٣٧٣ ]
اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ، قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -) أي في صلاة الليل، وفي رواية البخاريّ، من طريق مِسعَر، عن زياد: "إن كان النبي - ﷺ - لَيقوم، أو ليصلي" (حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ،) أي انتفخت من طول القيام، وفي رواية البخاري المذكورة: "حتى تَرِمَ قدماه"، أو "ساقاه".
(فَقِيلَ لَهُ) لم يُسمّ القائل في حديث شعبة، وفي حديث عائشة - ﵂ -: فقالت له عائشة. لِمَ تصنع هذا يا رسول اللَّه … " (قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، وَمَا تَأَخَّرَ) وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -، عند البزّاز: "فقيل له: تفعل هذا، وقد جاءك من اللَّه أن قد غفر لك؟ ". (قَالَ) - ﷺ - ("أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا") الفاء للسببية، عن محذوف، تقديره، أأترك تهجّدي، فلا أكون عبدًا شكورًا. والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجّد شكرًا، فكيف أتركه.
قال ابن بطال -﵀-: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدّة في العبادة، وإن أضرّ ذلك ببدنه؛ لأنه - ﷺ - إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك، فضلًا عمن لم يأمن أنه استحقّ النار انتهى.
قال الحافظ -﵀-: ومحلّ ذلك ما إذا لم يُفض إلى الملال، لأن حال النبي - ﷺ - كانت أكمل الأحوال، فكان لا يملّ من عبادة ربّه، وإن أضرّ ذلك ببدنه، بل صحّ أنه قال: "وجُعِلَت قرّة عيني في الصلاة"، كما أخرجه النسائيّ من حديث أنس - ﵁ - (^١).
فأما غيره - ﷺ -، فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يُكرِه نفسه، وعليه يُحمل قوله - ﷺ - في الحديث السابق: "خذوا من الأعمال ما تطيقون" الحديث.
وقال القرطبيّ -﵀-: ظن من سأله عن سبب تحمّله المشقّة في العبادة أنه إنما يعبد اللَّه خوفًا من الذنوب، وطلبًا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غُفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أن هناك طريقًا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، وإيصال النعمة لمن لا يستحقّ عليه فيها شيئًا، فيتعيّن كثرة الشكر على ذلك، والشكر الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سُمّي شَكُورًا، ومن ثَمّ قال ﷾: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. انتهى .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث المغيرة بن شعبة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
_________________
(١) - سيأتي في "كتاب عشرة النساء" ١/ ٣٩٣٩ و١/ ٣٩٤٠.
[ ١٧ / ٣٧٤ ]
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ١٧/ ١٦٤٤ - وفي "الكبرى" ٢١/ ١٣٢٥ - بالإسناد المذكور، وفي "الكبرى" (^١) عن سويد بن نصر، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن ابن عيينة به. وعن قتيبة، عن أبي عوانة، عن زياد بن عِلاقة به. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٣ و٦/ ١٦٩ و٨/ ١٢٤ (م١) ٨/ ١٤١ (ت) ٤١٢ وفي "الشمائل" ٢٦١ (ق) ١٤١٩ (الحميدي) ٧٥٩ (أحمد) ٤/ ٢٥١ و٤/ ٢٥٥ (ابن خزيمة) ١١٨٢ و١١٨٣ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من كثرة العبادة، والاجتهاد فيها، والخشية من ربّه -﷿-، مع أنه غُفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر؛ ليكون عبدًا شكورًا.
قال العلماء ﵏: إنما ألزم الأنبياءُ - عليهم الصلاة والسلام - أنفسَهم بشدّة الخوف، لعلمهم بعظيم نعمة اللَّه تعالى عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته، ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق اللَّه تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد. واللَّه تعالى أعلم (^٢).
ومنها: أن الشكر يكون بالعمل، كما يكون باللسان، كما قال اللَّه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِهْرَانَ -وَكَانَ ثِقَةً- قَالَ: حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي، حَتَّى تَزْلَعَ -يَعْنِي تَشَقَّقُ- قَدَمَاهُ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلَاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (صالح بن مِهران) الشيباني مولاهم، أبو سفيان الأصبهانيّ، ثقة زاهد، كان يقال له: الحكيم [١١] (^٣).
_________________
(١) - هكذا عزاه إلى "الكبرى" في "تحفة الأشراف".
(٢) - انظر "الفتح" ج ٣ ص ٣٢٢.
(٣) - هكذا جعله في "ت" من الطبقة الحادية عشرة، والظاهر أنه من العاشرة. فليُتأمّل.
[ ١٧ / ٣٧٥ ]
روى عن النعمان بن عبد السلام، وشيبان بن زكريا المعالج، ومحمد بن يوسف الزاهد، وغيرهم. وعنه عمرو بن علي الفلاس، وأسيد بن عاصم، ومحمد بن عاصم، وغيرهم.
قال عمرو بن علي: كان ثقة. وقال أسيد بن عاصم: كان يفتي، وكان أفقه من الحسين بن حفص. وقال النسائيّ: ثقة. وقال أبو نُعيم: كان من الوَرَع بمحلّ. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "وكان ثقة": الظاهر أنه من كلام عمرو بن عليّ الراوي عنه. واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (النعمان بن عبد السلام) بن حَبيب بن حُطيط بن عُقبة بن خُثيم بن وائل بن مهانة ابن تيم اللَّه بن ثعلبة التيمي، أبو المنذر الأصفهانيّ، أصله من نيسابور، ثم صار إلى البصرة، فتفقه، ثقة عابد فقيه [٩].
روى عن سَلَمَة بن وَرْدان، وخالد بن دينار، وابن جريج، ومالك، وغيرهم. وعنه ابن مهديّ، من أقرانه، وسليمان الشاذَكُونيّ، وإبراهيم بن سُويد، وغيرهم.
كان عبد الرحمن بن مهديّ يقول: حدثنا النعمان أبو المنذر الرجل الصالح. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه. محله الصدق، قال: فقلت له: النعمان، وحسين بن حفص، وعصام، أيّهم أحبّ إليك في الثوريّ؟ فقال: النعمان أحبّ إليّ. وقال أبو الشيخ: هو أرفع مَن رَوَى عن الثوريّ من الأصبهانيين، قال: وكان ممن يَنتحل السنّة، وينتحل مذهب الثوريّ في الفقه، وكان أبوه يتبع السلطان، وخلّف له ضَيعَةً، فتركها النعمان، ولم يأخذها. وذكروا أنه ابن عمّ يزيد بن زُريع. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو نُعيم الأصبهانيّ: كان أحد العبّاد الزّهّاد الفقهاء. وقال الحاكم في "المستدرك": ثقة مأمون. توفي سنة (١٨٣) وقيل: (١٧٣). انفرد بالرواية له المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الحديث فقط، وله ذِكْرٌ في "اللقطة" من "سنن أبي داود".
٤ - (سفيان) بن سعيد الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (عاصم بن كليب) الجَرْميّ الكوفي، صدوق رُمي بالإرجاء [٥] ١١/ ٨٨٩.
٦ - (كُليب) بن شهاب، الجرمي الكوفي، صدوق [٢] ١١/ ٨٨٩.
٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ١٧/ ١٦٤٥ - وفي "الكبرى" ٢١/ ١٣٢٦ واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "تَزْلَعَ" بفتح الزاي، من باب تَعِبَ، قال المجد اللغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: الزَّلَعُ محرّكة: شُقَاقٌ في ظاهر القدم، وباطِنِهِ، وفي ظاهر الكفّ، أو تَفَطّرُ الجلد،
[ ١٧ / ٣٧٦ ]
وبهاءٍ: جِرَاحة فاسدة، وزَلِعَت جِراحتُهُ، كفَرِحَ: فسدت انتهى.
وقوله: "يعني تَشَقّق" جملة معترضة بين الفعل والفاعل الذي هـ و"قدماه"، وهو تفسير للزَّلَعِ من أحد الرواة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…