قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف في حديثها - ﵂ -، أن الحديث الأول، والثاني يدلان على أن صلاة النبي - ﷺ - في الليل لا يختلف بالقيام والقعود، بل إذا افتتح قائما، ركع قائما، وإذا فتتح قاعدًا ركع قاعدًا، والأحاديث الثلاثة بعدهما يدلان على أن صلاته يختلف قيامًا وقعودًا، فكان يفتتح قاعدًا، فيقرأ طويلًا، ثم إذا بقي من قراءته قدر ثلاثين، أو أربعين آية قام، فقرأها، ثم ركع، وهكذا في الركعة الثانية، وأما الحديث الأخير ففيه أنه كان يصلي تسع ركعات، أو سبع ركعات بالقيام، ويصلي ركعتين جالسا.
قلت: لكن هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة أحاديثها، لأنه يُجمع بحمل ذلك على اختلاف الأوقات، فكان يفعل تارة هكذا، وتارة هكذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٤٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ بُدَيْلٍ، وَأَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا، رَكَعَ قَاعِدًا.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبله.
٢ - (حمّاد) بن زيد بن درهم الجَهْضَميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٣/ ٣.
٣ - (بُديل) بن مَيسرة الْعُقَيليّ البصريّ، ثقة [٥] ٥٥/ ٨٥٩.
٤ - (أيوب) بن أبي تَمِيمَة كيسان السَّختياني البصريّ، ثقة حجة فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
[ ١٧ / ٣٧٧ ]
[تنبيه]: قوله: "وأيوب" معطوف على "بديل"، مجرور بالفتحة لكونه غير منصرف، فما وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" من ضبطه بالرفع بضبط القلم غلطٌ، فليُتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (عبد اللَّه بن شَقيق) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقة فيه نصبٌ [٣] ١٧/ ١٥٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها) أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، فبغلانيّ، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها). أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كَان رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يُصَلِّي لَيلًا طَوِيلًا) ولمسلم من طريق شعبة، عن بُديل، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: كنت شاكيًا بفارس، فكنت أصلي قاعدًا، فسألت عن ذلك عائشة؟، فقالت: كان رسول اللَّه - ﷺ - يصلي ليلًا طويلًا قائمًا … " فذكر الحديث. وله من طريق خالد الحذّاء، عن عبد اللَّه ابن شقيق، قال: سألت عائشة، عن صلاة رسول اللَّه - ﷺ -؟، عن تطوعه، فقالت: كان يصلي في بيتي، قبل الظهر أربعا، ثم يخرج، فيصلي بالناس، ثم يدخل، فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل، فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي، فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات، فيهن الوتر، وكان يصلي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، وكان إذا قرأ، وهو قائم، ركع وسجد، وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا، ركع وسجد، وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر، صلى ركعتين.
(فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا) أي إذا افتتح الصلاة قائمًا (رَكَعَ قَائِمًا) أي أتم صلاته على هيئته (وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا، رَكَعَ قَاعِدًا) أي إذا ابتدأ الصلاة قاعدًا أتمها كذلك. وفي الرواية التالية، من طريق ابن سيرين، عن عبد اللَّه بن شقيق: "كان رسول اللَّه - ﷺ - يصلي قائمًا وقاعدًا، فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا، وإذا افتتح الصلاة قاعدًا، ركع قاعدًا". ولفظ مسلم: "يُكثر الصلاة قائمًا وقاعدًا … " فذكره.
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه جواز النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، وهو
[ ١٧ / ٣٧٨ ]
إجماع العلماء انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٨/ ١٦٤٦ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ١٣٥٥ - بالإسناد المذكور، وفي ١٦٤٧ - عن عبدة بن عبد الرحيم، عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين، عن عبد اللَّه بن شَقِيق، عنها. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ١٦٢ (د) ٩٥٥ و١٢٥١ (ت) ٣٧٥ وفي "الشمائل" ٢٨٠ و٤٣٦ و٢٨٦ (ق) ١١٦٤ و١٢٢٨ (أحمد) ٦/ ٣٠ و٩٨ و١٠٠ و١١٢ و١١٣ و١٦٦ و٢٠٤ و٢١٦ و٢٢٧ و٢٢٨ و٢٣٦ و٢٤١ و٢٦١ و٢٦٢ و٢٦٥ (ابن خزيمة) ١١٦٧و ١١٩٩ و١٢٤٥ و١٢٤٦ و١٢٤٧ و١٢٤٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يُصَلِّي قَائِمًا وَقَاعِدًا، فَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا، رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا، رَكَعَ قَاعِدًا.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبدة بن عبد الرحيم) المروزي، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٧.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح الحافظ الحجة الثبت [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (يزيد بن إبراهيم) التُّسْتَريّ -بضم المثناة، وسكون المهملة، وفتح المثناة، ثم راء- أبو سعيد التميميّ مولاهم، نزيل البصرة، ثقة ثبت، من كبار [٧].
روى عن الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وغيرهم. وعنه وكيع، وبَهْز بن أسد، وابن مهديّ، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: يزيد بن
_________________
(١) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ١٠.
[ ١٧ / ٣٧٩ ]
إبراهيم أثبت من جرير بن حازم. وقال ابن أبي خيثمة: سُئل ابن معين عن يزيد بن إبراهيم، والسَّريّ بن يحيى، أيّهما أثبت؟ فقال: يزيد لا شكّ فيه، والسريّ ثقة. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: هشام بن حسّان أحبّ إليك في ابن سيرين، أو يزيد ابن إبراهيم؟ فقال: ثقتان، قلت: فيزيد، أو جعفر بن حيّان؟، قال: يزيد. قال عثمان: وسمعت أبا الوليد يقول: يزيد أثبت عندنا من هشام، وقال يزيد بن زُريع: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحسن أثبت من يزيد بن إبراهيم. وقال عبد الرحمن بن الحَكَم: ليس في أصحاب الحسن أثبت منه. وقال محمود بن غَيلان: ذُكر يزيد بن إبراهيم عند وكيع، فقال: ثقة ثقة. وقال ابن المدينيّ: ثَبْتٌ في الحسن، وابن سيرين. وقال يحيى ابن معين: يزيد بن إبراهيم، عن قتادة ليس بذاك. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة.
وقال أبو حاتم: ثقة من أوسط أصحاب الحسن وابن سيرين. وقال زياد بن أيوب، عن سعيد بن عامر. حدثنا يزيد بن إبراهيم الصدوق المسلم. وقال ابن سعد: كان ثقة ثَبْتًا، وكان عفّان يرفع أمره. ووثقه أحمد بن صالح، وعمرو بن عليّ، وابن نمير. وقال عليّ ابن إشكاب: حدثنا أبو قَطَن، حدثنا يزيد بن إبراهيم التُّستَريّ الذهب المُصَفّى. وقال عثمان الدارميّ، عن أبي الوليد: ما رأيت أكيس منه، كان يُحدّث عن الحسن، فيُغرب، ويحدثنا عن ابن سيرين، فيَلحَن، يعني أنه كان يحدّث كما سمع. وقال ابن عديّ: وليزيد أحاديث مستقيمة عن كلِّ من يَروي عنه، وإنما أُنكرت أحاديثُ رواها عن قتادة، عن أنس، وهو ممن يُكتب حديثه، ولا بأس به، وأرجو أن يكون صدوقًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وفرّق أبو محمد بن حرم في كتاب الحجّ من "المحلّى" بين يزيد بن إبراهيم التستريّ، وبين يزيد بن إبراهيم الراوي عن قتادة، فقال: إن التستريّ ثقة ثبت، والراوي عن قتادة ضعيف. قال الحافظ: ولا أدري مَن هو سلفه في جعله اثنين. وقال أبو الوليد الطيالسيّ: مات سنة (١٦١) وقال عمرو بن علي: مات سنة اثنتين. وقال ابن ابنه محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم: مات سنة (١٦٣). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و٢٨٤٨ حديث: "احتجم، وهو محرم، من وَثْءٍ كان به".
٤ - (ابن سيرين) محمد الإمام الحجة الثبت [٣] ٤٦/ ٥٧.
والباقيان تقدما في السند الماضي، والحديث أخرجه مسلم، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، وَأَبُو النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ جَالِسٌ، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ، قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ
[ ١٧ / ٣٨٠ ]
آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ، وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المريّ، ثقة ثبت [١٠] ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ المصري الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٤ - (عبد اللَّه بن يزيد) المخزوميّ المدني الأعور المقرئ، ثقة [٦] ٥١/ ٩٦١.
٥ - (أبو النضر) سالم بن أبي أمية المدني، ثقة ثبت يرسل [٥] ٩٨/ ١٢١.
٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مدنيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو النضر، عن أبي سلمة، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، كَانَ يُصَلِّي، وَهُوَ جَالِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَيَقْرَأُ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَإذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ) فيه إشارة إلى أن الذي كان يقرؤه قبل أن يقوم أكثر، لأن البقيّة تطلق في الغالب على الأقلّ (قَدْرَ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةَ) "قدر" بالرفع فاعل "بقي" (قَامَ فَقَرَأَ، وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ) فيه أنه لا يشترط لمن افتتح النافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائما، قاله في "الفتح" (^١).
وقال في موضع آخر: فيه رد على من اشترط على من افتتح النافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا، وهو محكيّ عن أشهب، وبعض الحنفية، والحجة فيه ما رواه مسلم وغيره من طريق عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة في سؤاله لها عن صلاة النبي - ﷺ -، وفيه "كان إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا" (^٢)، وهذا
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٣٠٤.
(٢) - هو الحديث السابق للمصنف قبل هذا.
[ ١٧ / ٣٨١ ]
صحيح، ولكن لا يلزم منه منع ما رواه عروة عنها، فيُجمع بينهما بأنه كان يفعل كلًا من ذلك بحسب النشاط وعدمه. واللَّه أعلم.
وقد أنكر هشام بن عروة على عبد اللَّه بن شقيق هذه الرواية، واحتجّ بما رواه عن أبيه، أخرج ذلك ابن خزيمة في "صحيحه"، ثم قال: ولا مخالفة عندي بين الخبرين، لأن رواية عبد اللَّه بن شقيق محمولة على ما إذا قرأ جميع القراءة قاعدًا، أو قائما، ورواية هشام بن عروة محمولة على ما إذا قرأ بعضها جالسًا، وبعضها قائمًا انتهى (^١).
وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه جواز الركعة الواحدة، بعضها من قيام، وبعضها من قعود، وهو مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وعامّة العلماء، وسواء قام، ثم قعد، أو قعد، ثم قام، ومنعه بعض السلف، وهو غلط، وحكى القاضي عن أبي يوسف، ومحمد صاحبي أبي حنيفة في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ولو نوى القيام، ثم أراد أن يجلس جاز عندنا، وعند الجمهور، وجوّزه من المالكية ابن القاسم، ومنعه أشهب انتهى (^٢). (ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) أي من القراءة جالسًا، فإذا بقي من قراءته قدر ثلاثين، أو أربعين قام، فقرأ، وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-١٨/ ١٦٤٨ - بالإسناد المذكور، وفي ١٨/ ١٦٤٩ - و"الكبرى" - ٢٨/ ١٣٥٦ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها. وفي ١٨/ ١٦٥٠ - عن زياد بن أيوب، عن ابن عُليّة، عن الوليد أبي هشام، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عنها. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٢/ ٦٠ و٢/ ٦٧ (م) ٢/ ١٦٣ و٢/ ١٦٤ (د) ٩٥٣ (ق) ١٢٢٦ و١٢٢٧ (مالك في الموطإ) ١٠٥ (الحميديّ) ١٩٢ (أحمد) ٦/ ٤٦ و٥٢ و١٢٧و ١٧٨ و١٨٣ و٢٠٤ و٢٣١ (عبد بن حميد) ١٤٩٤ (ابن خزيمة) ١٢٤٠ و١٢٤٤ واللَّه تعالى أعلم
_________________
(١) - "فتح" ج ٣ ص ٣٤٤.
(٢) - "شرح مسلم" ج ٦ ص ١١ - ١٢.
[ ١٧ / ٣٨٢ ]
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٤٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ::: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَلَّى جَالِسًا، حَتَّى دَخَلَ فِي السِّنِّ، فَكَانَ يُصَلِّي، وَهُوَ جَالِسٌ، يَقْرَأُ فَإِذَا غَبَرَ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ، أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ بِهَا، ثُمَّ رَكَعَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله، ورجاله أيضًا تقدموا قريبًا، وإسحاق بن إبراهيم، هو الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، وعيسى بن يونس: هو السبيعيّ.
وقوله: "حتى دخل" في السن، أي كبر سنه. وقوله: "غير" بالغين المعجمة، والباء الموحّدة، غبُورًا، من باب قَعَد: بقي، وقد يستعمل فيما مضى أيضًا، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبَيديّ: غَبَر غُبُورًا: مَكَثَ، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي. قاله في "المصباح".
والمراد هنا المعنى الأول، أي بقي من قراءته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٥٠ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَقْرَأُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قَامَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ إِنْسَانٌ أَرْبَعِينَ آيَةً.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ورجاله رجال الصحيح، و"زياد بن أيوب": هو الملقّب دَلُّويَه البغداديّ، أبو هاشم طوسيّ الأصل، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. و"ابن عُلية": هو إسماعيل بن إبراهيم البصريّ الحافظ الثبت [٨] ١٨/ ١٩. و"الوليد بن أبي هشام": هو المدني، صدوق [٦] ١/ ١٥٩٧ واسم أبي هشام زياد.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ "الوليد بن هشام" بحذف لفظة "أبي"، وهو خطأ فاحش، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم.
و"أبو بكر بن محمد": هو ابن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدني، ثقة عابد [٥] ١١٨/ ١٦٣. و"عمرة": هي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣. وقد تقدّم قريبًا شرح الحديث، وبيان مسائله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٥١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ الْحَسَنِ،
[ ١٧ / ٣٨٣ ]
عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟، قُلْتُ: أَنَا سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَاكَ، قُلْتُ أَخْبِرِينِي عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ وَكَانَ، قُلْتُ: أَجَلْ. قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ فَيَنَامُ، فَإِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ، قَامَ إِلَى حَاجَتِهِ، وَإِلَى طَهُورِهِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَيُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُخَيَّلُ إِلَيَّ، أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ، فِي الْقِرَاءَةِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ يَضَعُ جَنْبَهُ، فَرُبَّمَا جَاءَ بِلَالٌ، فَآذَنَهُ (^١) بِالصَّلَاةِ، قَبْلَ أَنْ يُغْفِيَ وَرُبَّمَا يُغْفِي، وَرُبَّمَا شَكَكْتُ أَغْفَى، أَوْ لَمْ يُغْفِ؟ حَتَّى يُؤْذِنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَكَانَتْ تِلْكَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، حَتَّى أَسَنَّ، وَلَحُمَ، فَذَكَرَتْ مِنْ لَحْمِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ: وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ، قَامَ إِلَى طَهُورِهِ، وَإِلَى حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَيُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ، يُخَيَّلُ إِلَيَّ، أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْقِرَاءَةِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ يَضَعُ جَنْبَهُ، وَرُبَّمَا جَاءَ بِلَالٌ، فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، قَبْلَ أَنْ يُغْفِيَ، وَرُبَّمَا أَغْفَى، وَرُبَّمَا شَكَكْتُ أَغْفَى، أَمْ لَا؟، حَتَّى يُؤْذِنَهُ بِالصَّلَاةِ، قَالَتْ: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وقد
تقدّموا، و"عمرو بن علي": هو الفلاّس البصريّ، و"عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى
السامي البصريّ. و"هشام": هو ابن حسّان القُرْدُوسيّ البصريّ، والإسناد كله مسلسل
بالبصريّين.
وقولها: "كان وكان": أي كان كذا، وكان كذا، فقولها: "إن رسول اللَّه - ﷺ - كان يصلي الخ" تفصيل وبيان لقولها: "كان وكان". وقولها: "ثم يأوي إلى فراشه" أي يرجع ويجيء. وقولها: "إلى حاجته" المراد حاجة البول ونحوه. وقولها: "وإلى طَهوره" بفتح الطاء، أي الماء الذي يتطهّر به.
وقولها: "ثم دخل المسجد": أي المحلّ الذي يصلي فيه، لا المسجد الجامع، بدليل قولها في الرواية الأخرى: "ثم يقوم إلى مصلّاه"، وبدليل قولها: "ويسلّم تسليمة واحدة شديدة، يكاد يوقظ أهل البيت"، فإيقاظ أهل البيت إنما يكون إذا صلى في البيت.
_________________
(١) - وفي نسخة "فيؤذنه".
[ ١٧ / ٣٨٤ ]
وقولها: "يُخيّل إليّ" بتشديد الياء، مبنيا للمفعول: أي يقع في ظنّي. وقولها: "آذنه" أي أعلمه. وقولها: "قبل أن يُغفي" بضم الياء، من الإغفاء، وهو النوم الخفيف. وقولها: "فكانت تلك صلاة رسول اللَّه - ﷺ -" اسم الإشارة اسم "كان" مرفوع المحلّ، و"صلاة" بالنصب خبرها.
وقولها. "لَحُم" ككرُم، وعَلِمَ: أي كثر لحمه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في ٢/ ١٦٠١ - فراجعه تستفد.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…