قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على أبي إسحاق، كما سيتضح في كلام المصنف -رحمه اللَّه تعالى- أن عُمر بن أبي زائدة رواه عنه، عن الأسود، عن عائشة - ﵂ -، فخالفه يونس بن أبي إسحاق، فرواه من أبيه، عن الأسود، عن أم سلمة - ﵂ -، فجعله من مسند أم سلمة، بدلًا من كونه من مسند عائشة - ﵂ -، ثم خالف يونس شعبةُ، وسفيانُ الثوريّ، فروياه عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، فجعلا الواسطة بين أبي إسحاق، وأم سلمة أبا سلمة، بدلًا من الأسود.
هذا الاختلاف كله على حديث أبي إسحاق السبيعيّ الذي أشار إليه في الترجمة.
ثم بين المصنف -رحمه اللَّه تعالى- اختلافا آخر، وهو أنه قد خالف أبا إسحاق عثمانُ ابن أبي سليمان، فرواه عن أبي سلمة، عن عائشة، بدلًا من أم سلمة، ورواية عثمان أخرجها مسلم في "صحيحه". هذا خلاصة الاختلاف في هذا الحديث.
[فإن قلت]: كيف يُجمع بين هذه الاختلافات؟.
[قلت]: يُجمع بينها بأن أبا إسحاق رواه من حديث كل من عائشة، وأم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أما روايته لحديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فلا شك في
[ ١٧ / ٣٨٥ ]
صحتها لأن شعبة رواها عنه، وهو لا يروي عنه إلا ما صرح فيه بالسماع، وقد وقع التصريح بذلك في رواية المصنّف هنا. وأما روايته لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنهما، وإن كان فيها عنعنته، إلا أن رواية عثمان بن أبي سليمان الآتية -وهي صحيحة كما ذكرناه آنفًا- تشهد لها.
والحاصل أن الحديث صحيح مرويّ عن كلّ من عائشة، وأم سلمة - رضي اللَّه تعالى - عنهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٦٥٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ حَدِيثِ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَمْتَنِعُ مِنْ وَجْهِي، وَهُوَ صَائِمٌ، وَمَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، ثُمَّ ذَكَرَتْ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ، وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ، مَا دَامَ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا. خَالَفَهُ يُونُسُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفَلاّس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (أبو عاصم) الضحّاك بن مَخلَد النَّبِيل الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١٩/ ٤٢٤.
[تنبيه]: قوله: "عن حديث أبي عاصم" أي أخبرنا عمرو بن عليّ عما حدّثه به أبو عاصم النبيل. ووقع في نسخة "الكبرى" "عن حريث أبي عاصم" بالراء بدل "حديث أبي عاصم"، وهو غلطٌ فاحش، وأما ما كتبه محقق "السنن الكبرى" في الهامش فلا فائدة فيه، بل هو كلام ساقط. فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (عُمر بن أبي زائدة) الهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، أخو زكريّا، أكبر منه، صدوق [٦].
روى عن أبي إسحاق، وقيس بن أبي حازم، والشعبيّ، وغيرهم. وعنه ابن أخيه يحيى بن زكريا، وبهز بن أسد، وزيد بن الْحُباب، وأبو عاصم، وغيرهم.
قال ابن مهديّ: كان كَيّس الحفظ. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالح. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ليس به بأس. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: عُمر يرى القدر. وقال في موضع آخر: زكريّا أعلى من أخيه عمر بكثير. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال العُقيليّ: كان يرى القدر، وهو في الحديث مستقيم. وقال يعقوب بن سُفيان: عمر لا بأس به، وزكريّا ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". مات بعد (١٥٠). روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[ ١٧ / ٣٨٦ ]
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفيّ، ثقة مخضرم مكثر فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيحين وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبصريّ، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَمْتَنِعُ مِنْ وَجْهِي) أي من تقبيل وجهي (وَهُوَ صَائِمٌ) تعنى أنه - ﷺ - كان لا يمتنع من التقبيل لأجل الصوم؛ لأنه غير مانع من ذلك.
وفيه جواز القبلة للصائم، وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب الصيام" إن شاء اللَّه تعالى.
(وَمَا مَاتَ حتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاِتهِ قَاعِدًا) أي لأجل ضعفه عن القيام الطويل (ثُمَّ ذَكرَتْ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ) أي ذكرت عائشة - ﵂ - في حديثها كلمة، لم يحفظ الأسود لفظها، بل معناها، وهو "إلا المكتوبة"، والمعنى أنه - ﷺ - كان أكثر صلاته النافلة، في أواخر حياته بعد ما ضعف قاعدا، وأما المكتوبة فإنه لا يصليها إلا قائما.
وفيه دليل على جواز النافلة قاعدًا، وأما المكتوبة فلا تجوز إلا بالقيام للقادر عليه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَل إِلَيْهِ) أي إلى النبي - ﷺ - (مَا دَامَ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ) أي واظب، وثبت عليه، ولم ينقطع عنه إلا بعذر (وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا) أي وإن كان ذلك العمل الدائم قليلا، وقد تقدّم وجه كونه أحب من العمل الكثير المنقطع قبل باب، فراجعه، تستفد، واللَّه تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا في إسناده عنعنة أبي إسحاق، وهو مشهور بالتدليس، إلا أن رواية عثمان بن أبي سليمان الآتية تشهد له، فهو صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا-١٩/ ١٦٥٢ - وفي "الكبرى" ٢٩/
[ ١٧ / ٣٨٧ ]
١٣٥٧ - بالإسناد المذكور .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم بيّن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- الاختلاف الذي أشار إليه في الترجمة بقوله: (خَالَفَهُ يُونُس الخ) أي خالف يونسُ بنُ أبي إسحاق السبيعي عُمرَ بنَ أبي زائدة في هذا الإسناد، فرَوَاهُ عَن أَبِي إِسْحَاقَ السبيعيّ، عَنِ الْأَسْوَد بن يزيد، عَنْ أُمِّ سلَمَةَ، بدلًا من عائشة - ﵂ -، كما بيّنه بقوله:
١٦٥٣ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا، إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ.
خَالَفَهُ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ، وَقَالَا: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سليمان بن سَلْم البَلْخيّ) الْهَدَاديّ، أبو داود المصاحفيّ، ثقة [١١] ١١٨/ ١٠٧٥.
٢ - (النضر) بن شُميل، أبوْ الحسن البصريّ، نزيل مَرْوَ، ثقة ثبت، من كبار [٩] ٤١/ ٤٥.
٣ - (يونس) بن أبي إسحاق الهمدانيّ الكوفيّ، صدوق يَهِم قليلا [٦] ١٦/ ٦٥٢.
٤ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية، أم المؤمنين - ﵂ - ١٢٣/ ١٨٣.
والباقيان تقدّما في الذي قبله.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا فيه عنعنة أبي إسحاق أيضًا، إلا أن رواية شعبة التالية تشهد له، فهو صحيح، وهو هذا السياق من أفراد المصنف أيضًا من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا-١٩/ ١٦٥٣ وفي "الكبرى" ٢٩/ ١٣٥٨ - بالإسناد المذكور، وأخرجه (أحمد) ٦/ ٢٩٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- اختلافًا آخر في هذا الحديث، بقوله: (خَالَفَهُ) أي عيسى بنَ يونس (شُعْبَةُ) بن الحجّاج (وَسُفْيَانُ) الثوريّ (وَقَالَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) - ﵂ -، فجعلاه عن أبي سلمة بدلًا من الأسود، ثم ذكر رواية شعبة بقوله:
١٦٥٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، إِلاَّ الْفَرِيضَةَ، وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ أَدْوَمَهُ، وَإِنْ قَلَّ.
[ ١٧ / ٣٨٨ ]
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أم سلمة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح، أخرجه المصنف -رحمه اللَّه تعالى-: هنا -١٩/ ١٦٥٤ - وفي "الكبرى"-٢٩/ ١٣٥٩ بالإسناد المذكور، و١٩/ ١٦٥٥ بالإسناد الآتي، وأخرجه (ابن ماجه) ١٢٢٥ و٤٢٣٧ و(أحمد) ٦/ ٣٠٤ و٣١٩ و٣٢٠ و٣٢١ و٣٢٢.
و(إسماعيل بن مسعود): هو الجَحدري البصريّ. و(خالد) هو: ابن الحارث الْهُجَيميّ .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر رواية سفيان الثوريّ، بقوله:
١٦٥٥ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ، وَكَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَيْهِ، مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ.
خَالَفَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، ولا تضرّه عنعنة أبي إسحاق؛ لأنه صرح بالسماع في رواية شعبة السابقة، فانتفت تهمة التدليس. واللَّه تعالى أعلم.
و(عبد اللَّه بن عبد الصمد) هو ابن أبي خِدَاش -بكسر المعجمة، وآخره معجمة- واسمه عليّ، الأسديّ الْمَوْصليّ، صدوق [١١]. ووى عن أبيه، وعمه محمد، والوليد ابن مسلم. وعنه النسائي، وابن أخيه أحمد بن صالح بن عبد الصمد، ومحمد بن عَبْدُوس الدُّورِيّ، وغيرهم.
قال النسائيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال موسى بن محمد الغَسّانيّ: سمعته بِسُرَّ مَن رَأَى يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، فحدّثت به عليّ بن حرب، فقال: سَرَرْتَني. قال موسى: قال عليّ: كان قال لي: تعالَ حتى نَقِف في القرآن، فقلتُ له: اذهب أنت، فقف وحدك. أرّخ أبو زكريّا الأزديّ وفاته سنة (٢٥٥).
انفرد به المصنف، روى عنه في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم ١٦٥٥ و٣٤٢٠ و٤٩٧١.
و(يزيد) لم يتبيّن لي من هو، فقد ذكر في "تهذيب الكمال" ممن يروي عن سفيان الثوريّ، ممن اسمه يزيد ثلاثة: يزيد بن أبي حَكِيم العَدَنيّ، ويزيد زُريع، ويزيد بن هارون، فإن كان أحد هؤلاء الثلاثة، فالإسناد صحيح؛ لأن الأول صدوق، وأما الأخيران فإنهما إمامان مشهوران، وإلا فلا أدري من هو؟. واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٧ / ٣٨٩ ]
و(سفيان) هو الثوريّ .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "خالفه عثمان بن أبي سليمان" أي خالف أبا إسحاق السبيعي، عثمان أبي سليمان، فرواه عن أبي سلمة، عن عائشة، فجعله من مسند عائشة بدلًا من أم سلمة - ﵂ -، ورواية عثمان هذه أخرجها مسلم في "صحيحه"، وقد تقدّم أن الحديث ثابت مرويّ عنهما معا، فلا داعي لتغليط بعض الحفاظ، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر رواية عثمان بن أبي سليمان، فقال:
١٦٥٦ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث رجاله كلهم رجال الصحيح، وقد
تقدّموا.
و"الحسن بن محمد". هو الزعفراني، أبو عليّ البغداديّ صاحب الشافعيّ، ثقة [١٠] ٢١/ ٤٢٧. و"حجاج": هو بن محمد الأعور المصِّيصيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٨/ ٣٢.
و"ابن جُريج": هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل يدلس [٦] ٢٨/ ٣٢. و"عثمان أبي سُليمان". هو ابن جُبير بن مُطعم القرشيّ النوفليّ، قاضي مكة، ثقة [٦] ١٣/ ١٢٠٥.
والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم ٧٣٢ وأخرجه المصنّف هنا ١٩/ ١٦٥٦ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ١٣٦٠ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٦٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي، وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبو الأشعث) العجليّ، أحمد بن المِقْدَام البصريّ، صدوق [١٠] ١٣٨/ ٣١٩.
٢ - (يزيد بن زُيع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (الجُرَيريّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط بآخره [٥] ٣٢/ ٦٧٢.
٤ - (عبد اللَّه بن شَقِيق) العُقَيليّ البصريّ، ثقة فيه نَصْبّ [٣] ١٧/ ١٥٤٤.
[ ١٧ / ٣٩٠ ]
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابية، فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقِ) العُقَيليّ، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي، وَهُوَ قَاعِدٌ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَتْ: نَعَمْ) أي كان يصلي قاعدًا (بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ) الحَطْم. الكسر، تعني بعد ما ضعف بما حمّله الناس من أثقالهم، يقال: حَطَمَ فلانًا أهله، من باب ضرب: إذا كَبِر فيهم، كأنهم بما حمّلوه من أثقالهم صيّروه شيخًا كبيرًا محطومًا. أفاده في "اللسان". واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم -٧٣٢ -، وأخرجه المصنف هنا -١٩/ ١٦٥٧ - .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٦٥٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ، قَاعِدًا قَطُّ، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ، فَيُرَتِّلُهَا، حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا.
رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّموا قريبًا، سوى:
١ - (السائب بن يزيد) الكنديّ صحابي صغير - ﵁ -، تقدم ١٥/ ١٣٩٢.
٢ - (المطّلب بن أبي وَداعة) الحارث بن صَبِرَة بن سُعيد السَّهْميّ المدني، من مسلمة الفتح - ﵁ - ٤٩/ ٩٥٨.
٣ - (حفصة) بن عمر بن الخطّاب، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣٩/ ٥٨٣ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
[ ١٧ / ٣٩١ ]
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبلانيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض: السائب، عن المطّلب، عن حفصة - ﵂ - واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَفْصَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، صلَّى في سبْحَتِهِ) أي في صلاته النافلة (قَاعِدًا قَطّ، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفاتِهِ بِعَامٍ، فَكَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ، فَيُرَتِّلُهَا) أي يقرأها بتمهّل، يقال. رتلت القرآن ترتيلًا: تمهّلت في القراءة، ولم أعجل. قاله في "المصباح" (حَتَّى تَكُونَ) أي السورة بواسطة الترتيل (أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا) أي إلى أن تصير تلك السورة أطول من سورة أطول منها بسبب ترتيله قراءتها، وليس المراد أن نفس السورة تكون أطول.
وفيه استحباب الترتيل في تلاوة القرآن، إذ المطلوب من تلاوته التدبر في آياته، وتذكّر ما فيها من المعاني الباهرة، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، ولا يمكن ذلك للقارئ، والمستمع إلا بالترتيل .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى. في درجته: حديث حفصة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٩/ ١٦٥٧ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٣٧/ ١٣٧٦ - بالإسناد المذكور. واللَّه أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ١٦٤ (ت) ٣٧٣ وفي "الشمائل" ٢٨١ (مالك في الموطإ) ص ١٠٤ (أحمد) ٦/ ٢٨٥ (الدارمي) ١٣٩٢ و١٣٩٣ (ابن خزيمة) ١٢٤٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١٧ / ٣٩٢ ]