قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السَّلْقُ" بفتح، فسكون، مصدر سَلَقَ، من باب ضرب، ويقال: بالصاد بدل السين. قال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: السَّلْقُ: شدة الصوْت، وسَلَقَ لغةٌ في صَلَقَ: أي صاح، قال الأصمعيّ: الصوت الشديد وغيره بالسين، وقال أبو عُبيد. سَلَقَ. يعني رفع صوته عند موت إنسان، أو عند المصيبة، وقيل: هو أن تصُكَّ المرأة وجهها، وتَمْرُسَهُ، والأول أصحّ، ويقال: بالصاد. وقال ابن المبارك: من سَلَقَ: أي خَمَشَ وجهَه عند المصيبة، ومن السَّلْقِ رفعِ الصوتِ قولُهُم: خَطِيب مِسْلَقٌ انتهى كلام ابن منظور باختصار (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٦١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ خَالِدٍ الأَحْدَبِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، قَالَ: أُغْمِىَ عَلَى أَبِي مُوسَى، فَبَكَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ، كَمَا بَرِئَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ، وَلَا خَرَقَ، وَلَا سَلَقَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاس البصري الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ البصري، ثم المكيّ، ثقة ثبت [٩] ١٨١/ ٢٨٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عوف) بن أبي جميلة الأعرابي البصري، ثقة رمي بالقدر والتشيع [٦] ٤٦/ ٥٧.
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى": "عمرو" بدل عوف، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (خالد الأحدب) هو: ابن عبد اللَّه بن مُحرز ابن أخي صفوان بن مُحرز المازنيّ البصريّ، صدوق [٧].
وثقه العجليّ، وابن حبّان. روى له مسلم، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا
_________________
(١) - "لسان العرب" في مادة سلق.
[ ١٨ / ٣٢٥ ]
الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "الأحدب"، ويقال له أيضًا: "الأثبج"، بمثلثة، بعدها موحدة، وجيم، وهو كما في "ق": العريض الثَّبَج، أو الناتئه، والثَّبَج محرّكةً: ما بين الكاهل إلى الظهر انتهى.
٦ - (صفوان بن مُحرِز) بن زياد، المازنيّ، وقيل: الباهليّ، وقال الأصمعيّ: كان نازلًا في بني مازن، وليس منهم، ثقة عابد [٤].
قال أبو حاتم: جليل. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فضل وَرَع. وقال العجليّ: تابعي بصريّ ثقة. قال الواقديّ: توفي في ولاية بشر بن مروان. وقال ابن حبّان: مات سنة (٧٤) في ولاية عبد الملك، وكان من العبّاد، اتخذ لنفسه سَرَبًا يبكي فيه. وروى محمد بن نصر في "قيام الليل" من طريق يزيد الرقاشي أن صفوان بن مُحرِز كان إذا قام إلى التهجّد قام معه سُكّان داره من الجنّ، فصلَّوا بصلاته. انتهى. لكن يزيد الرقاشي، وهو ابن أبان، مع زهده ضعيف.
روى له الجماعة سوى أبي داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (أبو موسى الأشعريّ) عبد اللَّه بن قيس الصحابي المشهور - ﵁ - ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): شيخه هو أحد مشايخ الأئمة السنة الذين رووا عنهما بلا واسطة، وأن فيه رواية الراوي، عن عمه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ صَفْوَانَ بنِ مُحرِزِ) المازني، أنه (قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى) الأشعريّ، وفي رواية "وجع أبو موسى وَجَعًا، فغُشي عليه" (فَبَكَوْا عَلَيْهِ) وفي رواية مسلم من طريق أبي بردة ابن أبي موسى، قال: وجع أبو موسى وجعًا، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله … "، وفي رواية له من طريق عبد الرحمن بن يزيد، وأبي بردة بن أبي موسى، قالا: أغمي على أبي موسى، وأقبلت امرأته أم عبد اللَّه تصيح برَنَّة … ".
قال الحافظ بعد ذكر هذه الاختلافات: فحصلنا على أنها أم عبد اللَّه بنت أبي دومة، وأفاد عمر بن شبّة في "تاريخ البصرة" أن اسمها صفية بنت دمون، وأنها والدة أبي بُردة ابن أبي موسى، وأن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة، من قِبَلِ عمر بن
[ ١٨ / ٣٢٦ ]
الخطاب - ﵁ - انتهى.
وهي صحابية هاجرت مع أبي موسى، ذكرها الحافظ، وابن عبد البرّ في الكنى من الصحابيات (^١).
(فَقَالَ: أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ) وفي رواية مسلم المذكورة: "فلم يستطع أن يردّ عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء مما برىء منه رسول اللَّه - ﷺ -، فإن رسول اللَّه - ﷺ - برىء من الصالقة، والحالقة، والشاقّة"، وفي رواية له: "ثم أفاق، قال: ألم تعلمي -وكان يحدّثها- أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: "أنا بريء ممن حلق، وسلق، وخرق".
قال القرطبي -﵀-: أصل البراءة الانفصال عن الشيء، والبينونة منه، ومنه البراءة من العيوب والدين، ويحتمل أن يريد به أنه متبرّىء من تصويب فعلهم هذا، أو من العهدة اللازمة له في التبليغ انتهى (^٢).
وقال النوويّ نقلًا عن القاضي عياض -رحمهما اللَّه تعالى-: قوله: "أنا بريء ممن حلق"، أي بريء من فعلهنّ، أو ما يستوجبن من العقوبة، أو من عهدة ما لزمني من بيانه، وأصل البراءة الانفصال انتهى. قال النووي: ويجوز أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور، ولا يقدّر فيه حذف انتهى (^٣).
(كَمَا بَرِئَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، "لَيْسَ مِنَّا) مقول لقول مقدّر، أي قائلًا ليس منّا، فالكلام للنبي - ﷺ -، لا لأبي موسى - ﵁ - (مَنْ حلَقَ) أي الذي حلق شعره عند المصيبة (وَلَا خَرَقَ) أي شقّ ثوبه عند المصيبة (وَلَا سَلَقَ) أي الذي رفع صوته عند المصيبة، ويقال: بالسين والصاد، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي موسى - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٨/ ١٨٦١ و١٨٦٣ و١٨٦٥ و١٨٦٦ و١٨٦٧ وأخرجه (خ) ١٢٩٦ تعليقا (م) ١٠٤ (د) ٣١٣٠ (ق) ١٥٨٦ (أحمد) ١٩٠٤١ و١٩٠٩٣ و١٩١١٩ و١٩١٢٩ و١٩١٩١ و١٩٢٣٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
_________________
(١) - راجع "الإصابة" ج١٣ ص ٢٤٧.
(٢) - "المفهم" ج ١ ص٣٠١ - ٣٠٢.
(٣) - "شرح مسلم" ج ٢ ص ٢٩٤.
[ ١٨ / ٣٢٧ ]