قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الدعاء بالموت أخصّ من تمنّي الموت، وكلّ دعاء تمنّ، من غير عكس. أفاده في "الفتح" (^١). واللَّه تعالى عنه بالصواب.
١٨٢٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، وَهُوَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَدْعُوا بِالْمَوْتِ، وَلَا تَتَمَنَّوْهُ، فَمَنْ كَانَ دَاعِيًا، لَا بُدَّ،
_________________
(١) - "فتح" ج ١٠ ص ١٣٤. طبعة دار الريّان.
[ ١٨ / ٢١٤ ]
فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي، مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن حفص بن عبد اللَّه) السلميّ، أبو عليّ النيسابوريّ، صدوق [١١] ٧/ ٤٠٩.
٢ - (أبوه) حفص بن عبد اللَّه بن راشد السلميّ، أبو عمر قاضي نيسابور، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩.
٣ - (إبراهيم بن طهمان) أبو سعيد الخراسانيّ، ثم المكي، ثقة يُغْرب [٧] ٧/ ٤٠٩.
٤ - (الحَجّاج) بن الحجّاج الباهليّ البصريّ الأحول، ثقة [٦] ٥٣/ ٦١٤٥
٥ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت فاضل وَرِعٌ [٥] ٨٨/ ١٠٩.
٦ - (ثابت) بن أسلم البُنَانيّ البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣.
وشرح الحديث يعلم مما سبق
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، أخرجه المصنف -﵀- هنا ٢/ ١٨٢٢ - وفي "الكبرى" ٢/ ١٩٤٨ - بالإسناد المذكور، وأخرجه (١) ٨/ ٦٤ و(أحمد) ٣/ ١٦٣ و١٩٥ و٢٤٧ و(عبد بن حميد) ١٢٤٦ و١٣٧٢، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ، وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ سَبْعًا، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ، دَعَوْتُ بِهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن بشار) أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (إسماعيل) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ الكوفي، ثقة ثبت [٤] ١٣/ ٤٧١.
٤ - (قيس) بن أبي حازم البجليّ أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ٤٦/ ٩٥٤.
٥ - (خَباب) بموحدتين الأولى مثقلة، ابن الأرتّ بهمزة وراء مفتوحتين، وتشديد التاء المثناة من فوقُ، أبو عبد اللَّه، التميميّ الصحابي المشهور - ﵁ -، سُبي في الجاهلية، وبِيع بمكة، ثم حالف بني زُهرة، وأسلم قبل أن يدخل رسول اللَّه - ﷺ - دار الأرقم، قيل: أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، فعُذّب عذابًا شديدًا لذلك، ذُكر أن عمر بن الخطّاب - ﵁ - سأله عما لقي في ذات اللَّه، فكشف عن ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم، قال خباب: لقد أُوقدت لي نار، وسُحِبتُ عليها، فما
[ ١٨ / ٢١٥ ]
أطفأها إلا ودك ظهري، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، وكان قَيْنًا في الجاهلية، يعمل
السيوف، ثم نزل الكوفة، ومات بها سنة (٣٧) هـ مُنصَرَفَ عليّ - ﵁ - من صِفِّين، وصَلَّى عليه عليّ - ﵁ -، وقيل: لما رجع عليّ من صفّين مرّ على قبر خبّاب، فقال: رحم اللَّه خبّابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مُجاهدًا، وابتُلي في جسمه أحوالًا، ولن يُضيّع اللَّه أجره. تقدّمت ترجمته ٢/ ٤٩٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف الإسناد:
(منها): أن رجاله كلهم من رجال الجماعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعيّ، وشيخ المصنف أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة، و"قيس" هو التابعي الذي انفرد من بين التابعين بالرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة - ﵃ -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن قيس بن أبي حازم -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قال: دَخَلْتُ عَلَى خَباب) ابن الأرت
- رضي اللَّه تعالى عنه - (وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ سَبعَا) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أنه قد تداوى بالكيّ من مرض أصابه في بطنه سبع كَيّات.
ولفظ أحمد من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: دخلت على خباب، وقد اكتوى سبعا فقال لولا أني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: "لا يتمنى أحدكم الموت" لتمنيته، ولقد رأيتني مع رسول اللَّه - ﷺ - ما أملك درهما وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم، قال: ثم أتُي بكفنه، فلما رآه بكى، قال: لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة مَلْحَاء (^١)، إذا جعلت على رأسه قَلَصَت عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مُدَّت على رأسه وجُعل على قدميه الإذخر. انتهى.
و"الكيّ": هو إحراق الجلد بحديدة ونحوها، قال الطيبيّ -﵀-: الكيّ علاج معروف في كثير من الأمراض، وقد ورد النهي عن الكيّ، فقيل: النهي لأجل أنهم كانوا يرون الشفاء منه، وأما إذا اعتقد أنه سبب، وأن الشافي هو اللَّه، فلا بأس به، ويجوز أن يكون النهي من قِبَل التوكّل، وهو درجة أخرى غير الجواز انتهى. ويؤيده حديث: "لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربّهم يتوكلون" متفق عليه.
وفي رواية الترمذيّ: "فقال: ما أعلم أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - لقي من البلاء ما لقيتُ". أي من الوجع الذي أصابه. وحكى الحافظ العراقيّ -﵀- في "شرح
_________________
(١) - أي فيها خطوط بيض وسود.
[ ١٨ / ٢١٦ ]
الترمذيّ": احتمال أن يكون أراد بالبلاء ما فُتح عليه من المال بعد أن كان لا يجد درهما، كما وقع صريحًا في رواية عنه، قال: "لقد كنتُ وما أجد درهما على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، وفي ناحية بيتي أربعون ألفًا". يعني الآن. وتعقّبه بأن غيره من الصحابة كان أكثر مالًا منه، كعبد الرحمن بن عوف. واحتمال أن يكون أراد ما لقي من التعذيب في أول الإسلام من المشركين، وكأنه رأى أن اتساع الدنيا عليه يكون ثواب ذلك التعذيب، وكان يُحبّ أن لو بقي له أجره مُوَفّرًا في الآخرة. قال: ويحتمل أن يكون أراد ما فَعَلَ من الكيّ مع ورود النهي عنه، كما قال عمران بن حُصين - ﵁ -: "نُهينا عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحنا" (^١). قال: وهذا بعيد، وكذلك الذي قبله انتهى (^٢).
(وَقَالَ) أي خباب - ﵁ -، وفي نسخة: "فقال" (لَوْلَا أَنّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالمَوْتِ، دَعَوْتُ بِهِ) أي ليستريح من شدّة المرض الذي من شأن الجِبِلّة البشريّة أن تنفِرَ منه، ولا تصبر عليه.
وفيه أن الدعاء بالموت ممنوع، وهذا لا يعارض ما تقدّم من حديث أنس - ﵁ -، لأن المراد هنا الدعاء بالجزم، وهناك بالتعليق، كما تقدّم إيضاحه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث خباب بن الأرت - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا ٢/ ١٨٢٣ و"الكبرى" ٢/ ١٩٤٩ - بالسند المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٧/ ١٥٦ و٨/ ٩٤ و٨/ ١٣ أو ١١٤ و٩/ ١٠٤ (م) ٨/ ٦٤ (ت) ٢٤٨٣ و٩٧٠ (الحميديّ) ١٥٤ (أحمد) ٥/ ١٠٩ و١١٠ و١١١ و١١٢ و٦/ ٣٩٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
_________________
(١) - أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح.
(٢) - راجع "الفتح" ج١٠ ص ١٣٤.
[ ١٨ / ٢١٧ ]