قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أفرد هذا القدر بترجمة ليشعر بأن النفي الذي حاصله التبرّي يقع بكلّ واحدة من الخصال المذكورات في الحديث، لا بمجموعها، ويؤيّد ذلك رواية مسلم بلفظ: "أو شقّ الجيوب، أو دعا الخ". أفاده في "الفتح" (^١).
والدَّعْوى- بالفتح مقصورًا - مصدر دَعَا، كالدُّعاء. يقال: دعوت زيدًا أدعوه دعاءً ودَعْوَى: ناديته، وطلبت إقباله، ودعوت اللَّهَ: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير. والمناسب هنا المعنى الأول.
وجمع الدَّعْوَى الدعَاوي بكسر الواو، وفتحها، قال بعضهم. الفتح أولى، لأن العرب آثرت التخفيف، ففتحت، وحافظت على ألف التأنيث التي بُني عليها المفرد، وبه يُشعر كلام أبي العباس أحمد بن ولاّد، ولفظه: وما كان على فُعْلَى بالضمّ، أو الفتح، أو الكسر، فجمعه الغالب الأكثر فَعَالَى بالفتح، وقد يكسرون اللام في كثير منه. وقال بعضهم. الكسر أولى، وهو المفهوم من كلام سيبويه، لأنه ثبت أن ما بعد ألف الجمع لا يكون إلا مكسورًا، وما فُتح منه فمسموع، لا يُقاس عليه، لأنه خارج عن القياس.
أفاده في "المصباح".
والمراد من الجاهلية زمن الفترة التي قبل الإسلام، والمراد بدعوى الجاهلية أن يدعو عند البكاء بالويل، والثبور، أو أن يقول: واكهفاه، واجبلاه، ونحو ذلك، مما كان يقوله الجاهلية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ الأَعْمَشِ ح أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدُعَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ». وَاللَّفْظُ لِعَلِيٍّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: «بِدَعْوَى».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (علي بن خَشْرم) المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] ٨/ ٨.
٢ - (الحسن بن إسماعيل) المُجَالديّ المصّيصيّ، ثقة [١٠] ٢٦/ ٤٣٢.
٣ - (عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨.
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٥١٢.
[ ١٨ / ٣٢١ ]
٤ - (ابن إدريس) عبد اللَّه الأودي الكوفي الثقة الفقيه العابد [٨] ٨٥/ ١٠٢.
٥ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحجة الشهير [٥] ١٧/ ١٨.
٦ - (عبد اللَّه بن مُرّة) الهمدانيّ الخارفيّ -بمعجمة، وراء، وفاء- الكوفيّ، ثقة [٣].
وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ، وابن حبّان. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال عمرو بن عليّ: سنة (١٠٠) وأرخه ابن قانع سنة (٩٩) روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب تسعة أحاديث.
٧ - (مسروق) بن الأجدع الهمدانيّ الكوفي المخضرم، ثقة ثبت [٢] ٩٠/ ١١٢.
٨ - (عبد اللَّه) بن مسعود - ﵁ - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه سداسيات المصنف -﵀-، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فعلي مروزيّ، والحسن مصيصي. وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرّة، عن مسروق. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ اللَّهِ) ابن مسعود - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "لَيْسَ مِنَّا) أي من أهل سنتنا، وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الرَّدْع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لستُ منك، ولستَ منّي، أي ما أنت على طريقتي.
وقال الزين ابن المنيّر -﵀-: ما ملخّصه. التأويل الأول يستلزم أن يكون الخبر إنما ورد عن أمر وجوديّ، وهذا يُصان كلام الشارع عن الحمل عليه، والأولى أن يقال: المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تعرّض لأن يهُجَر، ويُعرض عنه، فلا يَختلط بجماعة السنة، تأديبًا له على استصحابه حاله الجاهليّة التي قبّحها الإسلام، فهذا أولى من الحمل على ما لا يُستفاد منه قدر زائد على الفعل الموجود.
وحُكي عن سُفيان (^١) أنه كان يكره الخوض في تأويله، ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر.
وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل، أي أنه خرج من فرع من فروع الدين، وإن
_________________
(١) - هو ابن عيينة، كما بينه النووي في "شرح مسلم" ج ٢ ص ٢٩١.
[ ١٨ / ٣٢٢ ]
كان معه أصله، حكاه ابن العربيّ.
قال الحافظ -﵀-: ويظهر لي أن هذا النفي يفسّره التبرّي الآتي في حديث أبي موسى - ﵁ -، حيث قال: "بريء منه النبي - ﷺ - "، وأصل البراءة الانفصال من الشيء، وكأنه توعّده بأن لا يُدخله في شفاعته مثلًا. وقال المهلّب: قوله: "أنا بريء"، أي من فاعل ما ذُكر وقت ذلك الفعل، ولم يُرد نفيه عن الإسلام.
وهذا يدلّ على تحريم ما ذُكر من شقّ الجيب، وغيره، وكأن السبب في ذلك ما تضمّنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم، أو التسخّط مثلًا بما وقع، فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين. قاله في "الفتح" (^١).
(مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ) ولفظ البخاريّ: "من لَطَمَ الخدود". و"الخدود" جمع خدّ، قال المجد اللغوي -﵀-: الخدان -بالفتح- والخُدَّان- بالضمّ-: ما جاوز مؤَخَّر العينين إلى منتهى الشِّدْق، أو اللذان يكتنفان الأنف عن يمين وشمال، أو من لدُن المَحْجِر (^٢) إلى اللَّحْيِ، مذكّر انتهى.
وخص الخدْ بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك (وَشَقَّ الْجُيُوبَ) جمع جَيب -بالجيم، والموحّدة- وهو ما يفتح من الثوب ليُدْخَل فيه الرأس، والمراد بشقّه إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخّط (وَدَعَا بِدُعَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ) في "الكبرى": "بدعاء أهل الجاهلية"، ولمسلم: "بدعوى أهل الجاهلية"، أي من النياحة، ونحوها، وكذا الندبة، كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور، فقد أخرج ابن ماجه، وصححه ابن حبّان، من حديث أبي أمامة - ﵁ -: "إن رسول اللَّه - ﷺ - لعَنَ الخامشة وجهها، والشّاقّة جيبها، والداعية بالويل والثبور".
ثم إن عمومه يشمل الذكر والأنثى، وتخصيص الإناث في بعض الأحاديث خرج مخرج العادة، فإن هذه الأفعال إنما هي عادتهنّ، لا عادة الذكور، والواو فيهما بمعنى "أو"، فالحكم في كلّ واحد منها، لا في المجموع، لأن كلاّ منها دالّ على عدم الرضا، والتسليم للقضاء.
وقوله (وَاللَّفْظُ لِعَليٍّ) بيّن به اختلاف شيخيه في لفظ الحديث، فاللفظ المذكور هنا لشيخه عليّ بن خشرم، وأما شيخه الحسن بن إسماعيل، فيختلف لفظه عن لفظه قليلًا،
_________________
(١) -ج ٣ ص ٥١٢ - ٥١٣.
(٢) - الْمَحْجِر وزان مجلس، ومِنبَر: الحديقة، ومن العين ما دار بها، وبدا من البرقع، أو ما يظهر من نقابها. اهـ "ق".
[ ١٨ / ٣٢٣ ]
كما بيّنه بقوله (وَقَالَ الْحَسَنُ: "بدَعْوَى") والدعاء بالضم، والدعوى بالفتح والقصر مصدران لدعا، يقال: دعوت فَلانًا: إذا ناديته، وطلبت إقباله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٧/ ١٨٦٠ - و١٩/ ١٨٦٢ و٢١/ ١٨٦٤. وفي "الكبرى" ١٧/ ١٩٨٧ و١٩/ ١٩٨٩ و٢١/ ١٩٩١. وأخرجه (خ) ١٢٩٧ و١٢٩٤ و١٢٩٨ (م) ١٠٣ (ت) ٩٩٩ (ق) ١٥٨٤ (أحمد) ٣٦٥٠ و٣١٠٠ و٤٢٠٣ و٤٣٤٨ و٤٤١٦. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فى فوائده:
منها: تحريم هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث، لأنها مشعرة بعدم الرضا بالقضاء. ومنها: أن هذه الأشياء من صنيع الجاهلية، وأن المسلم يجب عليه الابتعاد من صنيعهم. ومنها: وجوب الرضا بقضاء اللَّه تعالى، والتسليم لأمره، لأنه تعالى أعلم بمصالح عباده منهم، وإنما يبتليهم بالمصائب إما ليكفّر بها عنهم سيئاتهم، وإما ليرفع بها درجاتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، فواجب العبد إذا أصيب بمصيبة، أن يسترجع، ويعلم أنه يعوّض من عند اللَّه تعالى خيرًا مما أصيب به، كما قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
وقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أم سلمة - ﵂ -، أنها قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول: ما أمره اللَّه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلِفْ لي خيرًا منها، إلا أخلف اللَّه له خيرًا منها"، وفي لفظ: "إلا أجره اللَّه في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها".
وأخرج البخاريّ -﵀- في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: "يقول اللَّه تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة". وأخرج مسلم في "صحيحه"، من حديث صهيب - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: "قال:"عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ١٨ / ٣٢٤ ]
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…